تعقيب علي مقالات د.عبدالله البشير حول نقد فكر محمود محمد طه (2-3)
في كتابي الاسلام المعاصر وتحدي الحداثة .
2 من 3
د. امين حامد زين العابدين
يتسم فكر محمود طه بأخذه مفاهيم الحداثة العلمانية دون الاشارة الي مصدرها والتوهم بوجودها في النص بتأويل الآيات لكي تنسجم وتتوافق مع المفهوم الحداثي المقتبس مثل آية “يسألونك ماذا ينفقون قل العفو” باعتبارها آية اشتراكية واسقاطها علي مفهوم الاشتراكية الذي ظهر بمعني محدد بعد ظهور الثورة الصناعية وطبقة البروليتاريا في القرن الثامن عشر . وأخذ من الفلسفة الأخلاقية لكانط فكرة ان الانسان غاية في ذاته وليس وسيلة ومن ماركس مفهوم الاشتراكية التي ستتطور نحو الشيوعية (طه,68, 1968) ومن دارون فكرة التطور ومن الفهم الحداثي العلماني الذي ظهر بعد عصر التنوير الاوروبي والثورة الفرنسية مفاهيم الدستور و السيادة الشعبية والديمقراطية والمواطنة ،الفدرالية، الحرية وحقوق الانسان . كما أخذ بعض المفاهيم من تراث الفكر الديني الاسلامي دون الاشارة للمصدر واعادة صياغتها وفق رؤيته للرسالة الثانية من الاسلام . ومثال ذلك أخذه من بدر الدين الزركشي (1344-1392 م) فكرة تفسير كلمة ننسها الواردة في آية النسخ بأن المقصود ننسأ بمعني تأجيلها ( ولعله أستعارها من الطبري ( 839-923م) الذي سبق الزركشي في اعتبار معني ننسها تأجيلها) ليصير معني النسخ ان كل امر ورد العمل به في وقت ما لسبب يوجب الحكم مثل آيات المسامحة المكية التي لم تنسخها آيات المسايفة المدنية ، وكل منهما يجب امتثاله في وقته . وتجدر الاشارة الي ان معظم المفسرين يعتبرون ان ننسها الواردة في آية النسخ تعني النسيان وليس التأجيل لوجود آيات ان النبي ينسي كما ورد في العديد من الآيات القرآنية مثل “سنقرئك فلا تنسي* الا ما شاء الله”(الأعلي،7-6) ” وأذكر ربك ان نسيت”(الكهف ، 24) “وما أنسانيه الا الشيطان ان أذكره “(الكهف، 63) . وذكرابوعبيد القاسم بن سلام الهروي في كتابه الناسخ والمنسوخ خبر ورواية مفادها” بأن رجلاً كانت معه سورة فقام يقرأها في الليل فلم يقدر عليها ، وقام آخر يقرأها فلم يقدر عليها ، وقام آخر ثالث يقرأها فلم يقدر عليها ، فأصبحوا فأتوا رسول الله (ص) ، فقال بعضهم : يارسول الله قمت البارحة لأقرأ سورة كذا كذا فلم أقدر عليها ، وقال الآخر : ماجئت إلا لذلك ، وقال الآخر : وأنا يا رسول الله ، فقال رسول الله (ص):إنها نسخت البارحة ….” ( الهروي، الرياض، بدون تاريخ ،14) . وأشار جلال الدين السيوطي ان الله هو الذي أنسي الناس هذه السور لأن ” نسخ الرسم والتلاوة ، انما يكون بأن ينسيهم إياه ، ويرفعه من أوهامهم ، ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف، فيندرس علي الأيام كسائر كتب الله القديمة “( السيوطي، الإتقان في علوم القرآن ،274، 2008) . وتوسع محمود طه في فكرة تأجيل الحكم الي ان يحين الوقت كما يتضح بعد تلقيه الرسالة الثانية للاسلام بفضل الكشف والالهام اثناء العبادة في فترة الاعتكاف الروحي وذلك بتقسيمه للاسلام الي رسالتين وهما الرسالة الثانية الأصلية وجوهرها التسامح والرسالة الاولي الفرعية التي نزلت سورها في المدينة. وكان القصد عندما افترضنا ان محمود طه يعتقد ان الرسالة الثانية للاسلام التي تدعو للتسامح ابدية ، بحكم ان القيم الفاضلة مثل التسامح والكرامة والحرية جديرة بالبقاء الي نهاية الحياة الدنيا ، ان نجنبه المأزق الذي وقع فيه الزركشي الذي ستكون نتيجة مقولته ان آيات الاسماح مؤقتة لاحتمال العودة للعمل بآيات المسايفة والعنف حينما يستعيد المسلمين قوتهم ” …. قبول صورة لإله يتصف بصفتين : انه إله منقسم تختلف ارادته عن رضاه مما يجعله يأمر بشئ يكون غير راضياً عنه وانه ليس فعال لما يريد وانما أسير التاريخ إذ تتغير أحكامه وفق اعتبارات الظروف وضغوطها” حسبما جادل محمد محمود في سياق نقد زعم محمود محمد ان نسخ آيات الإسماح الأصلية قد تم نسخها لصالح آيات الفروع لاعتبارات تاريخية .( محمد محمود،6، 2021).
وذكر د. عبدالله في احدي مقالاته ” الفكرة المركزية للرسالة الثانية تقوم علي بعث آيات الأصول التي كانت منسوخة في السابق بحكم الوقت لتكون هي صاحبة الوقت في العصر الحاضر ولتكون عمدة التشريع”. فهلا أفادنا عبدالله او الثقاة من الاخوان الجمهوريين ان كان العصر الحاضر هو القرن العشرين الذي ظهرت فيه الرسالة الثانية مما يعني ان أوان تطبيقها يتم في حياة صاحبها في السودان أولاً خاصة وقد تمت الاشارة في ملاحق دستور الحزب الجمهوري ” بأن القدرة ستمكن الجمهوريين من تطبيق دستور القرآن علي المجتمع السوداني وبذلك تجئ جمهورية السودان نموذجاً صالحاً للدول ” ،أم ان الانسانية قد شهدت انتكاسة بعد اغتيال صاحب الرسالة الثانية قبل ان يتمكن من تطبيقها واستمر العصر الحاضر كوقت للرسالة الأولي الفرعية وسيأتي وقت الرسالة الثانية الأصلية في المستقبل حين ظهور مسيح الاسلام لتطبيقها ؟
ولعل السبب في تأييد محمود طه للانقلاب العسكري الذي قاده جعفر نميري في مايو 1969 وحظره نشاط الأحزاب الدينية السياسية (الاتحادي الديمقراطي،حزب الأمة و الاخوان المسلمين) التي دبرت ضده مكيدة محكمة الردة وكانت العقبة الأساسية لتطبيق الرسالة الثانية ، قد كان أمله بتبني الحاكم نميري الرسالة الثانية وتيسير أمر تطبيقها بعد ان حان وقتها في القرن العشرين مثلما تبني الخليفة المأمون مذهب المعتزلة واضطهاد خصومها في القرن التاسع الميلادي.
واستعار محمود محمد طه من ابن عربي فكرة الانفتاح علي الآخر والتسامح والمحبة وأخوة الانسانية عندما قال ان قلبه مرعي لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أني توجهت ركائبه فالحب ديني وايماني
كما أخذ وتبني من المذهب الأشعري فكرة الجبرية المطلقة وان الإنسان مُسّيرْ مقابل حرية الارادة الانسانية التي تبناها المعتزلة عندما قال ” سير الله البشر من وراء ارادة الحياة ، وأصبح ذلك بتسييره إيانا غير مباشر ، وتدخله في أمرنا من اللطف والدقة بحيث تورطنا في الوهم واعتقدنا اننا نملك إرادة حرة مستقلة بالترك والعمل “(طه ،1968،66 .). تجدر الإشارة ان مفهوم إرادة الحياة مأخوذ من فلسفة شوبنهور. واستعار من محمد قطب المفكر السلفي الأصولي المعاصر مفهوم جاهلية القرن العشرين عندما قال : “المسلمون اليوم ليسوا علي شئ وانما هم في التيه يعيشون الجاهلية الثانية- جاهلية القرن العشرين- وليس لهم خروج من هذا الخزي غير طريق محمد”( محمود طه ،6،1969 ) . كما أخّذ طه من الفكر الديني المسيحي فكرة تجلي الله في الإنسان بحسبانه مظهر الله في الوجود عندما قال “إن الإنسان، من حيث هو إنسان، هو مظهر الله، كون البيئة الطبيعية، بجميع الخلائق والكائنات، بما فيها الإنسان، هي مظهر الله في الوجود، وهي علم الله تجسَّد”.
واعترض د. عبدالله علي قولي ان محمود طه لم يتعرض الي عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الاسلامية وحاول دحضه باسترساله في وصف وتشخيص محمود طه في كتبه لأزمات السودان الحالية في السياسة والاجتماع والاقتصاد والتشريع ورؤيته لحلها . وغاب عنه ان المقصود بعوامل تخلف المجتمعات العربية الاسلامية هو جذور اسباب التخلف التي تناولناها في كتابنا الحضارة العربية الاسلامية وعوامل التأخروتتمثل في تعويق العقلانية الاسلامية لتطور العلوم وانجاز الاكتشافات العلمية ، التي يترتب عليها الرقي في المجالات السياسية و الاقتصادية والاجتماعية، بسبب تقييد الفقه الاسلامي لنشاط التفكير العقلاني في حدود الاستنباط من النص والنقل وغياب مفهوم المؤسسات المستقلة التي يمارس فيها العلماء نشاطهم بحرية وتبادل الآراء بينهم وبدون تدخل رجال الدين أي الفقهاء والحيادية والشك بالتقصي غير المتحيز للفرضيات العلمية من منظور منطقي وامبريقي تجريبي. كما اعتبرنا ان من جذور اسباب التخلف التمسك بآراء الأشعري والغزالي حول مفاهيم الكسب وانكار مفهوم العلية (التي تبناها محمود محمد طه) مما أدي الي عدم اعتراف صفوة المسلمين الي منتصف القرن التاسع عشر بنظرية كوبرنيكس حول مركزية الشمس ودوران الأرض وبقية الكواكب حولها وذلك مثل الجبرتي، حسن العطار، رفاعة الطهطاوي واحمد خان( لفترة معينة) لتفسيرها بنية الكون من المنظور الطبيعي المادي الأمر الذي انتقده جمال الدين الأفغاني بحدة في كتابه الرد علي الدهريين .
وفي معرض اشارتنا الي عدم تناول محمود طه لأسباب الاقلاع الحضاري لأوروبا بعد القرن السادس عشروإكتفائه بالجدل ان المخرج من التخلف والتيه الذي ترزخ فيه المجتمعات الاسلامية هو طريق محمد وننذرهم عواقب الإبطاء في الأخذ به، اعتبرنا ان المعني الصريح والمباشر لطريق محمد الذي يفهمه أي قارئ هو الاقتداء بسنة النبي ومن ضمنها تأسيس الدولة الاسلامية في المدينة مثلما فعل الحزب الجمهوري في طرحه لأسس دستور السودان الذي اعتبره أسس الدستور الاسلامي المتضمن لقوانين الحدود وينهض تشريعه علي مبدأ القصاص لتأسيس الجمهورية الاسلامية في السودان و لتستهدي به الحضارة الانسانية علي هدي الرسالة الثانية للاسلام لتحل محل الحضارة العلمانية المعاصرة التي تفصل الدين عن الدولة . ويسهب دكتور عبدالله في شرح تعريف محمود طه لمصطلح طريق محمد الذي يتسم باسقاط مفاهيم حداثية عليه بهدف توفيقه مع روح العصر ويبدأ بالبعد الديني للمصطلح بقوله ” ان طريق محمد هو النهج العملي الذي يوصل الي الله ، اي الحضور مع الله ، من حيث ينتهي مجهود المجتمع في تحرير كل فرد ، ويكون مجهود الفرد في هذا المستوي ، امتداداً وتتويجاً للمجهود الذي أسهم به ويسهم دائماً في كيان الجماعة ” . ويواصل عبدالله بتسريب البعد الحداثي من كتاب الرسالة الثانية للاسلام لاضافته للمصطلح بقوله ان ذلك يقوم علي ثلاث مساويات تسمي في المجتمع الحديث الاشتراكية والديمقراطية ومحو الطبقات بدون تمييز بين الأفراد……، و ذلك بهدف التوفيق بين مفاهيم ذات مرجعية علمانية ظهرت في سياق تاريخي معين في العصر الحديث مثل الديمقراطية والاشتراكية ونشوء مجتمع بدون طبقات (كما تنبأ ماركس بأن الحتمية التاريخية ستؤدي في آخر المطاف الي زوال الطبقات والدولة) مع مرجعية دينية تتجسد في طريق محمد وهو كما هو معروف سنة النبي والمعاملات والأحكام والعبادات التي تلقاها من الوحي . ويتضح من مقال د.عبدالله ان محمود محمد طه قد اجتهد في قراءة ذاتية لتقديم تفسيرجديد لا يجانبه الصواب لمعني السنة باعتبار تماهيها وتطابقها مع الحكمة والتفكير العقلاني عكس فهم الصحابة والتابعين لمعني السنة وفقاً لما كان معروفاً لديهم في زمنهم (إذ لا يُعْقَلْ اسقاط مفهوم حديث نابع من عصرنا لإسباغه علي مفردة السنة التي كان لها دلالة محددة في القرن الأول الهجري ) عندما قال ” يمكن القول ان السنة هي الفكر ……..