في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ السودان، حيث تتصارع القوى المدنية الحقيقية من أجل وقف الحرب وتأسيس سلطة مدنية ديمقراطية، نرى من واجبنا في التيار الثوري داخل كيان «صمود» أن نعلن بوضوح رفضنا القاطع لأي محاولة لإعادة تدوير الأدوار القديمة عبر شخصيات احترفت تقسيم الصف الوطني.!?
إن خروج ياسر سعيد عرمان من «صمود» ومحاولته القفز سريعًا إلى تحالف «تأسيس» ليس مجرد تنقل سياسي مشروع، بل استمرار في منهجية تفكيك منظمة ومدروسة طالما مارسها، لا خدمة للثورة، بل استثمارًا في أزماتها.
عرمان لم يكن في يوم من الأيام ضحية أخطاء عرضية أو سوء تقدير، بل «محترف تفكيك» في ثوب المناضل، يجيد لعب دور «جراح الثورة» الذي يشرح الجسد الثوري وهو حي، ليقسمه إلى أجزاء متناحرة. هذه المنهجية قائمة على ثلاثية واضحة: التقسيم، التفريغ، والتحويل.
لقد خبرناه في تجربة «صمود»، كما خبرته قوى الثورة سابقًا. في اتفاق جوبا، كان عرمان مهندس «استراتيجية المسارات» التي حولت الجبهة الثورية من تحالف وطني إلى مولدات جهوية متنافسة، فاوضت السلطة على دماء الثوار مقابل مقاعد وزارية وامتيازات جهوية، وفرغت مشروع السلام من مضمونه الوطني.
وهو نفسه من قاد صراعًا شخصيًا وتنظيميًا داخل الحركة الشعبية شمال، حول «التمثيل»، حولها من حركة تحرر تاريخية إلى جناحين متصارعين، وغرف انتظار لصفقات سياسية ومليشيات محلية. في الحرية والتغيير، كان واجهة «الاعتدال» الذي منح العسكر شرعية الشراكة، ودفع بالمسار الانتقالي نحو اتفاقات هشة انهارت في انقلاب 25 أكتوبر.
وليس هذا كله سوى الجزء المحلي من دور أوسع. كان عرمان حلقة وصل إقليمية في توظيف الصراع الجهوي، ممثلًا لمصالح متشابكة في القرن الإفريقي، مستثمرًا التوترات حول سد النهضة، أو عبر صفقات الذهب في مناطق النزاع وتمويل اقتصاد الحرب. كما مارس الدور نفسه في الداخل، بتحويل تحالفات مدنية إلى واجهات تفاوض مع الدعم السريع، تمهيدًا للتطبيع مع قوى ارتكبت المجازر في دارفور.
ما يقدمه عرمان في كل محطة هو صورة «الوسيط الحكيم» الذي يبيع التخلي على أنه «واقعية سياسية»، ويسوق الهزيمة على أنها «خيار استراتيجي». لكن الحقيقة أنه لا يوحد الصف الثوري، بل يقتله ببطء. العسكر يقتلون الجسد الثوري بالرصاص، أما عرمان فيقتل روحه بالتقسيم والتفريغ، ويزرع انعدام الثقة الذي يجعل أي تحالف مدني هشًا وسهل الاختراق.
لهذا نرى أن محاولة تسلله إلى تحالف «تأسيس» ليست مجرد شأن تنظيمي داخلي، بل اختبار جديد لقدرة القوى المدنية على حماية مشروعها من أدوات الاختراق. أي تحالف جاد لبناء جبهة مدنية ديمقراطية مستقلة عليه أن يبدأ من مواجهة هذه الآليات التخريبية. لا مكان للمراوغة ولا للتسويات على حساب الذاكرة.
نحن في التيار الثوري داخل «صمود» لا نخوض هذا الموقف بدافع الخصومة الشخصية، بل دفاعًا عن شرط أساسي لأي تحالف مدني صادق: الوضوح مع الجماهير، وعدم تدوير وجوه دمرت التحالفات وأهدرت دماء الشهداء.
من يريد بناء جبهة مدنية حقيقية عليه أن يقولها بوضوح: «لا أهلاً ولا سهلاً» بمن جعل من خبرته السياسية وسيلة ممنهجة لتقسيم القوى المدنية، وباع التضحيات الوطنية في أسواق التسويات الرخيصة.
الثورة لا تقتلها الرصاصات وحدها، بل تقتلها السكاكين المسمومة في ظهرها. عرمان لم يخن الثورة يومًا، لأنه لم يكن ثوريًا قط، بل كان تاجر أزمات يبحث عن سوق لبيع الوهم. ولهذا نقول من حقه أن يبحث عن منصاته، لكن من واجبنا أن نرفض منحه أي شرعية جديدة بيننا.
زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم