تضخّم الذات بعد الثورات.. حين ينتقد “الأنا” من يقف على أرضها! كتاب

زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com

يخرج علينا المهندس أحمد زين في دراسته “تضخم الذات بعد الثورات” بزيّ الباحث الأكاديمي المحايد، ليدخل مختبر علم النفس الاجتماعي ويشرح لنا “غرور الثوار”. لكن، وبنظرة فاحصة تتجاوز غلاف الكتاب، نجد أننا لسنا أمام نص بريء، بل أمام “مانيفستو” سياسي مغلف بلغة العلم، يرتدي معطف الباحث ليخوض معركة الشرعية في السودان المأزوم
تشخيص دقيق.. ولكن ببوصلة مائلة
يشرح زين بدقة آليات “النرجسية الجماعية” وشعور “الاستحقاق” الذي يصيب الفئات المنتصرة بعد الثورات. يتحدث عن التبرير الأخلاقي للقمع واحتكار تمثيل الشعب. وكلها مفاهيم حقيقية ومدروسة. لكن الإشكالية تبدأ حين نسأل: لماذا تُسلط العدسة حصرياً على “الثوار المدنيين”؟
إذا كان تضخم الذات مرضاً يصيب من بيده القوة أو من يظن أنه ملك الحقيقة، فهل العسكر محصنون بـ “لقاح” السيادة؟ وهل الإسلاميون الذين حكموا لثلاثة عقود لم تصبهم متلازمة “الاستحقاق الإلهي”؟ إن حصر “المرض” في فئة الثوار هو “انحياز معرفي” يمارسه الكاتب وهو يحذر منه!
من “الحاكمية” إلى “التمكين” بذرة النرجسية المقدسة
لا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن خلفية كاتبه المرجعية. فالرجل يكتب من داخل منظومة “التمكين” و”الحاكمية”. وهنا يبرز التناقض الأكبر-
الحاكمية حين ترى جماعة أنها لا تمثل رأياً سياسياً بل “الحق الشرعي”، أليس هذا هو الجذر العميق للتفوق الأخلاقي والنرجسية؟
التمكين حين تتحول السلطة من عقد اجتماعي إلى “مكافأة تاريخية” أو “منحة إلهية” للمصابرين، نصبح أمام تضخم ذات “مؤدلج” هو أخطر بمراحل من نشوة ثائر في ميدان
إن نقد زين للثوار لأنهم اعتقدوا أنهم “الأحق أخلاقياً” يبدو ناقصاً، ما لم يُطبق المشرط على خطاب يعتبر نفسه ممثلاً للقيم المطلقة. فأي تضخم ذات أخطر: الذي يستند إلى “شرعية الشارع” القابلة للتغيير، أم الذي يستند إلى “شرعية العقيدة” التي لا تُناقش؟
عسكرة “الضرورة” وتبرير القوة
يحذر زين من “التبرير الأخلاقي للقمع”، لكنه في السياق السوداني يميل لخطاب يرى في المؤسسة العسكرية “ضرورة وجودية” وهنا نسقط في فخ المعايير المزدوجة
حين يقول الثائر: “نحن نقمع لحماية الثورة”، يسميه زين تضخماً للذات
وحين يقول العسكري: “نحن نحكم لحماية الدولة”، ماذا يسميه؟
إذا تغير المعيار بتغير الفاعل، فنحن لسنا أمام “علم نفس”، بل أمام “اصطفاف سياسي” يمنح طرفاً حق الغرور وينزعه عن الآخر
المجتمع ليس “خردة” والوطن ليس “ركاماً”
في قراءة أعمق لخطاب “الركام” و”الفشل” الذي يروج له البعض، نجد محاولة لنزع الشرعية عن أي حراك مدني
الحقيقة أن السودان لا يعاني من “غرور الثوار” فحسب، بل من أزمة بنيوية: غياب المؤسسات، عسكرة السياسة، وثقافة تأليه الزعيم
الركام الحقيقي ليس في طوب البيوت المهدومة، بل في الخطاب الذي يريد إقناعنا بأن “الناس” انتهوا، وأن “الدولة” تلاشت، ليمهد الطريق لشرعية “المنقذ” الواحد، سواء كان يرتدي بزة عسكرية أو عباءة أيديولوجية
الامتحان الأخلاقي-هل النقد أداة للتحرر أم للتبرير؟
الكتاب يطرح سؤالاً جوهرياً كيف تتحول الثورة إلى استبداد جديد؟
لكن السؤال الذي نوجهه للكاتب هل يمكن أن يتحول “نقد الاستبداد” إلى أداة لتبرير نسخة أخرى منه؟
السودان اليوم لا يحتاج لمن يخبره أن الثوار يخطئون، فهذا بديهي. السودان يحتاج لخطاب يعترف بأن تضخم الذات مرض عابر للأيديولوجيات، يصيب الجنرال في مكتبه مثلما يصيب الناشط في منصته
تضخم الذات الذي يرتدي ثوب “القداسة” أو “الضرورة الوطنية” هو الأشد فتكاً، لأنه يرى نفسه فوق المساءلة
إن أي مشروع سياسي لا يقبل بأن يكون “نسبياً” وقابلاً للنقد، هو مشروع يحمل بذرة الاستبداد في أحشائه، مهما تجمل بلغة علم النفس أو أدبيات التحليل.

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

بين الأمس وبكرة – الحزب الشيوعي السوداني.. الرسالة تمت ولا الحكاية يادوب بدت؟

زهير عثمانzuhair.osman@aol.com ثمانين سنة في “سكة” السياسة السودانية ما رقم ساهل ولا كلام ساكت , …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor