زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
أحدثت التغييرات الأخيرة في قيادة الجيش وجهاز المخابرات، إلى جانب إقالة النائب العام وتعيين قاضٍ للمحكمة الدستورية، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية السودانية. فبينما يروَّج لها رسمياً باعتبارها خطوات إصلاحية في بنية الدولة، يراها كثيرون مجرد عملية تجميل سياسي تهدف إلى إعادة إنتاج السيطرة العسكرية بواجهة مدنية شكلية.
القراءة المتأنية لهذه التحولات تكشف أنها لم تمثل قطيعة مع النظام القديم بقدر ما أعادت صياغة توازناته الداخلية. فقد جرى امتصاص الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية عبر إحالات وترقيات محسوبة، وتمت مكافأة ضباط موالين بمناصب جديدة، في وقت جرى فيه تسويق الأمر كخطوة إصلاحية للخارج. بهذا، تحولت القرارات إلى أداة لإعادة ترتيب البيت العسكري ـ الإسلامي الذي حكم السودان طويلاً، لا إلى محاولة جدية لبناء مؤسسات دولة جديدة.
الأمر لا يقف عند هذا الحد. فالتجربة أثبتت أن الحكومة الحالية، رغم واجهتها المدنية، لا تملك القرار الاستراتيجي في الملفات الكبرى مثل الحرب والسلام، أو ميزانية الدفاع، أو التعيينات الأمنية الحساسة. الجيش ما يزال يتحكم في مفاصل الدولة، وما جرى من تغييرات لم يفعل سوى تكريس هذا الواقع وتغليفه بلغة إصلاحية رنانة.
أما في الجانب القضائي، فإن إقالة النائب العام وتعيين قاضٍ للمحكمة الدستورية تبدو ظاهرياً خطوة نحو تعزيز استقلال القضاء، لكنها في العمق تفتح الباب لتساؤلات عميقة: هل الهدف هو تمكين القضاء من المحاسبة أم تطويعه ليصبح درعاً يحمي القيادات العسكرية من أي مساءلة مستقبلية؟ الدلائل تشير إلى أن الأمر أقرب إلى الخيار الثاني، حيث تتحول المؤسسة القضائية إلى أداة لتأمين ظهر السلطة القائمة، لا إلى سلطة رقابية مستقلة.
ولا يمكن النظر إلى هذه التغييرات بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي. فالقوى المؤثرة في المشهد السوداني، من مصر إلى الإمارات والسعودية، تفضل التعامل مع سلطة هجينة تبدو مستقرة على السطح، حتى وإن كانت في جوهرها تحت قبضة العسكر. هذه القوى تخشى من انهيار الدولة أو عودة الإسلاميين بقوة، وتدفع بالتالي في اتجاه ترتيبات تضمن استمرار نفوذ الجيش مع إضفاء مسحة مدنية لتجميل الصورة.
الرسالة الداخلية لا تقل وضوحاً: الجيش يستعد لمرحلة ما بعد الحرب. السيطرة على الأجهزة الأمنية، والإمساك بمفاتيح القضاء، وإعادة ترتيب هياكل الدولة ليست سوى خطوات استباقية ليكون الطرف الأقوى على طاولة أي تسوية سياسية قادمة. فالمؤسسة العسكرية، وهي الطرف الممسك بأوراق القوة، تحاول ضمان موقعها في المستقبل، سواء تعلق الأمر بالمفاوضات مع الحركات المسلحة أو بإدارة الفترة الانتقالية المقبلة.
لا يمكن اعتبار هذه التغييرات سوى خطوات تكتيكية تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي، وكسب شرعية دولية وإقليمية، وتثبيت هيمنة الجيش في ثوب جديد. الإصلاح الحقيقي يظل بعيداً، ما لم تُنقل السلطة فعلياً إلى المدنيين، ويستقل القضاء بشكل كامل، وتتم محاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات.
السؤال الحقيقي لم يعد “هل هذه التغييرات إصلاحية؟” بل “من يملك السلطة الفعلية وراءها؟”.
والإجابة تبدو جلية الجيش وأجهزته الأمنية، فيما تظل الحكومة المدنية الحالية مجرد واجهة رمزية تُستخدم لتسويق حلم انتقال لم يبدأ بعد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم