عبد القادر محمد احمد /المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com
اطلعت على تقرير صحفي إخباري أعده راديو دبنقا عن جدلية التلوث الكيميائي في الخرطوم، ملخصه :
عودة النازحين إلى الخرطوم أثارت مخاوف من وجود تلوث كيميائي، الأمر الذي دفع وزارة الصحة الاتحادية إلى إصدار بيان رسمي بالنفي.
فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الجيش بسبب مزاعم استخدام أسلحة كيميائية، في مناطق نائية، وهو ما نفته الحكومة.
بيان منسوب لنقابة الأطباء الشرعيين عن التلوث بالخرطوم، نفته اللجنة التمهيدية. وتداول ناشطون معلومات غير موثقة عن استخدام الغاز في معركة القصر الجمهوري. وتحدث آخرون عن التلوث مستندين لقرار إخلاء وسط الخرطوم، بينما أرجعته السلطات إلى أسباب اقتصادية وخدمية.
في أكتوبر 2024 أكد المجلس الأعلى للبيئة، عبر أمينه العام د. منى محمد، وجود تلوث نتيجة قصف المناطق الصناعية في المدن الثلاث، ومجمعي جياد واليرموك، مما تسبب في نزول أمطار حمضية. كررت د. منى ذلك أمام مؤتمر وزراء البيئة العرب، وأضافت أن تقريرهم تم بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وقالت إن ما حدث جريمة في حق الشعب لم تجد اهتمامًا دوليًا كافيًا.
وزارة الصحة الاتحادية أوضحت أن القياسات الميدانية، بأجهزة معتمدة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لم تُظهر أي مؤشرات على وجود تلوث. وقالت إن نتائج الفحوص لم تسجل مواد سامة أو كيميائية، ولم تظهر حالات تسمم أو وفيات مرتبطة بها، وإن الأعراض الصحية نتيجة أمراض شائعة. وأوصت بالرصد والمتابعة. (انتهى تلخيص التقرير الصحفي).
أهمية هذا التقرير الإخباري، أنه رصد بحياد معظم ما يُثار بشأن التلوث في العاصمة. ولتوضيح الصورة، دعونا نستبعد ما صدر عن الولايات المتحدة لتأثر مواقفها بمصالحها، وما نُسب زورًا إلى لجنة الأطباء، وما ورد عن ناشطين بلا دليل. فيبقى أمامنا تقرير وزارة الصحة الذي ينفي التلوث، مقابل تقرير مجلس البيئة الذي يؤكد حدوثه، وكلاهما جهتان رسميتان.!
لذلك، السؤال: ما سبب اختلاف النتائج بينهما؟
وفقًا لمعلومات الذكاء الاصطناعي، كلا الأمرين يؤدي إلى انبعاث مواد سامة في الطبيعة. إلا أن المصانع تسبب تلوثًا عرضيًا، بينما الأسلحة الكيميائية تؤدي إلى تلوث أكثر شدة وذي تأثير فوري. وقد يكون سبب اختلاف النتائج اختلاف التوقيت، أو اختلاف المعايير والمنهجيات (أدوات القياس)، أو اختلاف زاوية الاهتمام؛ فالبيئة تهتم بالآثار على الطبيعة مثل الهواء والماء والتربة، بينما الصحة تهتم بالأثر المباشر على صحة البشر. كما لا يُستبعد أن تكون هناك ضغوط سياسية أثرت على النتيجة.
وعليه، لا يمكن اعتبار هذه الاسباب كافية للطعن في مصداقية أحد التقريرين في مواجهة الآخر، بحيث نأخذ بأحدهما دون الآخر. وعلميا لا يمكن تجاهل تقرير البيئة بحجة مرور سنة، لأن بعض المواد الكيميائية تبقى لفترات طويلة في الطبيعة، وبعضها يتراكم في النبات والحيوان ويكون أثرها قابلا للكشف ولو بعد سنوات، كما يمكن اكتشاف التلوث باستخدام أدوات تحليلية حديثة، مهما كان ضعيفا. (معلومات ذكاء اصطناعي)
تمسكا بما تقدم، وحيث إن هذا المقال يهتم بالجانب العلمي المتعلق بصحة البيئة وما يترتب على نتائج الفحوصات بالنسبة للمواطنين، ونسبة لظهور أعراض مرضية غريبة، والتداول المكثف لهذه القضية داخليًا وخارجيًا، وما نتج من قلق ورعب بين المواطنين، وبالنظر إلى تناقض نتائج الفحص بين جهتين حكوميتين، ،،، تبرز الحاجة الملحّة لإعداد تقارير مستقلة ومحايدة داخل العاصمة وخارجها.
هذه الخلاصة تتوافق مع حديث د. طه بدوي، الاستشاري الصيدلي والخبير البيئي، في تعليقه على التقرير الإخباري، حيث قال إن التلوث الكيميائي يحتاج إلى أدوات قياس دقيقة وجهود علمية متخصصة. وهذا ما أكده أيضًا د. عزالدين فضل، استشاري الوبائيات والصحة العامة، بقوله إن من المهم جدًا تفادي التصريحات الإعلامية النافية أو المؤكدة، وتشكيل فريق مستقل من جهات معتمدة وخبراء مشهود لهم بالمصداقية والنزاهة، حتى يتم عمل تحقيق شامل وفق منهجيات علمية محكمة .
يبقى السؤال: أين تكمن المشكلة في إجراء تحقيق يطمئن الناس إلى نتائجه؟
المشكلة أن الدولة خاضعة لسيطرة مجموعة من حزب المؤتمر الوطني بقيادة البرهان ومجموعته، وجميعهم ارتكبوا جرائم في حق الشعب، ويجمع بينهم الخوف من المساءلة والعقاب، فتشبثوا بالسلطة دون أي اكتراث بفناء الشعب وأجياله، بالكيماوي أو بغيره.
لكن ماذا عن د. كامل ووزرائه الذين يشكلون الواجهة المدنية؟ هل يتشبثون هم أيضًا بالسلطة؟ هل أصبحت السلطة عندهم أهم من حياة الشعب بأسره؟ أم نحسن الظن بصدور قرار بإجراء فحوصات عاجلة، مستقلة ومحايدة؟ أو نشهد استقالات سببها الكيماوي؟ إنهم جميعا، مجتمعين أو منفردين، أمام امتحان في الوطنية، ولا أحد يتمنى لهم السقوط.!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم