أثار مقال الأستاذة رشا عوض بشأن وجود قوات من الجيش السوداني والدعم السريع ضمن القوات المكلفة بالدفاع عن العمق الجنوبي للمملكة العربية السعودية تساؤلات فى خاطري، خاصة بعد اختزالها لهذا الوجود في تعبير ساخر مثل “أكل الكبسة”، وربطه بما اعتبرته توافقًا بين الطرفين على تدمير السودان.
غير أن هذه القراءة، في تقديري، تتجاوز التعقيدات السياسية والاستراتيجية للموضوع، وتميل إلى تفسير الأحداث بعقلية المؤامرة أكثر من قراءتها في سياق المصالح والتحالفات الإقليمية.
من المعروف أن الوجود العسكري السوداني في السعودية لم يبدأ مع اندلاع الحرب الحالية، بل جاء في إطار التزامات وتفاهمات بين الخرطوم والرياض تعود إلى سنوات سابقة. واستمرار هذه القوات بعد اندلاع الحرب لا يعني بالضرورة وجود تنسيق سياسي بين الجيش والدعم السريع بشأن مستقبل السودان، وإنما يعكس التزام كل طرف ــ لأسبابه الخاصة ــ باستمرار علاقة قائمة مع المملكة العربية السعودية.
كما أن النظر إلى هذا الوجود باعتباره مجرد “ارتزاق” يتجاهل جانبًا مهمًا من الواقع الإقليمي. فالمملكة العربية السعودية تواجه منذ سنوات تهديدات أمنية حقيقية مرتبطة بالصراع مع الحوثيين المدعومين من إيران، خاصة في ظل استهداف الأراضي السعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي هذا السياق، فإن مشاركة قوات سودانية تدخل ضمن شبكة تحالفات أمنية وعسكرية معروفة في المنطقة، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع بعض تفاصيلها.
العلاقة بين السودان والمملكة العربية السعودية ليست علاقة عابرة أو محكومة بالمساعدات المالية وحدها، بل هي علاقة تاريخية وثقافية واستراتيجية عميقة. فهناك روابط دينية واجتماعية واقتصادية ممتدة بين الشعبين، إضافة إلى أهمية السعودية بالنسبة للسودان سياسيًا واقتصاديًا، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعيشها البلاد. ولذلك فإن اختزال هذه العلاقة في توصيف ساخر لا يساعد على فهم طبيعة المصالح المشتركة ولا يعكس تعقيدات الواقع.
وفي المقابل، فإن النقاش حول الموقف من الحرب السودانية يجب أن يكون أكثر اتساقًا. فبعض القوى التي تتبنى خطاب “الحياد” أو المساواة الكاملة بين أطراف الصراع تتجاهل أحيانًا التناقضات الإقليمية والفكرية داخل المشهد السوداني نفسه، بما في ذلك علاقات الحركة الإسلامية السودانية السابقة بإيران، وهي علاقات كانت تحكمها في أحيان كثيرة اعتبارات سياسية وبراغماتية أكثر من الاعتبارات العقدية أو المذهبية.
لقد شهدت المنطقة العربية خلال العقود الماضية تقاطعات وتحالفات معقدة بين قوى تختلف أيديولوجيًا لكنها تلتقي مرحليًا حول المصالح السياسية. وهذا لا يقتصر على الإسلاميين وحدهم، بل هو جزء من طبيعة الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط. غير أن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يتم توظيف الدين أو الشعارات الأيديولوجية بصورة انتقائية لخدمة المواقف السياسية المتغيرة.
إن السودان اليوم يحتاج إلى قراءة واقعية لموقعه الإقليمي ولمصالحه الاستراتيجية، بعيدًا عن الشعارات أو التبسيط المخل. فالعلاقات مع السعودية، مثلها مثل أي علاقة دولية، ينبغي أن تُناقش من زاوية المصلحة الوطنية السودانية، لا من خلال السخرية أو المزايدات السياسية.
وفي النهاية، فإن الاختلاف مع سياسات المملكة العربية السعودية أو مع بعض أدوارها الإقليمية أمر مشروع، لكن ذلك لا ينبغي أن يقود إلى تجاهل أهمية العلاقة معها بالنسبة للسودان، ولا إلى اختزال قضايا معقدة في عبارات شعبوية قد تجذب الانتباه إعلاميًا لكنها لا تقدم تفسيرًا عميقًا للواقع.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
