جرعة التضليل الأخيرة (4)

لم أكتب هذه المقالات الأربع من أجل الدفاع عن قوات الدعم السريع، أو لتبرير ما ظل ينسب إليها من تجاوزات. وهو ما أحسبه قد يتبادر لأذهان البعض؛ الذين من بينهم مغرضين، لا يهمهم سوى خدمة غرضهم بأي سبيلٍ، ومن بينهم، أيضًا، غير مغرضين، ربما تنقصهم المعلومات الوافية. فقوات الدعم السريع ظلَّت تقر، دون مواربةٍ، بالتجاوزات التي يقوم بها جنودها. كما ظلت تشير إلى أن مخترقين لبنيتها العسكرية من “الكسيبة” و”الشفشافة” هم من ظلوا يرتكبون أكثرية تلك التجاوزات، باسمها وزيها. إلى جانب ذلك، هناك عناصرٌ من الاستخبارات العسكرية، التابعة للجيش الإخواني، ظلت تقوم، من جانبها، بهذه التجاوزات، ومعها عشرات الآلاف من المجرمين الذين أُطلق سراحهم من السجون، بعد أن ألبست بعضهم زي الدعم السريع، ليقوموا بتلك التجاوزات، خاصة النهب والسلب، وفقًا لخطة موضوعة ضمن خطة الحرب ضد قوات الدعم السريع. وبالفعل قامت كل هذه المجاميع بتجاوزات واسعة استغلتها الاستخبارات العسكرية، ومنصات الإخوان المسلمين الإعلامية لتشويه سمعة قوات الدعم السريع، وبالأخص تلك التي جرى تنفيذها بواسطة عميل استخبارات الجيش الإخواني، أبو عاقلة كيكل، في منطقة الجزيرة.
لقد طالبت قوات الدعم السريع، منذ البداية، بتحقيقٍ دوليٍّ، حول من أشعل الحرب أصلاً، ولماذا. وهو ما ظل يرفضه الجيش الإخواني، رفضًا قاطعًا. ويمثل هذا الرفض، في حد ذاته، إقرارًا صريحًا بالجرم. فالجيش يعرف، معرفةً يقينيةً، بأنه سيكون المدان في أي تحقياتٍ دوليةٍ محايدة، فيما يتعلق بإشعال الحرب. وإشعال الحرب هي الجريمة الأم التي تفرَّعت منها كل الجرائم الأخرى. فلولا إشعال الحرب ما حدثت كل هذه السلاسل من الجرائم. وفي حقيقة الأمر، فإن الشواهد على أن الإخوان المسلمين وجيشهم هم من أشعلوا الحرب، متوفرةٌ جدا. فأشرطة الفيديو التي هدَّدت فيها قيادات المؤتمر الوطني الجميع، قبل أيام من إشعالها الحرب، تملأ إرشيف “يوتيوب”، و”فيسبوك”، وسائر صفحات وسائط التواصل الاجتماعي السودانية الرقمية. كما وتعج، هذه الوسائط، أيضًا، بصور الفظائع التي ارتكبتها كتائب البراء بن مالك، المتطرفة، وقوات العمل الخاص، الموكلة أصلاً بارتكاب الفظائع لإرهاب المواطنين، إلى جانب غيرها من مختلف الأجسام الإجرامية الشبيهة التابعة للجيش. وكل تلك الفظائع وثَّقتها هذه الأجسام التي يرعاها الجيش، بالصورة والصوت. وقد قامت ببثها على شبكة الانترنت لنشر الرعب على أوسع نطاق وسط السودانيين، الذين بقوا داخل السودان.
السبب الذي دفعني لكتابة هذه المقالات هو الحملة الإعلامية التضليلية الضخمة، التي اشتركت فيها كلُّ منصَّات الجيش الإخواني الإعلامية؛ داخل وخارج السودان. وشاركت فيها أيضًا، وبقوةٍ، القنوات التلفزيونية العربية؛ كـ “الجزيرة مباشر” و”العربية”، و”العربية الحدث”. ويبدو أن هذه العاصفة الإعلامية قد أتاحت فرصًا لبعض الدول، أو بعض القوى التي تعمل من داخل تلك الدول، التي ترعى هذه القنوات، لخدمة مختلف الأجندة. ومن هذه الأجندة ما هو أيديولوجي، وجيواستراتيجي، وجيوسياسي، واقتصادي. فغالبية الدول العربية المؤثرة، التي لها ارتباطات قوية بالسودان، ترى أن تحقيق أهدافها في السودان، رهينٌ بأن يكون يبقى السودان، على الدوام، تحت نظام حكمٍ عسكري.
أجهدت هذه القنوات العربية نفسها، وسمَّمت الجو بالاتِّجار الرخيص بالخطاب الإعلامي الانتقائي، الذي يحصر عينيه في رؤية جانبٍ واحدٍ من الصورة الكلية. غير أن هذه الهجمة المنسقة قد أخذت تتبدَّد الآن، بعد أن بان للناس زيفها وحيفها. ضخَّمت هذه القنوات تجاوزات الفاشر متناسيةً كل المجازر البشعة التي ارتكبها الجيش الإخواني، الذي سرق به الإخوان المسلمون السلطة من الشعب السوداني في عام 1989. وسرقوها بواسطته مرةً أخرى بالانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021، الذي قاده الفريق البرهان على الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر المجيدة 2018. وقد جرى ذلك وفقًا لخطةٍ إخوانيةٍ، وتشجيعٍ مصري. نسيت هذه القنوات كل المجازر المروِّعة التي قام بها هذا الجيش المجرم، منذ أن بدأت هذه الحرب. وبخاصةٍ، مجزرة فض ساحة اعتصام القيادة، واصطياد المتظاهرين السلميين، ببنادق القنص من أسطح البنايات، ودهسها لهم بالسيارات أثناءعمليات فض التظاهرات. وقد استمرت كل تلك الأعمال المتمثلة في قتل المدنيين خارج إطار القانون في شوارع المدن السودانية، بصورةٍ يوميةٍ، وعلى مدى شهور. وطيلة تلك الفترة الدامية، لم نر لهذه القنوات هبةً كالتي جرت عقب تحرير الفاشر!
هل يا ترى لم تسمع هذه القنوات، نداءات هذا الجيش المجرم، التي دعا فيها إلى ضرب ما أسماها “الحواضن الاجتماعية لقوات الدعم السريع”؟ وهل لا تعلم هذه القنوات أن الفئات الاجتماعية التي يسميها هذا الجيش المجرم، “حواضن اجتماعية” لقوات الدعم السريع”، ليست، في حقيقة الأمر، سوى مواطنين مدنيين، لا صلة لهم بهذه الحرب؛ لا من قريبٍ ولا من بعيد؟ لقد ظل هذا الجيش الإخواني يقوم بإلقاء البراميل المتفجرة على رؤوس المدنيين؛ في قرى دارفور وكردفان منذ أكثر من عشرين عاما. كما ظل يقوم قبل هذه الحرب وفي هذه الحرب، بإحراق مرابيع بأكملها من بيوت المواطنين البسطاء، وتسويتها بالأرض. وقبل شهورٍ قليلةٍ عجَّت وسائل التواصل الاجتماعي السودانية بالفظائع التي قام بها هذا الجيش في الجزيرة والخرطوم، عقب استعادتهما. وقد شاهد كل من يتابع وسائط التواصل الاجتماعي السودانية كيف قامت كتائب هذا الجيش، من المتطرفين الداعشيين، بقطع الرؤوس وانتزاع الأحشاء من البطون. فقد صورت هذه الجماعات المتطرفة المتوحشة، كل ذلك وعرضته. أيضًا، جرى إحراق القرى السكنية التي تُسمى “الكنابي”، التي يقطنها مواطنو غرب وجنوب السودان، الذين نزحوا إلى مناطق الجزيرة وشرق الجزيرة، منذ عقودٍ طويلة. فقد جرى حرق أهلها وذبحهم ذبح الشياه، ثم سُوِّيت بالأرض. المدهش! أن هذه القنوات لم تحفل بكل ذلك عندما حدث في حينه، ثم أتت مؤخرًا لتتباكى على الإنسانية، عقب تحرير الفاشر، استنادًا على كثيرٍ من المواد الإعلامية المفبركة، فضحتها القنوات الإعلامية العالمية المهنية الشريفة.
هل يا ترى لم تسمع هذه القنوات تصريح منسوب المؤتمر الوطني، الذي قال عقب استرجاع ودمدني أن لديه قائمة بـ 6 آلاف من المتعاونين الذين سوف تجري تصفيتهم؟ وهل يا ترى، لم يشاهدوا الفيديوهات التي عُرضت لأبرياء جُمعوا وجرى صفُّهم وهم راقدين على الأرض مُكِبِّين على وجوههم، مقيدي الأيدى وراء ظهورهم، ثم أطلقت عليهم ما تسمى “كتائب العمل الخاص” نيران الرشاشات، بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع. بل، هل لم يسمعوا بالفظائع التي ترتعد من هولها الفرائص التي ارتُكبت على مدىً زمنيٍّ بلغ حتى الآن 35 عامًا، والتي بسببها أصبح الرئيس البشير وعددٌ من معاونيه مطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية؟ أيضًا، ألا تعلم هذه القنوات أن هؤلاء المجرمين المطلوبين لدى محكمة الجنايات الدولية، يعيشون مرفَّهين تحت حماية هذا الجيش الإخواني الإرهابي، الذي يقوم بحمايتهم؟ وهل يا ترى لم تسمع هذه القنوات بما سمي: “قانون الوجوه الغريبة” الذي جرى وفقه توقيف العديد من مواطني غرب السودان المهاجرين في ولايتي نهر النيل والشمالية ،وإجبارهم على ركوب شاحنات لا يعرف أحدٌ أين ذهبت بهم، وماذا فُعل بهم؟ فإذا لم يكن صدور مثل هذا القانون والعمل به هو التطهير العرقي بعينه، فكيف يكون التطهير العرقي، يا ترى؟
إن أعداد المدنيين الذين قتلهم هذا الجيش الإخواني منذ بداية الحرب وبعد استعادته الجزيرة والخرطوم، ربما يزيد عن المائة ألف. ولا يمكن معرفة العدد الحقيقي للمدنيين الذين قتلهم هذا الجيش الإخواني الإرهابي، ما لم يجر في ذلك تحقيقٌ دوليٌّ دقيقٌ. وهو ما ظل هذا الجيش الإخواني الإرهابي المجرم، يرفضه باستمرار. من العجيب حقًا أن تصرخ قناة “الجزيرة مباشر” وتستصرخ الضمير الإنساني، هذه الأيام، وكأن القتل خارج القانون، وعدم التقيُّد بقوانين الحرب وضوابطها، أمرٌ يحدث لأول مرَّةٍ في السودان! إن النهج الذي تتبعه قناة الجزيرة وقنوات العربية والعربية الحدث يعطي تجسيدًا عمليًّا لما يُسمى: “الاعتماد على معلوماتٍ خاطئةٍ، أو غير دقيقةٍ، والتضليل عبر الحجب المتعمد للحقائق”؛ (Misinformation and disinformation).

جيشٌ طبيعته الإجرام
هذا الجيش السوداني ظل جيشًا ذا طبيعةٍ إجراميةٍ، منذ نشأته الأولى في كنف المستعمر. فقد غُرست فيه عقيدة المستعمر في إنشاء الجيوش في المستعمرات؛ وهي حراسة المُستعمِر وقهر المواطنين. ولقد كانت كل انقلاباته على الأنظمة الديمقراطية فعلاً إجراميًّا من الدرجة الأولى، وخيانةً للأمانة المتمثلة في حماية الدستور، الذي يمثل إرادة الشعب. لقد سرق هذا الجيش من سنوات عمر استقلال السودان حتى الآن 58 عامًا، أوصل فيها البلاد والعباد، في نهاية الشوط، إلى هذه الطامة الكبرى، التي نحن فيها الآن. ظل هذا الجيش يشرِّد الملايين من مواطني الهوامش منذ الاستقلال، وواصل مسيرته ليصل التشريد على يديه 15 مليونًا من المواطنين. كما وضع بهذه الحرب الإجرامية 25 مليونًا آخرين تحت وطأة المجاعة الحادة والأمراض الوبائية. ولا يعني كل ذلك أن هذا الجيش ليس به ضباط شرفاء. فقد كان فيه شرفاء كثيرون. ولكن الطبيعة التراتبية للجيش والطاعة المطلقة للأوامر، تجعل الصوت والفعل هو صوت القادة الذين صعدوا بهذا الجيش إلى الحكم عن طريق الانقلابات. أما بعد أن استولى الإخوان المسلمون على السلطة في عام 1989، فقد جرى التخلص من كل الضباط الشرفاء، وأصبح الجيش جيشًا إخوانيًا صرفا. بل أصبح جيشٌ يتحكم في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ فيه المدنيون من الإخوان المسلمين. وقد شاهدنا الفيديو الذي استجوبت فيه السيدة الإخوانية، سناء حمد كبار ضباطه، بل وأخذت توقيعاتهم على أقوالهم في جلسة الاستجواب المخزية تلك.
لقد قاد سلوك هذا الجيش الإجرامي الإرهابي، خاصةً، بعد أن سيطر عليه الإخوان المسلمون، سيطرةً كاملةً، في عام 1989، إلى أن يفقد السودان جزءه الجنوبي الذي يمثل ثلث أراضيه؛ بإنسانه وثقافاته، وثرواته. وهاهو الآن يقترب، بهذه الحرب اللعينة، من أن يقسِّم نصفه المتبقى. ولو نحن خصمنا سنتي الفترة الانتقالية، عقب ثورة أكتوبر 1964، وعقب ثورة أبريل 1985، من جملة السنوات التي حكم فيها السودان المدنيون، فإن سنوات الحكم الديمقراطي التي أدارها المدنيون تصبح 10 سنواتٍ فقط، من مجموع 70 سنة.
لقد كانت الانقلابات العسكرية التي قام بها هذا الجيش، هي الفعل الإجرامي المركزي، الذي استولد جميع سلاسل الإجرام التي جاءت نتيجةً له. وللأسف، فإن معظم النخب والقوى السياسية السودانية قد ساهمت في أن يبقي هذا الجيش على صيغته الاستعمارية الأولى، التي زاد عليها من عنده العديد من عوامل القصور الذاتي. بل، لقد استخدمته تلك القوى لأغراضها، بصورةٍ شبيهة بتلك التي استخدمه بها المستعمر. فاخترقته ونفذت به الانقلابات العسكرية لتحكم وتنتفع من ورائه سلطةً، وثروةً، ووجاهةً اجتماعية. وهكذا، بقي على صورته الأولى، عدوًّا مركزيًّا لشعبه، وبقي يخوض حربًا مستمرةً، يضع فيها المواطنين في خانة العدو الأوحد. لم يقاتل هذا الجيش أي قوة خارجية، قط، منذ أن كان اسمه “قوة دفاع السودان”. فالحرب الخارجية الوحيدة التي قام بها كانت حربًا تخص المستعمر حين كان تحت إمرته. وحتى الهبة المحدودة التي قام بها فصيلٌ قليلٌ منه، بقيادة عبد الفضيل الماظ، ضد المستعمر، فقد كانت هبةً خطَّط لها الجيش المصري، لخدمة أغراض مصر في السودان. فقد دفعهم الجيش المصري إلى المحرقة، ثم خذلهم.
كثيرون منا يذكرون كيف أغارت طائرات العقيد معمر القذافي، في مارس 1984، على إذاعة أمدرمان، وقت الضحى. ولم يعلم سلاح الطيران في قاعدة وادي سيدنا في أمدرمان نفسها بتلك الغارة. فقد دخلت الأجواء السودانة القاذفة الليبية الضخمة Tupolev Tu-22 قاطعةً ما يقارب 1000 كيلومترًا داخل الأراضي السودانية، وألقت قنابلها وانقلبت راجعة إلى ليبيا. وبقيت في المجال الجوي السوداني، مرةً أخرى، لما يقارب 1000 كيلومترًا. ومع ذلك، لم تتحرك طائرة سودانية واحدة لتحلق بها. وبل لم نسمع بأن تحقيقًا قد جرى في ذك التقصير المخزي. والسبب باختصار شديد، أن هذا الجيش لا يأبه بالعدوان الخارجي، ولا تهمه سيادة البلاد. فهو متخصص فقط في حرب المواطنين الذين يراهم أعداءه الذين يهددون احتكاره للسلطة وللثروة. ولقد رأينا في هذه الحرب الأخيرة، كيف استعصم بمقراته متخندقًا فيها تاركًا المواطنين يواجهون مصيرهم. مرةً أخرى، يرى هذا الجيش في مواطنيه خصمًا له، بناءً على عقيدته القتالية الاستعمارية الموروثة، التي نشأ عليها. فهم الجهة التي تنازعه الحكم الذي احتكره لنفسه بالقوة الغاشمة. فهذا الجيش ظل يرى أن الحكم حقٌّ طبيعيٌّ حصريٌّ له. ولقد رأينا في الأيام القليلة الماضية فيديو يعرض الرئيس الأسبق جعفر نميري، وهو يدافع، بصلفٍ ونرجسية عسكرية،ٍ عجيبةٍ، عن الأفضلية المطلقة للعسكريين على المدنيين. (يتواصل).

elnourh@gmail.com

عن د. النور حمد

د. النور حمد

شاهد أيضاً

جرعة التضليل الأخيرة (9)

النور حمدأكذوبة “جيشٌ واحد شعبٌ واحد”إن أكثر الشعارات تضليلاً لهو شعار “جيشٌ واحدٌ شعبٌ واحد”، …