و يذهب طه أبعد من ذلك حين يجعل تحرير الفكر غرضًا أصيلًا من أغراض الدين. فالعبادة والتكليف، في تصوره، لا ينتهيان عند مجرد الامتثال، وإنما يستهدفان تحرير الفكر وترويضه وتحييده حتى يصبح الإنسان أكثر قدرة على التخلص من سلطان الرغبة والعادة. ولهذا يستشهد بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ …… وعلى هذا الأساس تصبح الدعوة إلى “طريق محمد” دعوة إلى إحياء السنة بمعناها الذي يحدده طه: الفكر، والعلم، والعمل بمقتضى العلم، والتحرر من سلطان العادة، والارتقاء بالإنسان نحو الحرية. ويؤكد، قائلاً: “إن السنّة هي (الفكر)، وأنها إنما تتجه إلى إيقاظ الفكر وتحريره وترويضه وتحييده”. ولذلك يقرر، قائلاً: “لقد آن أوان السنّة، في عصر (الفكر) و (العلم).”(د.عبدالله البشير، سودانايل، سودانيزاونلاين، الراكوبة). ونعتقد ان تعريف محمود محمد طه لطريق محمد يستند علي تفكير رغبوي ينأي عن الموضوعية لاسقاط فكرة مسبقة مشتقة من مفاهيم الحداثة (اشتراكية،ديمقراطية ومجتمع لاطبقي) علي التعريف المبتدع وقراءة خاضعة لأهواء الذات وتفسير بعيد عن الصواب للسنة بتأويله لآية قرآنية لتنسجم مع فكرته المسبقة بأن السنة هي الفكر والعلم ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ وهو أشبه بتأويل الشيعة لآية “مرج البحرين يلتقيان”بقولهم أنها تشير الي علي وفاطمة والحسن والحسين ، وقوله تعالي (واذا تولي سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل) أنه معاوية، وتأويل محمد عبده للآية ( وارسل عليهم طيراً أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل) بأنها طير من جنس البعوض او الذباب التي تحمل جراثيم الأمراض… ويسمونه الآن الميكروب ،(محمد عبده،ج5،ص 529 ، 1974) وتأويل محمد شحرور لآية (ليلة القدر خير من الف شهر ) بقوله ان كلمة شهر من الشهرة والإشهار وليس الشهر الزمني كقولك الشهر العقاري حيث يتم الإشهارالقانوني للبيع والشراء (شحرور،153، 1990) وغير ذلك من التأويلات التي لا أساس لها من الصحة . ولكي يؤكد ان تفسيره لطريق محمد هو المعني الحقيقي للمصطلح، استعار طه من ابن عربي تمييزه بين النبوة منبع المعرفة الأزلية والرسالة التي تنزلت لنبي الاسلام محمد خاتم الأنبياء للتفريق بين السنة والشريعة بقوله ” فالسنة هي نبوته، والشريعة هي رسالته، وإنما في مضمار رسالته هذه قال المعصوم: (نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم)، ليؤكد الفارق بين مستوى الحقيقة التي يعيشها النبي ومستوى الخطاب الذي يوجهه إلى الجماعة ” (مشار اليه في مقالات د. عبدالله البشير، سودانايل، سودانيزاونلاين، الراكوبة).
يزعم د. عبدالله ان المستقبل يحمل لفكر محمود طه آفاقاً أوسع (وان توقف عن القول بأن المستقبل سيؤكد صدق وصحة فكره كحقيقة) ، واستند لدعم ادعائه علي مقولة توماس كوهن في كتابه بنية الثورات العلمية ” ان الثورات لاتري بالعين ” بمعني ان الأفكار تحتاج لزمن طويل لمعرفة مداها . وتجاهل كلية ان كتاب كوهن يختص بتاريخ وتطور العلوم الطبيعية والنظريات العلمية . وان كان هناك مثل تنطبق عليه مقولته المذكورة فهي فرضية عالم الرياضيات والفلك اليوناني اريستارخوس اوف ساموس (310-230 ق م) في القرن الثالث قبل الميلاد بأن الشمس هي مركز الكواكب التي تدور حولها ومن ضمنها الارض ورفضها افلاطون وارسطو وبطليموس وكل البشرية وتأكدت صحتها بفضل نظرية كوبرنكس بعد فترة طويلة من الزمان في القرن السادس عشرالميلادي .
لا يعني نقدنا لمشروع محمود محمد طه الفكري الديني الذي انطلق من تجربته الصوفية الروحية معاداة الدين والتقليل من شأنه. إذ نتفق مع ما قاله كانط في سياق شرحه لعالم الظاهر وعالم الغيب(النومينون) : حيث تنتهي حدود العلم والعقل في سعيه لفهم والتأكد من حقيقة كل مسائل عالم الظاهر وبذل أقصي جهده في تمحيص ونقد القضايا الدينية، يصبح عاجزاً في آخر المطاف في اثبات ان قضايا مثل خلود الروح ، الوجود الالهي والخير الأسمي غير حقيقية وينصاع لحقيقة كونها مسلمات عملية وضرورية للحياة الأخلاقية وعندها يصبح الايمان ممكناً ومشروعاً ، الايمان بدين يدعو الي الخير ،المحبة أخوة الانسانية والسلام . كما لم يكن القصد التجريح والتهوين من شأن مشروعه الفكري وانما اعتقادنا بأن استناد فكره علي المنظومة المعرفية التي تعتمد علي سلطة النص والتصوف ومنح الأولوية للنقل ويقينياته اللاهوتية حول الكون والطبيعة ،التي مجالها الاخلاق الكلية الثابتة وليس عالم الظاهر المتغير والنسبي، يؤدي الي تعويق عملية النهضة وإستدامة التأخر الحضاري للمجتمعات العربية الاسلامية ومن ضمنها السودان. ورغم ذلك لا يملك المرء إلا الإعجاب والتقدير لتكريسه كل حياته من اجل تاسيس مشروعه الضخم لتجديد الفكر الديني الاسلامي وإخلاصه في العمل من اجل تحقيقه لترقية احوال السودان والمجتمع الاسلامي والانسانية جمعاء وتضحيته بحياته للدفاع عن حرية ضميره ومبادئه ليصبح سقراط القرن العشرين ورجل لكل العصور مثلما وصف الكاتب المسرحي روبرت بولت المفكر والفيلسوف واللاهوتي توماس مور الذي أعدمه الملك هنري الثامن في القرن السادس عشر بسبب تمسكه بمبادئه الدينية رغم الضغوط عليه للتخلي عنها.
نلتقي في الحلقة 3 مقتطف من كتابي الاسلام المعاصر وتحدي الحداثة للجزء الخاص بنقد المشروع الفكري الديني لمحمود محمد طه ليحكم القارئ بنفسه ان كانت الكتابات السودانية عن آراء محمود طه تتسم بالضعف والركاكة والسذاجة كما إدعي د. عبدالله الفكي البشير .
د. امين حامد زين العابدين
استاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم .
amin.zainelabdin@faculty.umgc.edu
إحالات
1 1- د.عبدالله الفكي البشير، ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه ، 1-9 سودانايل، سودانيزاونلاين، الراكوبة ، اغسطس 2026 .
2 محمود محمد طه ، الرسالة الثانية للاسلام، 1968
3 محمود محمد طه ،اسس دستور السودان ، .1968
4 محمود محمد طه ، طريق محمد ، 1966
5 د. محمد محمود ، مدرسة محمود محمد طه بين الترهيب الفكري والانقسام الاخلاقي، 2021
6 د. محمد محمود ، الرؤية القرآنية : قراءة تحليلية نقدية ، 2025
7 د . عزيز العظمة ، العلمانية من منظور مختلف ، 1992
8 د. امين زين العابدين ، الحضارة العربية الاسلامية وعوامل تأخرها ، 2019
9 د. ابوعبيد القاسم الهروي ، الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز ، بدون تاريخ. –
جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن، 2008 -10
محمد عبده ،الأعمال الكاملة ، تحقيق محمد عمارة ، ج 5، 1974 – 11
محمد شحرور، الكتاب والقرآن ، 1990 – 12
amin.zainelabdin@faculty.umgc.edu
