النور حمد
في تعريف الصراع
الصراع الذي ظلت تدور رحاه في السودان منذ الاستقلال وإلى اليوم، هو صراع على السلطة من أجل الثروة. بعبارةٍ أخرى، هو ليس صراعًا دينيًّا، وإن أُلبس زورًا وبهتانًا، ثوب الدين. وهو ليس صراعًا عرقيًّا، وإن أُلبس زورًا وبهتانًا ثوب الصراع العرقي. وهو ليس صراعًا جهويًّا بين المركز والهامش، الذي يُعرِّفه كثيرون تعريفًا جغرافيًا، وإن أُلبس ذلك الثوب، أيضًا. فالمركز القابض الذي يُهمِّش الجميع موجودٌ في كامل الجغرافيا السودانية. وما جرى استغلالٌ لأي هامشٍ من الهوامش، إلا عبر التعاون الكامل من جانب نخبه المحلية، المتماهية المصالح مع نخب المركز. وينطبق هذا النوع من خيانات النخب لأهلها على العلاقات الدولية أيضًا. فما جرى استغلالٌ لبلدٍ من البلدان، بواسطة القوى الكبرى، إلا عبر تعاون النخب الحاكمة في ذلك البلد، وانسجام مصالحها، مع مصالح الدول الكبرى.
تقول الشواهد الماثلة إن النخب المركزية مكوَّنة من كل الإثنيات السودانية، ومن كل الأديان السودانية، ومن كل الفئات السودانية. فالصراع، باختصارٍ شديدٍ، هو: (صراعٌ بين العندهم والماعندهم). أي، صراعٌ بين قلةٍ طمَّاعةٍ، نهَّابةٍ، محتالةٍ، موزعةٍ على كامل الجغرافيا السودانية، وكل إثنياتها، وكل قبائلها، وكل أديانها، وكل فئاتها الاجتماعية، وبين مركزٍ مسيطرٍ على السلطة في كل إقليم، وكل مدينة، على امتداد القطر السوداني. لكن، مع الإقرار التام بأن أكثرية هذه القلة المُسيطرة تنتمي، في الغالب الأعم، إلى الشمال النيلي، تحديدًا. فهذا الصراع يجري، في حقيقة الأمر، بين هذه القلة التي تعيش في المركز، وفي كل مراكز الحكم الإقليمي في السودان، والتي تعود جذور غالبيتها إلى الشريط النيلي الشمالي، وتعود أقليتها إلى كل الهوامش، وبين الأكثرية المحرومة، المنتشرةٍ في كل أقاليم البلاد.
عبر التضليل المُتعمَّد من جهة المسيطِرين، وعبر نقص المعرفة لدى كثيرٍ من المُسَيْطَرِ عليهم، يجري التضليل عبر إحالة هذا الصراع إلى مختلف تلك التعريفات الخاطئة المذكورة. ومنها تعريف الصراع من جانب هذه النخب المسيطرة بأنه صراعٌ بين: “الدولة الدينية، راعية الفضيلة”، و”الدولة العلمانية، راعية الرذيلة”. أو بين العرب والزرقة، أو بين السودانيين المستقرين وعرب الشتات، أو بين من هم في المركز ومن هم في الهامش، مع منح الهامش تعريفًا جغرافيًّا، لا طبقيّا، كما سلف التنبيه إلى ذلك. هذا، في حين أن البلد، برمتها، هامشٌ بالغ الضخامة، يتقسم جغرافيًا على كل أقاليم السودان، وعلى كبريات مدنه، كلها، دون استثناء. وقد ظلَّ هذا الهامش يناضل لانتزاع حقوقه من نخبةٍ قليلةٍ مسيطرةٍ، ممن تعود جذورهم إلى الشريط النيلي الشمالي وممن تعود جذورهم إلى كل الهوامش من الذين يعيشون في كل مدن السودان الكبرى، بلا استثناء. ومن أقوى الأدلَّة على عوار حصر الأمور تحت مظلة المركز الجغرافي والهامش الجغرافي، هروب كلٍّ من جبريل إبراهيم، ومني أركو مناوي، ومصطفى تمبور، من موطنهم ومواطنيهم في دارفور، التي كانوا يناضلون باسم مهمشيها، ليتحولوا، فجأةً، إلى مقاتلين تحت إمرة جيش الإسلاميين الأوليغاركي الكليبتوقراطي، الذي كانوا يقاتلونه، من قبل، ولمدة عشرين عامًا، باسم شعوب دارفور المضطهدة.
الشاهد، أن هذه التعريفات الخاطئة أتاحت الفرصة للتحشيد الشعبوي العاطفي، عبر الخطاب الديني، وعبر خطاب الكراهية العرقية، وعبر خطاب الكراهية الجهوية. وقد أدى التحشيد الشعبوي، عبر هذه الشعارات المضلِّلة، الذي يقوم به جيش الإخوان المسلمين، الذي أشعل حرب أبريل 2023، لكي يعود إلى السلطة، إلى انقساماتٍ اجتماعيةٍ بالغة الحدة. بل، لقد جعل أعدادًا غفيرةً من أبناء الشمال والوسط النيلي المهمشين، مَثَلُهُم مَثَلُ غيرهم، يصطفُّون خلف قاتليهم، ومضطهديهم، وناهبيهم. فحملوا السلاح بحماسةٍ، ليموتوا من أجل إبقاء مضطهديهم وناهبيهم في السلطة، مُطيلين بذلك حالة الاضطهاد والعذاب التي يعيشونها!
في دناميَّات الصراع وتحالفاته
رؤيتي للوضع القائم الآن، تتلخص، باختصارٍ شديدٍ، في أننا قد وصلنا إلى مفترق طرقٍ حاسمٍ، انحصرت فيه خياراتنا التي كانت، فيما مضى، عديدةً ومبعثرةً، في خيارين، فقط، لا ثالث لهما، وهما: إمِّا أن ننفك من الهيمنة المصرية، ومن أحابيل حلفائها في الداخل السوداني، ونصعد كأمةٍ موحدةٍ نحو الاستقلال الحقيقي، والنهضة الشاملة والرفعة، وإمِّا أن ننزلق في ظلامِ هاويةٍ لا قرار لها. وفي مثل هذا النوع من مفارق الطرق الحاسمة تتكثف سحب دخان التضليل، التي تحجب الرؤية. فقوى الظلام التي سيطرت على مصير بلادنا، وعلى مصيرنا كشعب، والتي أتقنت عبر 35 عامًا كلَّ أساليب التضليل من أجل البقاء في السلطة، قد ألقت في معركتها المصيرية هذه، بكل ما في ترسانتها من أسلحة الموت والدمار، ومن أسلحة التضليل. غير أن هذا التضليل لا ينفذ إلا من خلال ثقوب بنية الوعي لدى القوى السياسية المعارضة التي تحلم بوطنٍ معافى من علل القعود والتراجع، ولا تعرف أين تكمن العلة. فالعلة الجوهرية تلخصت، الآن، ولحسن الحظ، في هذا التعاضد الشديد بين الرؤية المصرية الخديوية للسودان، وبين جيش الإخوان المسلمين الذي خضع لمصر وباع لها السودان بالكلية، لكي يستمر في السلطة. ويخبرنا تاريخنا السياسي أن هذه البنية النخبوية، المكونة من عسكريين ومدنيين، المتماهية مع النظم العسكرية المصرية، لم تعرف، عبر ممارستها السياسة، منذ الاستقلال، بل وقبل الاستقلال، سوى أسلوب المناورة، والمساومة. فأبصارها مصوبةٌ دومًا نحو المنصب، ونحو ما يجلبه لها المنصب من المال، والشهرة، والمجد الشخصي، والأسري.
يقال إن السياسة هي فن الممكن، وهذا صحيحٌ، لكنه ليس صحيحًا في كل الأوضاع. فأحيانًا تصبح السياسة الحكيمة، هي قهر المستحيل، وليس مجرد الرضا بالممكن المتاح. فهناك أوضاعٌ لا ينبغي أن يقبل فيها صاحب القضية نهج المساومة. فنحن جميعنا، وأعني هنا كل القوى المساندة لثورة ديسمبر ولأهدافها الجوهرية، سبق أن قبلنا المساومة، وجلسنا مع لجنة البشير الأمنية العسكرية، وتقاسمنا معها إدارة الفترة الانتقالية. بل، ومنحناها اليد العليا في مجلس السيادة في النصف الأول من الفترة الانتقالية. فما الذي حدث؟ الذي حدث أن اللجنة الأمنية، الخاضعة لسيطرة تنظيم الإخوان المسلمين، عملت على عرقلة مسيرة الثورة، بشتى الوسائل والسبل. وقد أعانها في ذلك النظام المصري الذي أحس بأن الثورة السودانية على وشك أن تُخرج السودان من قبضة المفاهيم والهيمنة الخديوية المصرية المتوارثة. لذلك، استبقت لجنة الرئيس المخلوع عمر البشير الأمنية أيلولة رئاسة مجلس السيادة للمدنيين، بالانقلاب على الثورة، واعتقال شركائها المدنيين في الحكم، وتمزيق الوثيقة الدستورية، والإلقاء بها في سلة المهملات. فهل، يا ترى، نريد أن نكرِّر تلك التجربة مرَّةً أخرى؟
فشل انقلاب 25 أكتوبر 2021، وقاد ذلك إلى تبلور فكرة الاتفاق الإطاري. لكن، تلكأ الجيش في قبوله، منتهجًا أسلوبه المعروف في المراوغة والمماطلة، كعادته، دائما. لكن، كان العنصر الجديد في المسألة أن قوات الدعم السريع قبلت بالاتفاق الإطاري، دون أي تحفظ. فما كان أمام لجنة البشير الأمنية العسكرية وقوى النظام القديم، ومن ورائهم مصر، سوى أن يشعلوا الحرب، ناقلين كافة الأمور، إلى مربعٍ جديد. باع جيش الإخوان المسلمين للجمهور في هذا المربع الجديد وهمًا مفاده أن هناك جيشًا وطنيًّا يقاتل مليشيا أجنبيةً، همجيةً، غازية. وبالمثل، تبنى النظام المصري هذه الذريعة المضحكة، ليُلوِّح بالتدخل العسكري، زاعمًا أن الجيش الإخواني السوداني إنما يقاتل قوة غازية!
في المربع الجديد الذي نقلتنا إليه الحرب، انهار الأمن العام تمامًا، ونزح ثلث السكان، وتشابه البقرُ على قطاعٍ عريضٍ من الجمهور، واختلط الحابل بالنابل في العقول والنفوس، التي طارت شعاعًا وطاش صوابها من هول الكارثة. فقد كان الهدف الأساس من إشعال الحرب، هو شطب السردية القديمة التي صنعتها بسالات الثورة وسلميتها وسمو أهدافها، وتفرُّدِها الذي خلب ألباب العالم، واستبدالها بسرديةٍ جديدةٍ أطاشت بالفعل صواب قطاعٍ عريضٍ من السودانيين، وأدخلتهم في حالةٍ أقرب ما تكون إلى الهذيان.
لقد استخدم جيش الإخوان المسلمين وجهاز مخابراته وجهاز أمنه مختلف الأساليب لشيطنة قوات الدعم السريع. ولا يزال يفعل ذلك إلى يومنا هذا. فقد كان هدف هذه الحرب الأول، القضاء المبرم عليها، الأمر الذي سيجعل الطريق ممهَّدًا لسحق القوى المدنية، سحقًا نهائيا. غير أن الخطة فشلت في القضاء على قوات الدعم السريع، ولله الحمدُ والمِنَّة. غير أن تلك الخطة نجحت، عبر التضليل والتخويف والاتهام بالخيانة، في أن تقسِّم قوى الثورة إلى معسكرات. الأمر الذي أتاح للإخوان المسلمين وجيشهم مساحةً كبيرةً للمناورة، لا يزالون يتحرَّكون فيها، حتى هذه اللحظة. بل منحت هذه المساحة الفريق ياسر العطا الجرأة ليقول: حتى لو وصلت القوى المدنية إلى السلطة عن طريق الانتخابات، وكان هو قد تقاعد عن الخدمة العسكرية، فإنه سيعود، مرةً أخرى، لكي ينقلب عليها.
“صمود” وخطة الرباعية الغامضة
تعرف القوى الغربية كيف تصيب من تريد افتراسهم بالشلل عبر وسائل شتَّى، أتقنتها عبر قرنين من الهيمنة الاستعمارية. ويعتمد هذا على استراتيجيتها وخططها طويلة الأجل في الإقليم المُعيَّن، في الوقت المُعيَّن. وفي تقديري، أن الساحة السياسية المدنية السودانية، مصابة الآن بحالةٍ من الشلل العقلي. وأحسب أن سبب هذا الشلل العقلي هو حالة الغموض التي تكتنف الوجهة التي سوف تسير نحوها الرباعية. لقد قرأنا كلنا خطة الرباعية ووجدنا أنها تسير مع شعارات ثورة ديسمبر، من حيث إبعاد الإخوان المسلمين ومؤتمرهم الوطني من المشاركة في السلطة المقبلة، ومن حيث إبعاد كافة القوى العسكرية عن الحكم، وتسليم الحكم للمدنيين. لكننا لا ندري، حتى الآن، هل ستير الرباعية وفق ما أعلنته، أم أن التلويح المصري، بالتدخل العسكري، سوف يحرفها عن مسارها الذي أعلنته. والسؤال الذي يطرح نفسه في حالة نجاح الرباعية في وضع المدنيين في السلطة: هل هم بقايا شظايا ما كانت تسمى الفترة الانتقالية “قوى الحرية والتغيير”، أم هم خليط من هؤلاء و”جماعة الموز”/ وبقايا الإسلاميين، الذين يرعاهم الفريق البرهان، ومن ورائه مصر؟ ولو كان المدنيون القادمون هم الدكتور عبد الله حمدوك وطاقه، فمن ذا الذي سوف يحرسهم من غوائل عسكر الإخوان المسلمين وأجهزة مخابراتهم؟ فهل سوف تأتي الرباعية بجيشٍ من الخارج ليحرسهم، أم ستتركهم بلا حارس، وسيكونون مع ذلك آمنين، مطمئنين؟ إن بقاء جيش تأسيس المكون من قوات الدعم السريع، ومن قوات الحركة الشعبية/ شمال، ومن قوات حركات دارفور، المنضوي تحت لواء تأسيس هو الضمان الوحيد لحماية المسار المدني، ضد غدر جيش الإخوان المسلمين، المُسيطَر عليه من جانب مصر.
التعلُّق بقشة السند الأجنبي
فيما بدا لي أن موقف تحالف “صمود” السلبي من تحالف “تأسيس”، يقف وراءه توقُّعٌ خاطئٌ، مفاده أن الرباعية ستعيد عقارب الساعة إلى ما قبل 15 أبريل 2023، بحيث تعود حكومة الدكتور، عبد الله حمدوك لتستأنف عملها من حيث وقفت، قبل 25 أكتوبر 2021. لكن، كيف ستعمل حكومة الدكتور عبد الله حمدوك المقبلة، وغالب غرب البلاد في يد قوات الدعم السريع، وشرقها في يد قوات جيش الإخوان المسلمين. كيف سيدير دولة تتحكم في أراضيها قوتان عسكريتان كبيرتان، ولا يملك هو فيها خاصية احتكار العنف؟ دعونا نفترض جدلاً، أن الرباعية ستعود بالدكتور عبد الله حمدوك، أو ستعود بأحد غيره من المدنيين. فما هي، يا ترى، الخطة العملية الجديدة، التي سوف تضمن سير التجربة الجديدة كما ينبغي؟ إنني أكاد أجزم، أن لدى البرهان وجيشه ومخابراته وجهاز أمنه وتنظيم الإخوان المسلمين، ومن ورائهم مصر، والمتماهين معها من النخب السودانية، خطتهم الجاهزة لتعكير مسار هذا الاحتمال. هذه الخطة جاهزة، مثلما كانت جاهزةَ قبلها الخطة التي جرى تنفيذها، بعد سقوط البشير، وأدَّت إلى إجهاض الفترة الانتقالية. في تقديري، لن تنجح الثورة وجيش الإخوان المسلمين موجودٌ، وجيش تأسيس غائب. لكن، قد يقول قائلٌ إن الرباعية ستأتي بجيشٍ من الخارج بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أو بالفصل السابع، عبر الأمم المتحدة. فهل، يا ترى، من الحصافة السياسية أن نعتمد على قوى عسكريةٍ خارجيةٍ لتحمي لنا حكومةً وطنيةً، تحكم باسم ثورةٍ شعبية؟
في أفغانستان عظةٌ وعبرة
بعد شهر واحدٍ من الهجمات الجوية على مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر 2001، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو أفغانستان وإطاحة حكومة طالبان، التي كانت في السلطة منذ عام 1996. ومن ثم، جرى تنصيب حامد كرزاي، من قِبَل أمريكا، رئيسًا لأفغانستان. فحكم كرزاي من عام 2001 إلى عام 2014، وأعقبه في الحكم الرئيس، أشرف غني، الذي استمر في الحكم من عام 2014، إلى عام 2021. وكان ذلك هو العام الذي تمكَّنت فيه طالبان من إجبار الولايات المتحدة علي الخروج من أفغانستان، مستعيدةً بذلك سلطتها التي فقدتها، بسبب التدخل العسكري الأمريكي، لمدة عشرين عامًا. وقد قال حامد كرزاي بمرارةٍ وهو يعلق على فشل تجربة التدخل الأمرييا في أفغانستان: لقد جاءت الولايات المتحدة إلى أفغانستان لـ “محاربة التطرف، و”تحقيق الاستقرار”، لكنها غادرت بعد نحو 20 عامًا، فشلت خلالها في تحقيق أيٍّ من هذين الهدفين. غادرت أمريكا أفغانستان، بعد أن عجزت ويئست عن إصلاح الحال. وعادت طالبان منتصرةً مثلما انتصر الفيتكونج في فيتنام.
بناء على ما تقدم الاستشهاد به، ربما أمكن القول، إن التعويل على حلٍّ يأتي محمولاً من الخارج تعويلٌ خاطئ. فقد ينجح لبعض الوقت، لكنه غالبًا ما يعيد الأمور إلى سابقتها، بعد خرابٍ كثير، وضياع وقتٍ ثمين. ويصبح هذا الاحتمال راجحًا أكثر، حين نصطحب معنا الأسباب غير ذات الصلة بلب الموضوع، التي دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لكي يعلن عن نيته التدخل في السودان. فهو قد قرر الاهتمام الشخصي بإنهاء الحرب السودانية استجابةً لطلب من الأمير محمد بن سلمان. وأرى أن سبب الاستجابة يتلخص في أن الأمير محمد بن سلمان قد وعد ترمب باستثماراتٍ في أمريكا، تصل إلى تريليون دولار. كما أن ترمب، إلى جانب ذلك، يريد أن يحصل على جائزة نوبل للسلام للعام المقبل، بإطفاء ما يمكنه إطفاءه من حرائق العالم. لذلك، فإن حله المتوقع في السودان سيكون، وبالضرورة، مع هذه الدوافع الآنية المحدودة الأفق، ذات الدوافع غير ذات الصلة بلب القضية، من نوع الحلول السريعة التي تسمى: (quick fixes). وهي مما لا يصمد طويلاً، عادة
منظومة التضليل المتشعِّبة
من وجهة نظري، أن هذه الحرب التي أشعلها الإخوان المسلمون وجيشهم لسحق الثورة، قد كانت نعمةً في ثوب نغمة. فقد أهدتنا، دون أن نطلب، حربًا ستكون، ولأول مرَّةٍ، حربًا للتحرير الشامل في فترة ما بعد الاستقلال. هذا التحرير ينبغي أن يكون، في الأصل، تحريرَا من الهيمنة المصرية، التي لا ترضى إلا بأن يكون في السودان جيشٌ خاضعٌ لها بالكامل، على حساب مصالح السودان، وشعبه. فإما أن نفهم الأمر على هذا النحو، وإما أن نرتد على أعقابنا لننغمس، مرةً أخرى، في أساليب المناورات والمساومات، التي لا يتعدى أفق تطلعاتها الحصول من جانب النخب، متمصِّرة الوعي، على الوجاهة والامتيازات التي يمنحها منصبٌ وزراي في تركيبة حكمٍ توافقيَّةٍ هشَّةٍ، ينصب جهدها في خدمة مصالح مصر، في السودان، على حساب عامة السودانيين.
لقد تداعت الأمم اليوم على السودان المَضِيع، المُنهك، كما يتداعى الأكلة على القصعة. في أتون هذا التداعي النَّهِم يجري تضليل شعب السودان من جميع الطامعين في سلبه قراره وموارده؛ من داخليين وخارجيين. يجري ضخ السموم التضليلية لشق الصف السوداني وبعثرة مكوناته، من جانب ماكينة جيش الإخوان المسلمين التضليلية الضخمة، ومن جانب قناة الجزيرة القطرية الإخوانية، ومن جانب قناتي العربية، والعربية الحدث السعوديتين، ومن جانب القنوات المصرية، ومن جانب قناة طيبة في تركيا، ومن جانب قناة المستقلة الإخوانية، في لندن، ومن قنوات أخرياتٍ، أيضًا. فالشعب السوداني ومثقفوه وسياسيوه، اليوم، أمام خيارين، لا ثالث لهما. الخيار الأول هو الوقوف مع تحالف تأسيس لمواصلة الثورة، التي هي ثورة تحرير شاملة، تأجَّلت كثيرًا. وهي، في الجوهر، ثورةٌ للتحرير من النفوذ المصري، أصل كل الشرور، التي أقعدت السودان، على مدى السبعين عامًا الماضية. وهذا هو ما فضحته هذه الثورة، بصورةٍ غير مسبوقة، خاصةً بعد التلويح المصري الأخير بالتدخل العسكري، لنصرة جيش البرهان الإخواني.
أما الخيار الثاني فهو الوقوف في جبهة القوى السياسية مدمنة المساومات والحلول الوسطية المضللة، التي سوف تبقي على النفوذ المصري ونفوذ وكلائه داخل السودان، الذين سوف يديرون السودان بما يحقق مصالح مصر ومصالحهم، هم أنفسهم. إن خيار استقلال السودان، وامتلاكه الكامل قراره السيادي، والعمل وفقًا لتوجهه الخاص به، الذي يحقق تطلعات شعبه في التقدم والرفاهية، لم يكن، في يوم من الأيام، بمثل هذه الحسمية، التي هو عليها اليوم. ففي مفترق الطرق الذي نمر به الآن: إما الصعود، عبر خطوة وعيٍ وإرادةٍ جبارةٍ، أو الانزلاق، إلى أجلٍ غير مُسمَّى، في هوَّة الذل، والخنوع، والعجز، والقعود، وفي أتون التعاسة، القديمة، الممتدة.
(انتهى)
elnourh@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم