يقول باولو فيراري في كتابة المعنون أعلاه ،
ان تحرير المضطهد لا يتم فقط بمنحه هبة الحرية .. لان ذالك لا يخلق منه شخصا حرا ، بل يعني إعطاء سلطة لقاهر جديد !!…
و ذالك ببساطة لان من تربي علي القمع و الاستبداد ، لا يفهم معني الحرية . فهي ليست معرفة في قاموسه . و لا من المصطلحات التي تربي عليها عقله .. وهي امر غاب عن ممارسته الحياتية. .. و شي غامض مبهم . أوكل الية ..و لا يدري كيف يستعمله . و هو يتصرف وفق تعاليم و سلوكيات تمت تنشاءته عليها ، يعيها و يجيد لعبتها .. فيتحول هو ان تم تحريره الي قاهر و قيصر جديد ..
و خلص فريري ايضا الي ما هو ابعد من ذالك . اذ قال ان الطاغية هو نفسه شخص مستغل ، وهو ايضا ضحية الذين هم تحته و من استغلهم .. اذ انهم بقبولهم للقهر و الاستبداد ، قد اثروا و رسخو في عقل المستبد مفاهيم القمع و الازلال .. و سلبوه انسانيته ، و لم يتركوا مجالا لغيرها من المفاهيم ارضية لتذدهر فيها .. اي انهم. ببساطة قد افهموا الطاغية ان الاكراه مجدي ..وانه. وسيلة سهلة و فعالة .. و بذالك سلبوا القاهر شعوره بإنسانيته ..
و من الحالتين خلص الي نظريته في التعليم . وهي ان التعليم عملية متبادلة بين المعلم و تلميذه .. و ان الفعل التعليمي هو نشاط متبادل بين الطرفين معاً..
.. وخلص في كتابة الشهير الي ان العملية التعليمية. ليست مثل الحساب البنكي ، تستطيع تعباءته و إفراغه كما تشاء .. و إنما هي عملية ديناميكية . و بناء ممرحل و متكامل .. يكون بإحالة نماذج فكرية و محيها .. و بناء نماذج اخري مكانها في عملية تفاعلية مستمرة ، تحت وعي و إدراك كامل بين المعلم و المتلقي ، من خلال التفاعل المستمر بين الاثنين..
تفسر هذة الاطروحة جزءا مما يشهده عالمنا العربي ، و ماءلات ما يسمي بالربيع العربي ..اذ ان احد مراحل هذة الثورات ، و احدي حلقاته هي الفوضي و الاستبداد . و انفراط الأمن و كل ما نشهده الان من الدمار الشامل ، و التردي الفكري و الاجتماعي ..
و هي مرحلة تحرير المضطهد و اعطاءه سلطة .. و قوة في لعبة لا يحسّن قواعدها .. بل هي مفاهيم لا مساحة لها في عقله المشكل بمفاهيم الاستبداد و التسلط ..و التحرير خيار عقلي . و تربية و حاله ذهنية ، قبل ان يكون وضعا سياسيا فقط ..
الحرية و الديمقراطية مفاهيم مركزية تقوم عليها أسس التربية باكملها ..و. العقل الذي تمت تنشاءته في منظومات تقوم كلها علي الهرمية ، من الاسرة و الأب ، ثم الزوج و المدرس و حتي كبار السن ، كلها منظومات تراتبية تكرس لمفهوم الهرمية في السلطات جميعا .. في ظل هذة المنظومات التراتبية يصعب ان نغرس في الفرد مفاهيم مثل. جماعية القرار ، و ثقافة الحوار .. لانها ببساطة لا تلاءم الوسط الفكري . و حسب نظرية فريري فان المتعلم ليس حسابا بنكيا و ليس سلة . نضع فيها ما نشاء .. و لكن العقل ذكي . هو ايضا يختار ، و ينسجم ، و ينتخب ما يناسب الوسط السائد داخله . و يقوم بلفظ كل غير المناسب ، الملوث للبيئة الموجودة خلاله. .. و لا يتوقف عند ذالك بحسب بل و يرتد فيؤثر علي من يلح علية بإدخال مفاهيم و تعليمات غير ملائمة . و يقوم بتدجينه و تتم العملية الاخيرة في وعي المتلقي. و المربي ايضا .. و في هذة النقطة الاخيرة تكمن الخطورة ..في هذه الاطروحة ..
الاطروحة ايضا تقدم لنا تفسيرا لما يحدث هذة الأيام من ظاهرة. كتابات الثَّكلَي ، و انتشار ثقافة الولولة ، و التعديد التي صاحبت كتابات ذكري الاستقلال . علي خلفية اننا شعب اجاد ابطال الثورات .. و ذالك كله نتج عن نظرة بسيطة لمفهوم الثورة ابتداء .. وهو التغيير .. و دون اصطحاب لاي تنظير علمي عميق للتجربة .. و لا حتي نظرة فاحصة للتاريخ ..اذ ان غرس مفاهيم جديدة مثل الديمقراطية و الحرية ، و ارساء ثقافة الحوار . قد استغرق الامم قرونا .. و كانت المرحلة الأولي منه كلها تنصب في هدم المفاهيم و القوالب القديمة . و كانت. تلك المرحلة الأولي هي الأطول تاريخا .. و من بعد ذالك تلتها عملية البناء علي ارضية نظيفة و صحية ..
فالنظام و المفاهيم الأرستقراطية لم تنمحي من المجتمعات الغربية ، الا بحلول القرن العشرين بعيد الحرب العالمية الأولي ..و تمت عملية الهدم في مشاهد سريالية ..و انهيار و فقدان للتوزان الاجتماعي و السياسي الكامل .. بل و تزامن ذالك مع ظهور فلسفات فوضوية و عدمية ، مثلت مرحلة التساؤل و التشكك في جدوي و أصل كل تلك المفاهيم ،.. ثم مهدت الطريق لبناء مفاهيم جديدة مركزها العقل و الإرادة الفردية ، قادت و طورت الحضارة الأوربية في بدايات القرن العشرين ..و انارت تطور تاريخ العلم التجريبي الحديث ..و ما كان للعقل العلمي التجريبي ان يُنشاء و ينسجم مع تلك المفاهيم ، و لكنه نبت بعد ان تفرغ العقل الأوربي منها تماما ..
و لو اخذنا الديمقراطية كمفهوم مثلا . نراه بدا في تعريفه الأولي كنظام الحكم ..وهو حكم الشعب بالشعب .. و لم يتحقق ذالك النظام في بلدة الأصل الا بعد قرن كامل .. و انتهت دورات منه بحملات نابليون .. و السبب في ذالك ان مفاهيم الديمقراطية لم تكن لتنسجم في بنية العقل الملكي اللاهوتي ..و الذي يقوم علي التراتبية السلطوية البطريقية .. و تصديقا لأطروحة فيريري ، و هي التفاعل بين المعلم و المتلقي .. تطور المفهوم الديمقراطي الي تعريفه الاعم . و هو جماعية القرار رأيا كان ، علي مستوي الاسرة و المجموعات . و من ثم المجتمع .. و ظلت مفاهيم الديمقراطية تزيح قليلا قليلا المفاهيم السلطوية ، مثل هيمنة الأب ، و الاسرة ، و كبار السن ، و رجال الدين ، و المجتمع و إحلالها رويدا رويدا بمفاهيم مثل الإرادة الفردية . و حرية الاختيار ، و المسؤلية الفردية .. و السيادة الذاتية ، و اثراء ثقافة الحوار. و غيرها ..ثم يتبع تبدل المفاهيم هذة و ببطء تبدل المواقع حول الهياكل ، و التي أصبحت تحتوي علي كثير من المتوازيات في العلاقات . الامر الذي يبدوا. جليا جدا في نموذج الاسرة ..اذ نري ان الرجل الأوربي الذي تربي علي مفاهيم معينه , يتعايش مع علاقات التوازي هذة ، بدرجة كبيرة ايا كانت. درجة تعليمة ،، بينما يصعب علي زوج اخر ، من ثقافة اخري ، التعايش مع هذا التوازي . مهما كان إعجابه بالنموذج , و نراه يكرر السقوط و الانكفاء رغم اجتهاده ..
مناسبة هذة المقدمة الطويلة جدا ، ان جاز ان تكون مقدمة .. هي ما نراه الان ، في تجسيد لهذا المثال في مسيرة لجنة التسيير للجالية السودانية بواشنطن الموكل اليها قيادة مسيرة الديمقراطية التي تعثرت ، بسبب غياب المفاهيم أعلاه ..
و لكن يبدو ان العقل المنشاء في الشمولية و الذي تربي علي القمع ، و تشكل بالقهر .. يحسّن فقط الفهم السلطوي .. و يجيد استعمال أدواته ..
ففي حين ان التوصية بتشكيل لجنة ، قد يفهم في العقل الديمقراطي ، ان يكون تكويناً بالتعيين او بالانتخاب .. فان له في العقل الشمولي الحدي ، مفهوما أحاديا فقط ..و هو التعيين ..
و في الوقت الذي يفهم فيه العقل الديمقراطي ان التعيين ايضا لابد ان يؤمن له ، و يكون بالإجماع الأدني .. فان التعيين في العقل الشمولي القمعي يعني التعيين بالقرار الجمهوري فقط ..كلمة التكوين تكون عنده مطابقة تماما لكلمة التعيين.. و التعيين نفسه يكون مطابقا تماما للقرار الجمهوري. ..
و هنا تبدو أزمة التفكير و التربية…
في النظام الديمقراطي ، لا توجد اي مساحة للانفراد باتخاذ القرار. علي الإطلاق ..النظام كله يقوم علي الاجماع ،
التكوين للهيئات و الأجسام المختلفة قد يكون بالانتخاب او بالتعيين..و لكنها جميعها خاضعة للإجماع
..و هناك ثلاث انواع من الاجماع .
الاول و هو الاجماع الأدني ، و يتمخض عنه قرارا يسمي تعيينا ..
و الاجماع الاخر الاغلب ، و يسمي القرار الذي ينتج عنه انتخابا..
اما الاجماع الثالث فهو الأعظم ، و يكون القرار الصادر منه قانونا ..
في الفهم الديمقراطي ، التعيين هو عملية كاملة تبداء بترشيح ، و قبول طعون قانونية . و نقاش علي مستوي ضيق . و يلزمه اجماع ادني .. و التعيين ايضا يكون تحت القانون .. و اذا تم الطعن القانوني في اي جسم او فرد ..فانه لا يجوز التعيين علي الإطلاق ..
المتتبع لمسيرة لجنة التسيير ، يلحظ التردي المذريء لكل هذة المفاهيم .. و يري التغييب الكامل و الطويل للجمعية العمومية ، في كل مراحل انشاء هياكل و لجان تفتقر الي الشرعية القانونية قبل كل شيء .
، و يلاحظ ان العملية قد تمت كلها في الخفاء ..و بعيدا عن علم الجمعية العمومية .
. تمت كل التعيينات بقرارات جمهورية ، موروثنا من ثقافة العالم الثالث !! .. و تم رفع كشوفات الترشيح لها من قبل لوبيات الضغط السياسي فقط .. وانهيت العملية كلها دون طعن ، و لا تنقيح و لا يحزنون .. فاتت عشوائية متخبطة ، و هي اقرب الي تأليف القلوب سياسياً حول لجنة التسيير ، منها الي لجان فنية للعمل ..
كما ان هذة اللجان برمتها هي لجان غير قانونية
اولا : لجنة التسيير هي تكميلية لدورة اللجنة المستقيلة .. لا ادري لماذا و كيف تم حل المجلس الاستشاري ، و تم تبديله ، و لم يترك ليكمل هو ايضا دورته و هي السنتين ؟؟ !!!!!.
ثانيا : ما يسمي باللجنة التعليمية ، لا احد يدري ما مصدر و غرض هذة اللجنة مجهولة النسب ؟؟؟!!!
اما ما يسمي بلجنة الدستور غير الدستورية . فلا احد يعلم كيف تم تشكيل هذا النبت الشيطاني .. لعلها نوستالجيا من احلام الصبا ، لجنة بدرية سليمان ، و غيرها لتعديل و تصليح الدساتير…
أقول في الختام ،
الانفراد بالقرار . و القرارات الجمهورية . و الذهنية ذَات البعد الاحادي القطعي ، و العقلية التراتبية ، هي من مخلفات الزمن البائد .. و لابد من تحطيم و هدم هذة النماذج الذهنية و السلوكية اولا ..وهي مسيرة طويلة و مضنية .. تأخذ وقتا طويلا و جهدا .. و لكنها كلها تبدأ بالموافقة و الترحيب بالتغيير اولا . ثم الفعل المشترك ثانيةً .
و اختم بمقولة فيراري
انه لا يوجد شيء اسمه منح الحرية لأحد.
الفعل التحريري هو عملية بناء مشتركة متكاملة. و متجانسة ..و هي ايضا عملية تفاعلية …
munno96@yahoo.com
///////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم