من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
تقييم الأصول العقارية بين المعايير العالمية وتجارب التمويل: قراءة في المفهوم و التاريخ والممارسات الدوليه
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
مقدمة
ظلّ العقار عبر التاريخ أحد أكثر الأصول التصاقًا بحياة الناس واستقرارهم، وأحد أعمدة الاقتصاد في كل الأمم. غير أنّه لم يعد مجرد مأوى أو استثمار فردي، بل تحوّل في القرنين الأخيرين إلى ضمانة مالية كبرى تستند إليها المصارف في عمليات التمويل والإقراض. وهنا تبرز أهمية التقييم العقاري باعتباره الأداة التي تُحدّد بها القيمة العادلة للأصل، فيتقرر على ضوئها حجم الائتمان الممنوح، وتُبنى عليها سياسات مصرفية بأكملها.
لكن هذا المجال، رغم مظهره الفني، يختزن تاريخًا من التطور والمعايير المتباينة، كما يحمل دروسًا من أزمات كبرى، لعل أشهرها أزمة 2008 التي انطلقت شرارتها من الرهن العقاري. وبين تجارب الشمال الصارمة وتجارب الجنوب المتعثرة، تتضح مكانة التقييم كرافعة للتنمية أو كعبء يفاقم الأزمات.
جذور التقييم العقاري
بدأت الحاجة لتقييم الأصول العقارية بشكل مؤسسي منذ الثورة الصناعية في أوروبا، حينما ازداد الاعتماد على العقار ليس فقط كملكية سكنية أو زراعية، بل كأصل يمكن رهنه لتمويل مشاريع صناعية وتجارية. كانت البنوك بحاجة إلى أدوات لتقدير القيمة العادلة للأصول المرهونة، لضمان ألا يتجاوز التمويل حدود ما يمكن استرداده حال التعثر.
ومع توسع النشاط الاستثماري في القرن التاسع عشر، ظهرت أولى ممارسات التقييم المنظمة في بريطانيا وأمريكا، حيث بدأت الجمعيات المهنية في وضع قواعد لحماية البنوك والمستثمرين من تضخيم القيم. ومن هناك، انطلقت بذور ما أصبح لاحقًا معايير دولية.
المعايير الدولية وتطورها
مع العولمة وتكامل الأسواق المالية، برزت الحاجة إلى معايير تقييم موحدة. فكان إنشاء International Valuation Standards (IVS) التي حاولت ضبط المصطلحات والأساليب عالميًا.
في أمريكا، يعتمد المقيّمون على USPAP (Uniform Standards of Professional Appraisal Practice) التي تركز على الشفافية والاستقلالية. أما في أوروبا، فتقود RICS (Royal Institution of Chartered Surveyors) العملية بمعايير توازن بين السوق والقيمة العادلة.
هذا التنوع يعكس خلفيات مختلفة: الولايات المتحدة تميل إلى الصرامة القانونية لحماية سوق ائتماني ضخم، بينما أوروبا تركز على الموازنة بين السوق والسياسات التنموية.
من هو المقيم؟
المقيم العقاري ليس مجرد خبير سوقي يقدّر الأسعار، بل هو ممارس مهني يخضع لشروط تأهيل وخبرة. في بعض الدول، يُصنف المقيمون إلى مستويات:
مقيمون مفتوحو القيمة: يملكون صلاحية تقييم أصول بأرقام غير محدودة، لكن بشروط مهنية صارمة وخبرة تمتد لسنوات.
مقيمون محدودو الصلاحية: يُسمح لهم بتقييم أصول ضمن سقوف مالية معينة، ريثما يكتسبون الخبرة الكافية.
الخبرة هنا ليست مجرد سنوات عمل، بل تشمل معرفة بأساليب التحليل المالي، الاقتصاد الكلي، والقوانين المرتبطة بالعقار والتمويل.
التقييم والتمويل البنكي
العلاقة بين البنوك والتقييم علاقة عضوية. فالمصارف لا تمنح تمويلاً عقاريًا إلا بعد تقرير تقييم مستقل. في أمريكا، غالبًا ما تحدد البنوك نسب تمويل تتراوح بين 70 – 80% من القيمة المقدرة، لضمان هامش أمان. وفي أوروبا، قد تقل النسبة في بعض الأسواق المتقلبة.
أما في الدول النامية، فإن ضعف الرقابة يؤدي أحيانًا إلى قبول تقييمات متساهلة أو مضخّمة، فتُمنح قروض تفوق القيمة الحقيقية للأصل، ما يعرّض النظام المصرفي لمخاطر عالية.
أزمة 2008 والرهن العقاري
أحد أبرز الشواهد على خطورة التقييم كان في أزمة 2008 بالولايات المتحدة. فقد شهدت البلاد طفرة في الرهن العقاري، حيث تم تمويل قروض ضخمة بناءً على تقييمات مفرطة في التفاؤل. وعندما انخفضت أسعار العقار فجأة، وجد المقترضون أنفسهم مدينين بقيمة أعلى من قيمة أصولهم، فيما عجزت البنوك عن استرداد أموالها. هذه الحلقة من سوء التقييم، جنبًا إلى جنب مع سياسات الإقراض المتساهلة، فجرت أزمة مالية عالمية.
الشمال والجنوب: مقارنات وتجارب
الشمال (أمريكا وأوروبا): نظم متقدمة، جمعيات مهنية قوية، معايير واضحة، ورقابة صارمة تجعل التقييم جزءًا من منظومة حماية مالية شاملة.
الجنوب (دول العالم الثالث): تفاوت كبير؛ بعض الدول بدأت تبني أطرًا مهنية، لكن الكثير ما زال يعتمد على ممارسات سوقية غير مضبوطة. النتيجة: قروض غير آمنة، تضخم في أسعار العقار، وتعرض الاقتصاد لمخاطر.
المفارقة أن العقار في العالم الثالث يُعد أحد أهم الأصول المتاحة للتمويل في ظل ضعف أسواق الأوراق المالية، لكن غياب معايير دقيقة يحوّله أحيانًا من رافعة للتنمية إلى قنبلة اقتصادية.
الأثر الاقتصادي الكلي
التقييم العقاري ليس مجرد أداة تقنية، بل عنصر أساسي في الاستقرار الاقتصادي. تقييم سليم يعني:
قروض أكثر أمانًا للبنوك.
استثمارات طويلة الأجل أكثر ثقة.
حماية للمستهلك من تضخم الأسعار غير الواقعي.
بينما التقييم المتساهل يقود إلى فقاعات عقارية، أزمات مصرفية، وركود اقتصادي.
خاتمة
إنّ تقييم الأصول العقارية ممارسة تتجاوز حدود العقار إلى قلب النشاط الاقتصادي والمصرفي. وقد أثبتت التجارب أن وجود معايير مهنية قوية، ومقيمين مؤهلين، ورقابة فاعلة، هو الضمانة لتفادي الأزمات وبناء أسواق مستقرة.
وفي الوقت الذي يسعى فيه العالم الثالث لتعزيز قطاعاته المالية، فإن استلهام الدروس من تجارب الشمال، وبناء نظم تقييم مهنية صارمة، هو الطريق نحو تحويل العقار من عبء محتمل إلى رافعة للتنمية المستدامة.
المصادر من بطون الكتب:
Sarah Sayce et al., The Valuation of Real Estate.
Ko Wang & Marvin Wolverton, Real Estate Valuation Theory.
Raymond Torto, Property Valuation in Emerging Markets.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم