تفكيك وهم “المسار الواحد”: قراءة نقدية في خطاب المؤامرة الإقليمية

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

يشيع في الخطاب السياسي والإعلامي العربي نمطٌ تفسيريٌّ مريح، لكنه شديد التبسيط، يقوم على ربط الأزمات المتزامنة في أكثر من دولة عربية بمشروع خارجي واحد، ذي هدف واضح ومباشر. وفي هذا السياق، تُقدَّم محاولات تقسيم اليمن والصومال والسودان بوصفها حلقات في مسار واحد يستهدف إعادة تشكيل الإقليم عبر خلق بؤر عدم استقرار تحيط بالسعودية، باعتبارها “ركيزة الأمن والتوازن الإقليمي”. غير أن هذا الطرح، على جاذبيته العاطفية، يفتقر إلى الصلابة التحليلية، ويعاني من ثغرات منهجية عميقة. أولى هذه الثغرات هي الخلط بين التزامن والسببية. فحدوث أزمات متزامنة في دول مختلفة لا يعني بالضرورة أنها ناتجة عن مصدر واحد أو مخطط مركزي موحّد. التاريخ السياسي الحديث حافل بأمثلة لأزمات متزامنة نشأت لأسباب مستقلة تماماً، لكنها قُرئت لاحقاً ضمن إطار “المؤامرة الشاملة”. التحليل الرصين يقتضي البحث في الأسباب الخاصة بكل حالة، لا القفز مباشرة إلى استنتاجات كبرى. ثانياً، إن الجذور التاريخية والسياسية للأزمات في اليمن والصومال والسودان مختلفة بعمق، ولا يمكن اختزالها في هدف واحد أو فاعل واحد. فاليمن يعاني من أزمة دولة مركّبة، تعود إلى عقود من التهميش، والحروب الداخلية، وانسداد أفق الدولة الوطنية. أما الصومال، فمشكلته الأساسية هي انهيار الدولة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وتحول المجتمع إلى فضاء مفتوح للصراعات العشائرية والتدخلات المتعددة. في حين أن السودان يعيش مأزقاً ناتجاً عن فشل تاريخي في إدارة التنوع، واختلال العلاقة بين المركز والهامش، وتعثر الانتقال السياسي بعد ثورة شعبية أطاحت بنظام استبدادي طويل العمر. هذه السياقات لا يجمعها “مسار واحد”، بل تجمعها فقط نتيجة واحدة: فشل الدولة الوطنية. ثالثاً، يفترض هذا الخطاب أن السعودية هي المركز الذي تدور حوله كل الأزمات الإقليمية، وأن أي اضطراب في محيطها هو بالضرورة موجَّه ضدها. هذا الافتراض يعكس قراءة متمركزة حول الذات أكثر مما يعكس فهماً جيوسياسياً موضوعياً. الإقليم العربي ساحة مفتوحة لتقاطع مصالح دولية وإقليمية متعددة، ولا يمكن تفسير كل صراع فيه على أنه استهداف مباشر لدولة بعينها، مهما كان وزنها السياسي أو الديني. رابعاً، إن تبنّي سردية “المشروع الخارجي” يؤدي عملياً إلى تبرئة الفاعلين المحليين من مسؤولياتهم. النخب السياسية والعسكرية، والأنظمة التي فشلت في بناء دول عادلة وقادرة، تجد في هذا الخطاب مخرجاً سهلاً من المساءلة. فالانقسام، والحرب، والانهيار الاقتصادي، تُردّ جميعها إلى “مخططات خارجية”، بينما يتم تجاهل الفساد، وسوء الإدارة، واحتكار السلطة، وعسكرة السياسة، بوصفها الأسباب الحقيقية والمباشرة لما يجري. خامساً، إن هذا النوع من الخطاب يُوظَّف غالباً كـخطاب تعبوي أمني، لا كتحليل معرفي. فهو يبسّط الواقع المعقد، ويقدّم تفسيراً واحداً شاملاً، يُغني المتلقي عن عناء التفكير النقدي، لكنه في الوقت نفسه يحرمه من فهم أعمق لطبيعة الأزمات وكيفية معالجتها. فالوعي الحقيقي لا يُبنى على الخوف من “محاصرة وهمية”، بل على إدراك أن الاستقرار الإقليمي يبدأ من الداخل، من بناء دول قادرة، ومجتمعات متصالحة، وأنظمة سياسية شرعية. خلاصة القول إن ما يجري في اليمن والصومال والسودان ليس نتاج “مسار واحد” يستهدف دولة بعينها، بل هو نتيجة تاريخ طويل من اختلالات داخلية، تفاقمت في ظل نظام إقليمي ودولي مضطرب. إن اختزال هذه المآسي في سردية المؤامرة لا يحمي الاستقرار، بل يؤجّل مواجهتنا مع الأسباب الحقيقية. أما الوعي الذي نحتاجه اليوم، فهو وعي نقدي، يرفض التبسيط، ويفكك الخطاب قبل أن يصفّق له.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …