إنفضّ سامر (الملتقى التفاكري) الذي دعا له الأستاذان شمس الدين ضو البيت والمحبوب عبد السلام ممثلين لمنبريهما (مشروع الفكر الديموقراطي وحركة تضامن من أجل الديموقراطية). يشهد الغالبية العظمى ممن شاركوا في جلسات المؤتمر أنّ الأيام الأربعة لتقديم أوراق في أطروحات تدور كلها حول أسباب هذه الحرب البشعة – تلك الأيام الأربعة – قد شهدتى نجاحاً في تقديم 26 ورقة من بين جملة المدعوين من الكتاب والمثقفين والساسة من الرجال والنساء على اختلاف مشاربهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية ، البالغ عددهم واحداً وأربعين مشاركاً ومشاركة. إنفض سامر الملتقى ببيان ضافٍ ، نال إجماع المشاركين في الجلسات وما تمخض عنها من حوارٍ جاد ، يحسب محمدة لمن دعوا لهذا الملتقى الذي تميز بعصف فكري ممتاز.
ولأنيِّ أعرف من تجارب سابقات أنّ أسوأ ما في مثل هذه المؤتمرات أنها تستهلك طاقة المشارك فيها بالإجتماعات المستمرة صباح مساء ، ثم إمّا خلص المؤتمرون من صياغة وتلاوة البيان الختامي ، طلبوا منك بكل أدب وذوق أن ترتب حالك للعودة إلى حيث جئت في نفس اليوم الختامي أو اليوم الذي يليه.. لأني أعرف ذلك من مؤتمرات سابقات، ثلاثة منها في العاصمة اليوغندية الخضراء كمبالا ، فقد قررت أن أبقى هذه المرة أسبوعاً بعد انتهاء جلسات الملتقى. الفكرة أن أرى المدينة التي جئتها ثلاث مرات من قبل ولم أر من وسامتها سوى الفندق والطريق إلى المطار. كنت فرحاً بقراري ، لأن المكان عندي يعني التواصل مع الناس والتمعن في إيقاع الشارع – هذا الإيقاع الذي يدوزنه ويبث إنغامه الإنسان العادي صانع التحولات الكبرى في عالمنا. أسبوع واحد غير كافٍ. لكن هذا ما يتسع له جيبي – هكذا قلت في نفسي !
حسبتني سأنعم بالأسبوع الذي تخلفته. وأنني سأصبح وأمسي متسكعاً في طرقات وأزقة ومقاهي المدينة الساحرة وحدي و …. “على كيفي” كما قال أستاذنا صاحب “نار المجاذيب” محمد المهدي المجذوب وهو يقدم لديوان شعره الجميل. إلا إنّ نفراً من الأقارب أقاموا لي دعوة عشاء (مشاوي) في منتزه به مطعم سوداني أطلق عليه صاحبه إسم “الجدائل”. من بين الحضور أديب وقارئ نهم ضلّ طريق كلية الآداب إلى كلية البيطرة -الإبن الدكتور صلاح الأمين. ناب الدكتور صلاح عن جاليتنا بكمبالا بالطلب لتأخير سفري حتى تقوم ندوة أدبية – ثقافية مفتوحة. وأن ذاك الطلب مأمول تلبيته فوراً. ولم يكن من مفر ، فقد كان تصور صلاح للندوة جاهزاً. يدير الحوار بالشراكة مع المسرحي الأديب السر السيد.. ثم إن الجمهور هو من يطرح الأسئلة والمداخلات حول ما كتبت وحول موقفي ككاتب من قضايا كثيرة. قبلت الطلب.. فما كان لي أن
أتخلف لأسبوع بغرض التسكع في طرقات ومقاهي كمبالا إشباعاً لرغبة السوح في مدينة سحرني جمالها الخلاب وطقسها الجميل .. بينما يريدني أبناء وبنات السودان في (جلسة مؤانسة) كما أسماها الدكتور صلاح الأمين وزميله الأديب السر السيد ، ظانين بي حسن الظن ؛ وباعتقادهم أنّ هذه (الشخبتات) التي نقوم بها كما أطلق أستاذنا الروائي العالمي الطيب صالح بسخريته اللاذعة تلك التسمية على الكتابة – أنّ ما أقوم به من (شخبتة) له قيمة، وأن جاليتنا بكمبالا تريدني في حضرتها للأنس حول تلك الشخبتات!!
“طيبة برس” مكان اللقاء:
قبل الحديث عن (قاعة طيبة برس) وصاحبها الأستاذ محمد لطيف أودّ أن أقول بأن ما أملى فكرة هذا المقال الإنطباعي كسابقه هو ما لمسته من صورة إيجابية لحياة الجالية السودانية التي التقيت بعض أفرادها إبان الأسبوعين اللذين قضيتهما بالعاصمة الأوغندية كمبالا وفي “أنتيبي” تلبية لدعوة عشاء بالمدينة الواقعة في حضن بحيرة فيكتوريا. هناك قضينا ثلاث ساعات في قاعة تطل على البحيرة.. وهناك إلتقيت رجالاً ونساءاً – شيباً وشباباً – تنادوا لحفل عرس سوداني بهيج. كنت أرى الناس تذبح الأحزان والمآسي التي خلفتها هذه الحرب البشعة عبر ابتسامات وقهقهات خجول. قلت في أعماقي: كما يا ترى فقدوا من الأحباب بسبب هذه الحرب اللعينة؟
أقول بأن ما لمسته في جاليتنا بكمبالا وربما في مدن أخرى بيوغندا أنّ الغالب الأعم من السودانيين والسودانيات هنا ينعمون بحياة طابعها الهدوء والإستقرار النسبي. ربما يعود ذلك أولاً إلى أنّ حكومة وشعب يوغندا احتفوا بمئات الآلاف من السودانيين بصورة حفظت كرامتهم إلى حدٍّ بعيد. وقد نقلت في مقال انطباعي سابق ما رواه لي الدكتور تاج الدين بشير نيام – وهو شخصية أكاديمية سودانية معروفة في الجامعات اليوغندية – أن الرئيس اليوغندي يويري موسيفيني قال في اجتماع حضرته شخصيات أفريقية بارزة ، قال موجهاً الكلام لوزرائه: (إن لم تعاملوا السودانيين في يوغندا كمواطنين ، إذن عاملوهم كزائرين. فالسودانيون في يوغندا ليسوا لاجئين!) ما رواه لي الدكتور تاج الدين نيام تأكدت من مصداقيته في أسئلة عديدة طرحتها على رجال ونساء وشباب وشابات حول انطباعهم عن الحياة في يوغندا. صحيح أن الوطن لا بديل له ..وأن (حد التراب بيتك) كما يقول مثل شعبي من غرب كردفان. لكن الإستقرار النفسي في بلدٍ لا تخنقك بالروتين والملاحقات الأمنية ، والجبايات كما في بلاد لجأ إليها السودانيون بحسبان أنها جارة وشقيقة وناصرة لهم عند الشدة ، فما كان هذا ولا ذاك، الإستقرار النفسي في المنفى نعمة. في يوغندا – كما روى لي الكثيرون – تشعر بالأمان من حيث المأوى والصحة والتعليم لأطفالك. وفي يوغندا لا تشعر بأن عيون أهل البلد تلاحقك كوافد أجنبي ! هذا الإستقرار النسبي زاده نعمة ذلك الطقس الذي تصحو فيه على زخات مطر استوائي ناعم ثم شمس غير حارقة وحركة السيارات والموتوسايكلات والناس الساعين إلى العمل بخفة ونشاط دون أن يتحرش بك أحد بسبب اللون أو الدين أو أنك وافد غريب الدار !
أظن أن هذا الإستقرار النسبي وحياة اليوغنديين العملية المنتظمة والهادئة جعلت السوداني يحس المسئولية الأخلاقية تجاه وجوده في بلدٍ ليس بلده مهما كانت درجة الترحاب. فكانت المبادرات السودانية بإنشاء منظمات خيرية وقاعات تدريب واجتماعات ومقاهي وحوانيت يتم إيجار معظمها من الباطن. وحين قدمت لي الجالية دعوة لجلسة مؤانسة كان منظمو الندوة قد اختاروا (قاعة طيبة برس Tiba press) وهي قاعة أقتطعها من موقع سكناه الصحفي والإعلامي المعروف الأستاذ محمد لطيف. وظيفة القاعة – والتي أطلق عليها صاحبها إسم محجوب محمد صالح تيمناً باستاذه الراحل عميد الصحافيين- وظيفة هذه القاعة الصغيرة مبنىً والكبيرة معنى أن تستضيف الندوات والمحاضرات وأن تستضيف دورات تدريبية. وهذه مناسبة نقدم فيها آيات العرفان والتقدير للأستاذ محمد لطيف الذي واصل عمله كصحفي ملتزم صوب مهنته بأن جعل هذه القاعة منتدىً للمناسبات الثقافية والإجتماعية مما يجعل الوطن حاضرا في كمبالا وبصورة حضارية!
وفي هذا الخط الإيجابي للجالية في يوغندا فإنك تلمس أسماء لبقالات ومقاهي ومطاعم شهيرة يؤمها السودانيون من كل حدب وصوب. من بين هذه الأسماء التي صارت قبلة للسودانيين – وقد أقامها سودانيون برأسمال متواضع – التماساً للكسب الحلال في بلدٍ لا يثقل عليك ولا ينخر عظمك أو يسلب مكسبك البسيط بالجبايات والضرائب ، من بين تلك الأماكن الشهيرة: الحوش السوداني في منطقة انتيندا Ntinda حيث الوجبات السودانية بمختلف أنماطها. وكذلك مطعم ومقهى (الجدائل) وموقعه في ميدان أخضر في قلب المدينة. هنالك أيضاً (عمارة صندل) في قلب العاصمة كمبالا. الطريف أن صندل لا يملك العمارة لكنه من أوائل السودانيين الذين سارعوا بإيجار متجر صغير بها. لحق به من بعدئذ عدد من السودانيين الذين أقاموا محلات تبيع أغراضاً سودانية. حملت هذه المحلات أسماء مناطق سودانية مختلفة: مليط ، الجنينة ، أولاد الحزيرة إلخ.. صارت عمارة صندل قبلة وملتقى للسودانيين للتسوق وتناول الشاي والقهوة ولقاء بعضهم البعض.
إشارتي إلى نشاط بعض أفراد جاليتنا في يوغندا قصدت من ورائها الإشادة بأنهم لم يحملوا في غربتهم – التي آمل أن تنتهي قريباً – لم يحملوا هموم ما جلبته لهم الحرب التي مزقت بلادنا ووزعتها أيدي سبأ ، بل حاولوا أن يواجهوا واقع النزوح في أرض الله الواسعة وفي بلد شقيق استضافهم بأنهم بشر لهم كبرياؤهم. يقفون على أقدامهم في البلد المضيف ولا يتسولون! جاليتنا في يوغندا تستحق التحية والتقدير. فهي السفارة الشعبية في قلب الشقيقة يوغندا – جوهرة أفريقيا كما أسماها المستعمر.
شباب ثورة ديسمبر الراكب راس.. رأيتكم بعين قلبي!
وددت في ختام هذه الخاطرة أن أهمس في آذان الشباب والشابات السودانيين الذين التقيتهم في الندوتين وفي بعض الأماكن مصادفة أو على موعد. لقد لفت صوتكم الجهير عنقي لأراكم أشخاصاً ، ولأراكم رموزاً عرفتها من خلال الملتقى الفكري ومن خلال الندوتين وفي مقاهي يممتها مع أصدقاء وأقارب. رأيتكم بعين قلبي وأستمعت إلى مداخلاتكم وطرح اسئلتكم الناضجة رغم صغر سن معظمكم. باعتقادي أنكم ولدتم باسنانكم ، وبعيون تقرأ واقع الحياة بوضوح. أنتم نصف الحاضر وكل المستقبل. إنّ ثورة ديسمبر لم تمت. بل تنتظركم جولة لا أظنها شبيهة بمعركة الشارع والهتاف السابق. إقرأوا وانشروا الوعي بين صفوفكم. دولة الباطل التي تترنّح مآلها مذبلة التاريخ قريباً. كونوا قدر مساحة بلادنا . كونوا جميلين وجميلات كفجر الخلاص القادم!
كما أرجو أن يسمح لي قارئ هذه الخاطرة أن أسوق التحية لكل من أكرموني بدعواتهم التي وقف الوقت الممحوق دون تلبيتها. أحببت فيكم أنكم عانقتموني بمحبة ووجهتم لي الدعوات ليس لانتمائي الجهوي أو سحنتي أو لوني السياسي. كنتم سودانيين بكل ما تعني الكلمة من جميل المعاني والسجايا وأنتم تدعونني لوجبة غداء أو جلسة سريعة في مقهى. لكم محبتي وتقديري!
فضيلي جمّاع
لندن
29 يونيو 2025
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم