mustafabatal@msn.com
منذ عرفت قراءة الصحف وأنا أقرأ عبارة (الشروع في الانتحار). ولذلك لم أجد غرابة عند مطالعتي خبراً عن شروع فتاة بحي أبوسعد بمدينة ام درمان، تبلغ من العمر عشرين عاماً، في الانتحار بعد ان أذابت محلول صبغة الشعر في كوب ماء وتجرعته بهدف انهاء حياتها. ومعلوم أن صبغة الشعر هي الوسيلة المعتمدة للانتحار عند السوادنة من النساء.
الاسباب التي تكمن وراء مثل هذه المحاولات كثيرة. جلها ان لم تكن كلها تتصل بالتحكم السلطوي لمؤسستي الاسرة والمجتمع في حيوات قطاع عريض من الفتيات، بحيث يلجأن تحت نير الاحساس باليأس الى خيار الانتحار البغيض.
قلت ان مثل هذه الاخبار انما هي من معتاد ما اطالعه في صفحات الحوادث، ولكن جزئية صغيرة في هذا الشاكلة من الاخبار هي التي ظلت تثير حيرتي. في الخبر عن حادثة فتاة ابوسعد اشارة الى ان الشرطة حققت في الحادثة، بعد ان تم اسعاف الفتاة الى مستشفى ام درمان، ثم ووفقاً لنص الخبر: (أوقفت الشرطة الفتاة عقب تماثلها للشفاء، حيث وجهت اليها تهمة الشروع في الانتحار)!
تخيل فتاة عشرينية يبلغ بها اليأس من الحياة حد تجرع السم بكامل ارادتها، وكفى بها داءً أنها رأت الموت شافياً من أوضار الدنيا. ولكن الموت تأبّى، ولكل أجلٍ كتاب، فيتم انقاذ حياتها. ثم عندما تتماثل للشفاء تأتي الشرطة لتأخذها وتوجه اليها تهمة (الشروع في الانتحار)!
ليت أحد رجال الضبط القضائي يبيّن لي مآلات هذا النوع من القضايا. ماهي العقوبة التي يقررها القانون لهذه (الجرائم)؟ هل هي السجن والغرامة مثلاً؟ هل يعقل هذا؟ شابة في مقتبل العمر، أثقلت عليها هموم الدنيا حتى طلبت الموت. ثم إذا بها في مواجهة عسس القانون وقضاته!
في الدول المتقدمة الشروع في الانتحار يضعك بين يدي عدد كبير من اختصاصيي العلاج النفسي ومؤسسات الدعم الاجتماعي. أما عندنا فينتهي بك الفشل في قتل نفسك الى مخافر الشرطة والمحاكم! من هو المشرع العابث الذي اخترع تهمة (الشروع في الانتحار)؟
تلك فتاة يأتي تصنيفها في اللغة الاجتماعية ضمن طائفة الأبكار. طيب، وماذا عن طائفة الثيّبات؟ والثيّب في المصطلح هي التي طلقها زوجها او مات عنها. وبعض هؤلاء في مجتمعاتنا يكاد البؤس يُحدق بهن من كل جانب، لكأنهن من سقط المتاع. تنظر اليهن فترى الوجوه الكابية والعيون الخابية، والفقر الذي يُحابي العدم.
نشرت صحيفة (المجهر السياسي) الاسبوع الماضي تحقيقاً بعنوان (المجهر تخترق سوق العزبات). العزَبا، في دارج السودانة، توازي الثيب في صحيح اللغة. وكانت هي المرة الاولى التي اعرف فيها ان عندنا سوق اسمه (سوق العزبات).
يعكس التحقيق معاناة اسر متعففة فقدت العائل، فخرجت النساء وقد اجبرتهن قسوة الحياة لتحمل المسئوليات، الى سوق بشمال مدينة ام درمان، اطلقوا عليه (سوق العزبات). يحملن من خشاش الارض الكجيك، والويكة، والكول، واللوبيا، والفسيخ، والبهارات، والعدس، والطعمية، والمفاريك، والكوانين المصنوعة من الطين المخمر وروث البهائم. يبتغين الرزق الحلال، الذي يرد المسغبة ويكفي مذلة السؤال.
لا بأس. خير. هناك سوق يتيح لهن الكسب الشريف. ولكنك تمضى فتقرأ: (نعاني أشد المعاناة مع المحلية التي تفرض علينا مبالغ كبيرة، وقد تضاعفت الرسوم من 200 الى 360 ثم الى 600 جنيه. والدفع اجباري). وضعت الصحيفة تلك الشكوى امام الادارة المحلية فكان الرد: (هذه قرارات صادرة عن الرئاسة، ولا نستطيع ان نفعل حيالها شيئا)!
قرارات صادرة عن الرئاسة؟ أى رئاسة هذه التي لا تستحي ان تفرض (الأتاوات) ثم تنتزعها غصباً من ايدي فقيرات متعففات، فقدن العائل والنصير، لا يملكن من عرض الدنيا سوى الأسمال البالية، ولم يطلبن منها الا ما يقيم الأود!
ولكنني أحسب ان تلكم النسوة، ممن اثقلت عليهن الدنيا، أفضل حالاً في مكمنهن القصي ذاك من اطراف ام درمان. على الاقل سيوفر لهن البعد الجغرافي الأمان والستر الذين افتقدتهما بائسات اخريات في قلب الخرطوم، تسلطت عليهن أقلام صحفية طمحت الى مجد الشهرة فأحالتهن، ضربة لازب، الى قوادات وبغايا!
كم هو عجيبٌ حقاً ذلك الابتلاء الذي يتعرض له أهل المسغبة من النساء في هذا الوطن.
نقلاً عن صحيفة (السوداني)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم