إعداد: بروفيسور عادل علي وداعه
تميز الشعب السوداني بتاريخ حافل في الدفاع عن سيادة وطنه واستقلاله، وعبر كفاحه الطويل وقف قادة وطنيون أمام محاكم عسكرية او مدنية جائرة حاكمتهم واعدمتهم، لكن تلك المحاكم عجزت عن إيقاف مسيرة النضال الوطني ضد الظلم والاستبداد بل كانت شرارة لنهضة جماهيرية اطاحت بالطغاة، فعندما تسيس العدالة وتتدخل فيها السلطة التنفيذية ويصبح القانون والأجهزة المناط بها تطبيق اجراءاته مطية في يد الحكام عندها يفقد المواطن ثقته بالقانون وعدل مؤسسات الدولة فتنعدم المساواة ويحرم المواطن من أبسط الوسائل التي تكفل له الدفاع عن نفسه وكل تلك المظاهر مؤشر لانهيار النظام القانوني وتفكك الدولة. إليك عزيزي القارئ نماذج بطولية لقادة سودانيين وقفوا أمام تلك المحاكم متمسكين برأيهم ومعتقداتهم الفكرية ومواقفهم السياسية ووهبوا حياتهم من أجلها.
(١) الشيخ رجب ود بشير الغول ١٨٣٥م
وهو شيخ قبيلة الحمدة وهي فرع من قبيلة رفاعة الكبرى مقرها جنوبي القضارف، فرضت حكومة النظام التركي المصري ضريبة على القبلية كانت فوق طاقتها
وقدراتها فعجزت عن سدادها وعبرت القبيلة عن رفضها بمهاجمة الحاميات العسكرية التركية في المنطقة فاتخذت الحكومة إجراءات قاسية تجاهها الأمر الذي دفع الشيخ رجب إلى اللجوء إلى الحبشة، ولكن النظام الحاكم فيها سلمه إلى السلطات في السودان والتي عقدت له محكمة عسكرية حكمت عليه بالإعدام، يقول البروفيسور محمد سعيد القدال في مؤلفه ان أحد الاوربيين شهد إعدام الشيخ رجب فوصفه( كان رجب رجلا في مواجهة مصيره حيث ودع أهله في هدوء وشجاعة وأظهر ثباتا منقطع النظير أمام جمهرة النساء،ثم تقدم في خطوات ثابتة نحو ساحة الإعدام ومن هناك ناشد الناس الاطاحة بحكم الأتراك البغيض ).
(٢) عبدالقادر محمد امام(ودحبوبة ) ١٧مايو ١٩٠٨م
ينتمي عبدالقادر إلى قبيلة الحلاويين وانضم منذ وقت مبكر إلى محمد أحمد المهدي وشارك في معارك الثورة والدولة المهدية حتى معركة توشكي في عام ١٨٨٩م ووقع اسيرا لدى المصريين، وبعد سقوط الدولة المهدية أطلق سراحه وعاد إلى السودان ليقود انتفاضة مسلحة في أبريل ١٩٠٨م تمكن فيها اتباعه من قتل مفتش مركز رفاعة ومأمور قسم المسلمية،ومن ثم عقدت له محكمة في الكاملين أصدرت حكمها عليه
بالإعدام ومصادرة ممتلكاته وفي اليوم المحدد للتنفيذ جاء به المستعمرون مكبلا بالحديد وقبل أن ينفذ فيه الحكم ودع أهله في قوة ورجولة وهو يبتسم مشجعا لهم على الجهاد،ثم صعد إلى المشنقة وهو يكبر في شجاعة نادرة ومن حوله النساء يزغردن، وقد هز هذا المشهد المستعمرين فاصابهم الرعب وادركوا أنهم يحكمون شعبا قويا. وانشدت اخته رقية مناحة عفوية ابتدرتها:
بتريد اللطام أسد الكداد الزام هزيت البلد من اليمن للشام
سيفك للفقر قلام
(٣) محمد ود السيد حامد ١٩١٩م
السيد حامد بن عبد الله هو الشقيق الأكبر لمحمد أحمد المهدي هاجر معه بعد واقعة الجزيرة أبا إلى جبل قدير واستشهد في حملة راشد بك أيمن ١٨٨١م،وقد شارك إبنه محمد في معركة كرري سبتمبر ١٨٩٨م ووقع في الأسر ونفي إلى مصر ليمكث فيها فترة، وبعد الحرب العالمية الأولى جاءوا به إلى سنجة ووضعوه قيد الإقامة الجبرية وفي سنجة تزوج السيد محمد من كريمة جارالنبي أحمد الكناني وهو من أعيان قبيلة كنانة،وبحسب شهرة السيد محمد ووضعه الاجتماعي
توافد الناس إليه وتجمعوا حوله فصارت داره مركزا مهدويا خشيته الحكومة،فضلا عن صلته الوثيقة مع السلطان علي دينار في دارفور والشريف الحسين بن علي في مكة أثناء سنوات الحرب العالمية الأولى والتي كشفتها الحكومة عن طريق تبادل الرسائل والمكاتبات بينهما لذلك قررت الحكومة ترحيله ونفيه خارج البلاد وعلم هو بذلك فقرر الهجرة سرا إلى الحبشة.
تسربت الأخبار إلى الإدارة البريطانية في سنجة أن السيد محمد توجه إلى ابوحجار جنوبي سنجة وطلب من اصهاره الكنانيين اللحاق به لترتيب أمر الثورة ضدالانجليز فلاحقته السلطات وتمكنت من إلقاء القبض عليه واقتيد مكبلا بالقيود إلى سنجة وعقدت له محكمة عسكرية صورية أصدرت حكمها بالإعدام وقد وصف الأستاذ حسن نجيلة ثبات السيد محمد وصموده وحبل المشنقة يلتف حول عنقه قائلا: إن زوجة السيد محمد أطلقت زغرودة طويلة اعجابا بشجاعة زوجها. وتولت السلطات دفن الشهيد بالقرب من ثكنات الجيش ودثرت قبره بنثر كمية من بقايا الحديد لكي لا يتعرف الناس عليه ويتخذونه مزارا،ولكن إرادة الله جعلت قبره في مجرى سيل جرف الحديد وظهر قبره للناس،ومن ثم أطلق عليه السيد محمد نشار الحديد وعدوا ذلك الأمر
من الكرامات.
(٤) عبد الخالق محجوب ٢٨ يوليو ١٩٧١م
ولد عبد الخالق في سبتمبر ١٩٢٧م بمدينة أم درمان ونشأ وترعرع فيها وكان والده من مؤيدي ثورة ١٩٢٤م،التحق عبدالخالق بكلية غردون التذكارية وخرج إلى مصر أثر احتجاجات طلابية على الاستعمار البريطاني في السودان ودخل كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول وفصل منها لنشاطه السياسي،عاد إلى السودان في عام ١٩٤٦م وأصبح مسؤولا سياسيا في الحركة السودانية للتحرر الوطني وتولى منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني حتى عام ١٩٧١م، اعتقل عدة مرات في العهد العسكري الأول ١٩٥٨-١٩٦٤م،وبعد انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩م اعترض على الكثير من القرارات التي اتخذها جعفر نميري على الرغم من دعم الشيوعيين للانقلاب فنفته الحكومة إلى مصر في مارس ١٩٧٠م وحظرت نشاط الحزب الشيوعي والمؤسسات الديمقراطية الفئوية. عاد عبدالخالق إلى السودان واعتقل بعد فشل انقلاب ١٩ يوليو ١٩٧١م والذي قاده الرائد هاشم العطا يقول الصحفي إدريس حسن والذي حضر جلسة محاكمة عبدالخالق في الشجرة حضر عبدالخالق للمحكمة وهو يرتدي ملابس أنيقة وينتعل
حذاءا لامعا وكان بادئ الحيوية والاطمئنان وعلى وجهه لمعة واشراق،لقد كان منظره مهيبا ومثيرا أشبه بفرسان الأساطير القديمة وكان أكثر ثباتا من الذين حاكموه.
وفي فجر الأربعاء ٢٨ يوليو ١٩٧١م اقتيد عبدالخالق إلى المشنقة مرفوع الرأس شامخا يهتف بحياة السودان وحزبه،قال عثمان عوض الله مأمور سجن كوبر والذي أشرف على عملية التنفيذ بأن عبدالخالق ذهب إلى المشنقة رافضا وضع قناع الرأس والوجه وخلع ساعته واهداها لاصغر جندي كان بين الحاضرين. رثاه شاعر الشعب محجوب شريف قائلا:
الفارس معلق وللا الموت معلق
حيرنا البطل يا ناس الحصل
طار بي حبلو حلق
فج الموت وفات خلى الموت معلق
(٥) محمود محمد طه ١٨ يناير ١٩٨٥م
ولد محمود محمد طه في عام ١٩٠٩م في مدينة رفاعة،ودرس الهندسة في كلية غردون التذكارية وتخرج فيها مهندسا، أسس في أكتوبر ١٩٤٥م الحزب الجمهوري(الأخوان الجمهوريين ) والذي أصدر في ٢٥ ديسمبر ١٩٨٤م منشورا عنوانه هذا أو الطوفان طالب فيه بالغاء قوانين سبتمبر ١٩٨٣م والعمل على حل مشكلة
الجنوب فاعتقلته السلطات في ٥ يناير ١٩٨٥م وقدمته إلى محكمة الطواريء بتهمة إثارة الكراهية ضد الدولة والدعوة إلى إلغاء الشريعة الإسلامية واصدرت حكمها عليه بالإعدام.
كتب الدكتور الشفيع خضر سعيد جلست مع محمود ظهر يوم الخميس ١٧ يناير ١٩٨٥م وتحدثت معه في مواضيع شتى وحدثني عن الفكر الجمهوري وأخرج لي من جيبه بيانا قال لي هذا من جماعتكم مكتوب فيه ارفعوا أيديكم عن محمود محمد طه. وكتب ابوذر الغفاري بشير وكان طالب في السنة الثالثة بكلية القانون جامعة الخرطوم وشهد الإعدام فقال عن محمود( رجل مربوع القامة أخضر اللون..ليس به سمنه ولا نحافة يلبس ملابس السجن وهي سروال وقميص قصير الاكمام من القماش القطني الخفيف الأبيض وقد غطي وجهه بقناع أحمر وربطت يداه على وسطه بحبل سميك وقيدت يداه ورجلاه بجنزير حديدي، وينتعل حذاءا خفيفا ناصع البياض سار بخطواته القصيرة بين الغرفة البيضاء وسلم المشنقة متزنا مرفوع الجبهة ثم توقف قليلا عند السلم فخلع نعله اليمين ثم اليسار وصعد بهدوء إلى المشنقة حتى استقر على سطحها متجها ناحية الشرق،ونزع السجان القناع الأحمر عن وجهه كان
وجهه مضيئا كقرص الشمس وارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة لونت وجهه بلون الفرح ثم جعل يحيل بصره في الحاضرين…وهذا مستوى معجز من الثبات والشجاعة فلا شيء في قسمات وجهه يوحي أنه مقدم على الموت ومغادرة الدنيا إلى الأبد ).وقال مندوب وكالة الأنباء الفرنسية عندما رفع الجلاد القناع عن وجه محمود قبل أن يضع على عنقه الحبل القاتل كان مبتسما وان هذا الثبات أمام الامتحان العظيم هومن حظ القديسين وهو يذكرنا بتوماس مور الذي عارض بنفس التصميم والثبات طغيان السلطة وتحكمها فانتهى به الأمر إلى المقصلة.
adilali62@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم