إبراهيم أحمد البدوى عبد الساتر
تابع الأمريكيون، ومعهم العالم، حدثاً سياسياً لافتاً تمثّل في تنصيب زوهران ممداني عمدةً لمدينة نيويورك. وممداني شاب مسلم من أصول هندية، وُلد في أوغندا، وهاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي. وقد استطاع، في واحدة من أكثر مدن العالم تنوعاً وتعقيداً، أن يبني حركة سياسية تقدمية عابرة للهويات الدينية والإثنية، داخل الحزب الديمقراطي، وأن يحقق فوزاً كاسحاً عبر تبنّي أجندة واضحة تحت شعار “تعزيز القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة”(Affordability) ، في مدينة يقطنها أكثر من ثمانية ملايين ونصف المليون نسمة.
وقد يبدو هذا الحدث، للوهلة الأولى، بعيداً عن السودان والسودانيين الغارقين في أهوال الحرب، وانعدام الأمن، ومكابدة الجوع، وسط سطوة أمراء الحرب وحكّام الأمر الواقع. غير أنني أزعم أن لهذا الحدث مغازٍ ودلالات عميقة، بل دروساً مباشرة، تستحق التوقف عندها من منظور سوداني.
أولاً: نيويورك كقوة اقتصادية عالمية ودلالة “المدن المنتِجة”
تُعدّ مدينة نيويورك، من حيث ثقلها الاقتصادي، واحدة من أهم مدن العالم، إذ يُقدَّر الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة الحضرية الكبرى بنحو 2.3 تريليون دولار سنوياً. وهو رقم يضع مدينة واحدة في مرتبة تنافس – بل تتفوّق على – اقتصادات دول صناعية كبرى، ذات سيادة.
مقارنة مع بعض الولايات أمريكية: ناتج منطقة نيويورك الحضرية يعادل أو يتجاوز اقتصادات أغنى وأهم الولايات الأمريكية، مثلاً يعادل تقريباً اقتصاد ولاية تكساس (2.4 تريليون دولار)؛ أكبر بكثير من ولاية فلوريدا ( 1.4 تريليون) وولاية كارولينا الشمالية (820 مليار دولار)؛ يقارب كاليفورنيا إلى حدٍ ما، لكنه أدنى منها (كاليفورنيا حوالى 3.8 تريليون).
مقارنة مع دول أوربية: حجم الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة الحضرية لمدينة نيويورك يضع هذه المدينة الواحدة في مرتبة تنافس اقتصادات دول أوروبية كاملة. فعلى سبيل المثال، يفوق اقتصاد نيويورك اقتصاد دول صناعية عريقة مثل إيطاليا، ويزيد بنحو مرة ونصف على اقتصاد إسبانيا، ويتجاوز بأكثر من الضعف اقتصادات دول متقدمة مثل هولندا وسويسرا، وبنحو ثلاثة أضعاف اقتصاد بولندا. وتكشف هذه المقارنة أن التركز الحضري عالي الإنتاجية قادر على خلق قوة اقتصادية تضاهي دولاً ذات سيادة، بفضل ما تجمعه المدن الكبرى من تمويل، وخدمات متقدمة، وتكنولوجيا، وشبكات تجارة عالمية.
مقارنة مع دول آسيوية: لا تقل دلالة المقارنة مع آسيا وضوحاً؛ إذ يفوق اقتصاد نيويورك الحضري اقتصاد دول صناعية وصاعدة ذات كثافة سكانية عالية. فاقتصاد المدينة أكبر بنحو الثلث من اقتصاد كوريا الجنوبية، وبنحو مرة ونصف من اقتصاد إندونيسيا، وبقرابة الضعف من اقتصاد تركيا، وبأكثر من أربعة أضعاف اقتصاد تايلند، ونحو خمسة أضعاف اقتصاد فيتنام. وتبرز هذه الفجوة كيف يمكن لمدينة عالمية واحدة أن تتفوّق اقتصادياً على دول تضم عشرات، بل مئات الملايين من السكان، عندما تتكامل فيها مؤسسات السوق، ورأس المال البشري، والبنية التحتية، والقدرة على الابتكار.
مقارنة مع دول أفريقية: يُظهر حجم الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة الحضرية لمدينة نيويورك – المقدَّر بنحو 2.3 تريليون دولار – فجوةً هائلة عند مقارنته باقتصادات الدول الإفريقية، إذ يفوق اقتصاد مدينة واحدة اقتصادات معظم دول القارة على مستوى الدولة. فهو أكبر بأضعاف من اقتصاد نيجيريا، أكبر اقتصاد إفريقي، الذي يقدَّر بنحو 450–500 مليار دولار، ويتجاوز بقدر مماثل اقتصاد جنوب إفريقيا البالغ نحو 380–400 مليار دولار، وكذلك اقتصاد مصر في حدود 350–400 مليار دولار. كما يزيد اقتصاد نيويورك بنحو خمسة عشر ضعفاً على اقتصاد إثيوبيا (نحو 150–160 مليار دولار)، وبما يقارب عشرين ضعفاً على اقتصاد كينيا (نحو 110–120 مليار دولار). وتبرز هذه المقارنة، بجلاء، مدى التركز الشديد للقيمة المضافة والإنتاجية في المدن العالمية الكبرى، في مقابل هشاشة وتجزؤ القاعدة الإنتاجية في معظم الاقتصادات الإفريقية.
مقارنة مع دول عربية: يُبيّن حجم الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة الحضرية لمدينة نيويورك اتساع الفجوة بينها وبين معظم الاقتصادات العربية؛ إذ يفوق اقتصاد نيويورك اقتصاد المملكة العربية السعودية، أكبر اقتصاد عربي، بنحو الضعف، ويتجاوز اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة بما يقارب أربع إلى خمس مرات. كما يزيد بنحو ستة أضعاف على اقتصاد مصر، وبنحو عشرة أضعاف على اقتصاد قطر، ويقارب في حجمه مجموع اقتصادات الأردن ولبنان وتونس مجتمعة. وتكشف هذه المقارنة بوضوح كيف يمكن لمدينة عالمية واحدة أن تنافس – بل وتتفوق على – اقتصادات دول كاملة، بما يعكس شدة التركز في القيمة المضافة والإنتاجية داخل المراكز الحضرية الكبرى.
وتكشف هذه المقارنات دلالة مركزية: أن المدن الكبرى لم تعد مجرد وحدات إدارية، بل أصبحت محركات اقتصادية بحجم دول. وهي حقيقة تحمل درساً بالغ الأهمية للسودان، وتدعم بقوة مقترحى بشأن “ممرات النمو والمدن المنتِجة”بوصفه مدخلاً واقعياً لبناء اقتصاد وطني حديث، قائم على التركز الحضري الإنتاجي وربطه بالزراعة والصناعة والخدمات (سنخصص بإذن الله عدة مقالات لهذا الموضوع فى سياق المشروع النهضوى السودانى بعد الحرب).
ثانياً: عظمة الديمقراطية بوصفها إنجازاً إنسانياً
لا تقل الدلالة السياسية لهذا الحدث أهمية عن دلالته الاقتصادية. فأن يتولى شاب مسلم، من أصول آسيوية، وُلِد في دولة إفريقية، إدارة أهم مدينة في العالم من حيث الثقل السياسي والاقتصادي، لهو تعبير ساطع عن عظمة الديمقراطية بوصفها إنجازاً بشرياً جديراً بالإحتفاء. ويزداد المشهد عمقاً حين نشهد السناتور اليهودي بيرني ساندرز، رمز اليسار الديمقراطي الأمريكي، يشرف على أداء القسم لتنصيب العمدة الشاب، وتُلقي كلمة الافتتاح عضوة الكونجرس النائبة اليسارية الشابة أليكساندرا كورتيز ذات الأصول الإسبانية وتشارك فى الحدث المدعية العامة لولاية نيويورك السيدة لاتيشا جيمس – الأفريقية الأمريكية – ورجال الدين الإسلامى واليهودى والمسيحى وقطاع واسع من أنصار تيار “الديمقراطية الإجتماعية” من كل أنحاء أمريكا – في لوحة تختزل قدرة الديمقراطية على استيعاب التنوع وتحويله إلى مصدر قوة.
وفي هذا السياق، تحضرنى بصيرة الإمام الصادق المهدي، عليه الرحمة والرضوان، حين خالف في ثمانينيات القرن الماضي نبوءة المفكر الجزائرى مالك بن نبي بزوال النظامين الحضاريين الغربيين، الماركسي والرأسمالي معاً. فقد وافقه بشأن النموذج الماركسي الأوتوقراطي، لكنه جادل بأن النظام الديمقراطي الرأسمالي يمتلك من المرونة المؤسسية ما يمكّنه من تصحيح ذاته واستيعاب التنوع، ومن ثم البقاء إلى أمد أبعد – وهو ما تؤكده الوقائع حتى اليوم.
ثالثاً: دعوة لمراجعة القناعات إذا أردنا وطناً قابلاً للبقاء
من هنا، تبرز ضرورة أن نُجري – نحن السودانيين – مراجعاتٍ فكريةً وسياسيةً عميقة، وأن نستخلص العِبر والدروس، إذا كنا ننشد وطناً قابلاً للبقاء والنماء في عالم “لعبة الأمم” الذي لا يرحم الضعفاء أو الغافلين أو الجهلاء المتنطعين المستعلين من دون مقومات أو مبررات. وعلينا أن نمارس أقصى ما نستطيع من التواضع، وأن نتعلّم ونتدبّر، وأن نتذكّر دائماً أن الناتج المحلي الإجمالي للسودان لم يتجاوز 50 مليار دولار قبل الحرب في عام 2022، ثم تدهور بفعل هذه الحرب إلى نحو 25 مليار دولار فقط. وهذا يعني أن الخمسين مليوناً من أبناء الشعب السوداني، بقضّهم وقضيضهم، يحتاجون إلى العمل لأكثر من تسعين عاماً ليعادلوا الناتج المحلي لمدينة نيويورك، التي لا يتجاوز عدد سكانها ثمانية ملايين ونصف المليون نسمة.
وهنا وعلى وجه الخصوص أود التمييز بين ثلاث فئات من الشعب السودانى: أولاً، من أدعوهم إلى مراجعات عميقة وأخذ العِبر؛ ثانياً، من يستحقون الإدانة (ومع ذلك دعوةً لأخذ العِبر)؛ ثالثاً، آخرين هم “شرّ الدواب” ممن لا يكتفى الأمر بإدانتهم، بل يقتضى تجريمهم ومحاسبتهم.
أ. دعوة للمراجعات العميقة وأخذ العِبر: السودانيين المهجريين من غلاة الشيوعيين الذى أختاروا اللجوء إلى أمريكا وغيرها من الدول الغربية منذ وبعد سقوط الاتحاد السوفيتى ولم يختاروا أىِّ من دول المعسكر الشرقى، لكن مع ذلك مازلوا يتمسكون بالصنم الماركسى كأنه دينٌ منزل. أدعوا هؤلاء إلى دراسة تجربة الشيوعيين التشيليين الذين أجروا مراجعات عميقة بعد عودتهم من الدول الشرقية وأعتمدوا “الديمقر اطية الاجتماعية” عوضاً عن الماركسية الرجعية المتكلسة واستطاعوا أن ينالوا ثقة الشعب التشيلى ويعودا حكاماً لذلك البلد بعد ديكتاتورية بينوشيه ويساهموا فى صناعة المعجزة الاقتصادية التشيلية المترتبة على اقتصاد السوق والحماية الاجتماعية الشاملة (راجع مقالى: الديمقراطية التشيلية وشرعيتها الاقتصادية: الدروس المستفادة لإدارة ريع الذهب ونهضة السودان الزراعية – (https://shorturl.at/tn6Xp
ب. الإدانة ودعوة لأخذ العِبر: جماعة “دولة البحر والنهر” الذين يرغبون فى تقسيم السودان وإنشاء دولة منسجمة إثنياً فى ذلك الجزء من السودان وإعطاء أهل دارفور وجنوب كردفان وممن يرغب فى الإنضمام لهم من أقاليم السودان الأخرى إنشاء دولتهم التى تعكس إنتماءهم الإثنى ومزاجهم الحضارى (أنظر مقالى: المشروع الوطني السوداني بين رغائبية “دولة البحر والنهر” وأشواق “ثورة ديسمبر عائدة راجحة” – (https://shorturl.at/zlmoq: . هذا المفهوم والموقف السياسى الذى يستند إليه يجب إدانته والتحذير منه، فكما تعلمنا تجربة نيويورك لا تبنى الأمم بالنقاء العرقى – الذى هو أبتداءً من المستحيلات – بل هو فى الواقع وصفة مؤكدة لزوال السودان برمّته، بما فى ذلك تلك الدولة المزعومة.
ولا يقل خطراً عن ذلك سلوك بعض أنصار أمراء الحرب من جماعات قبلية في المهجر؛ ممن لجأوا إلى الدول الغربية وحققوا ما تيسر لهم من العمل والتعليم، لكن العصبية القبلية البغيضة أعمتهم فلم يتعلموا شيئاً من مبادئ تلك المجتمعات الراقية، فحاولوا ممارسة العنف والترهيب ضد متظاهرين سلميين من أبناء وطنهم من منتقدى مشروع الحرب والعودة للمسار المدنى الديمقراطى – شاهرين الأسلحة البيضاء، في مشاهد عرضتهم للمساءلة القانونية فى إحدى الدول الأوربية.
ت. الإدانة والتجريم والمحاسبة: السودانيين من أنصار الحركة الإسلاموية الذين حكموا السودان وأذاقوا أهله الأمرين وبعضم هاجر إلى أمريكا والدول الغربية الأخرى وتمتعوا بالحرية السياسية والفرص الاقتصادية فى تلك الدول ولكن ما زال بعضهم يدعم مشروع الحرب الإسلاموى، بل وذهب أحدهم فى إجتماع عُقِد مع رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع فى ولاية نيوجرسى بالتحريض على شباب ثورة ديسمبر المجيدة والدعوة إلى قمعهم. وهذا فكرٌ إجرامي ومواقف لا يجوز الاكتفاء بإدانتها أخلاقياً، بل ينبغي تجريمها والمطالبة بمحاسبة من يدعون لها.
خاتمة: ما الذي تعلّمناه من نيويورك؟
إن ما جرى في نيويورك ليس “حكاية مدينة بعيدة”، بل رسالة واضحة المعالم: المدن تُبنى بالإنتاج، والدول تُصان بحسن إدارة التنوع لا بمحاولة محوه وإبادته، والسياسة الرشيدة تُدار بالشرعية لا بالغلبة. لقد أظهرت التجربة أن الديمقراطية، حين تُحسن تنظيم الاختلاف، قادرة على تحويل التنوع إلى طاقة، وعلى إعادة توزيع الفرص، وعلى تمكين الناس من مساءلة من يحكمونهم – وأن الاقتصاد، حين يُبنى على مدن منتِجة ومؤسسات فعّالة، يمكن أن يصنع ثروة بحجم دول.
إلى الشعب السوداني: إن طريق الخلاص لا يمر عبر نقاءٍ متخيّل، ولا إنفكاءٍ على عصبياتٍ وغرائزٍ قبليةٍ بدائية، ولا عبر حربٍ مصنوعة من فئةٍ باطنيةٍ مجرمة، ولا عبر شعارات تُفرغ الدولة من مضمونها. يمرّ الطريق عبر عقد اجتماعي جديد، ومدن منتِجة مرتبطة بريفٍ مزدهر، وديمقراطية جامعة تعترف بالتنوع وتحميه، ومراجعات شجاعة للأفكار التي قادتنا إلى الخراب. وكما أضاءت نيويورك شمعةً في قلب عالم مضطرب، فإن السودان – بلطف المولى العلى القدير وبعد ذلك بإرادة شعبه – قادر على أن يشقّ طريقه من الرماد إلى الدولة، ومن الحرب إلى السلام، ومن الهشاشة إلى الأمل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم