جعفر خضر: من حركة الطلاب المحايدين إلى تأسيس منتدى شروق الثقافي بالقضارف وقيادة «بلدنا»—سيرة مناضلٍ جعل من الثقافة والمجتمع المدني طريقاً لإعادة تأسيس الدولة السودانية
د. عبد المنعم مختار
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
جعفر خضر يمثل نموذجًا مهمًا للفاعل السياسي والمدني السوداني الذي جمع بين النشاط الطلابي والعمل الثقافي والتنظيم السياسي والمبادرات المدنية، وانتقل عبر هذه المجالات من فضاء الجامعة إلى المجتمع الأوسع. وتنبع أهمية تجربته من أنها لا تختزل في موقع تنظيمي واحد، بل تكشف مسارًا متدرجًا من المشاركة العامة بدأ بالحركة الطلابية في جامعة الخرطوم، ثم اتخذ بعدًا ثقافيًا ومجتمعيًا من خلال تأسيس منتدى الشروق الثقافي في القضارف، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي المدني المنظم من خلال حركة بلدنا.
ارتبط اسم جعفر خضر بصورة خاصة بحركة الطلاب المحايدين في جامعة الخرطوم، حيث كان واحدًا من أبرز قياداتها. وقد مثلت الحركة، في سياق الحياة الطلابية السودانية، اتجاهًا يسعى إلى تجاوز الاستقطاب الحزبي المباشر داخل الجامعة، وإلى بناء نشاط طلابي يستند إلى قضايا الطلاب والمصلحة العامة والعمل الديمقراطي. وتكتسب هذه التجربة أهميتها من كون الجامعات السودانية كانت تاريخيًا فضاءً مركزيًا لإنتاج القيادات السياسية والمدنية، ومجالًا للتنافس الفكري والتنظيمي، ومختبرًا مبكرًا لممارسة الانتخابات والتمثيل والمساءلة والعمل الجماعي.
لم تتوقف تجربة جعفر خضر عند النشاط الطلابي، وإنما انتقلت إلى المجال الثقافي والمجتمعي في القضارف، حيث ارتبط اسمه بتأسيس منتدى الشروق الثقافي. وقد مثل المنتدى محاولة لبناء فضاء مدني وثقافي مفتوح للحوار والنقاش وتبادل الأفكار، وربط الثقافة بالقضايا العامة والمجتمع، وإتاحة مساحة للتفاعل بين المثقفين والمهتمين بالشأن العام وأفراد المجتمع. ومن هذه الزاوية يصبح تأسيس المنتدى جزءًا أساسيًا من مسيرته، لأنه يعكس انتقاله من السياسة الطلابية إلى بناء المؤسسات والمساحات المدنية المستقلة خارج الجامعة.
وتكشف تجربة منتدى الشروق الثقافي عن أهمية الثقافة باعتبارها أحد مكونات بناء المجال العام، لا مجرد نشاط ترفيهي أو أدبي. فالمنتديات الثقافية يمكن أن تؤدي دورًا في إنتاج الحوار، وتنمية التفكير النقدي، وربط المعرفة بالمشكلات الاجتماعية والسياسية، وخلق شبكات من الثقة والتعاون بين أفراد المجتمع. ومن ثم فإن تجربة جعفر خضر في هذا المجال تعكس فهمًا للعمل العام يتجاوز التنظيم السياسي الضيق إلى بناء البيئة الاجتماعية والثقافية التي تسمح للمجتمع المدني بالنمو.
ثم جاءت حركة بلدنا باعتبارها مرحلة أخرى في مسيرته، انتقل فيها العمل من النشاط الثقافي والمجتمعي إلى بناء تنظيم سياسي مدني. وقد انتُخب جعفر خضر أول رئيس للمكتب التنفيذي لحركة بلدنا، بينما انتُخب عبد المنعم مختار سكرتيرًا عامًا للحركة، في سياق تأسيس وبناء الهياكل التنظيمية للحركة. وتمثل هذه المرحلة امتدادًا منطقيًا لمساره السابق؛ إذ انتقل من المشاركة الطلابية، إلى بناء فضاء ثقافي مدني، ثم إلى الإسهام في تأسيس إطار سياسي يسعى إلى تنظيم المشاركة العامة بصورة أكثر مؤسسية.
وتبرز أهمية هذه التجربة في أن حركة بلدنا لم تظهر، في هذا التصور، باعتبارها مجرد امتداد لشخص واحد، وإنما باعتبارها محاولة لبناء عمل جماعي قائم على المؤسسات والانتخاب وتوزيع المسؤوليات. فانتخاب رئيس للمكتب التنفيذي وسكرتير عام يعكس، من حيث المبدأ التنظيمي، محاولة للفصل بين الأدوار وتوزيع المسؤوليات وبناء قيادة جماعية بدلًا من اختزال التنظيم في القيادة الفردية. ولذلك فإن موقع جعفر خضر كأول رئيس للمكتب التنفيذي يكتسب دلالته من كونه مرتبطًا بمرحلة التأسيس وبناء المؤسسة، وليس بمجرد تولي منصب قيادي في تنظيم قائم.
وتجمع مسيرة جعفر خضر، بهذا المعنى، بين ثلاثة فضاءات مترابطة: الفضاء الطلابي، والفضاء الثقافي والمدني، والفضاء السياسي التنظيمي. فالخبرة الطلابية أسهمت في تكوين خبرته في العمل الجماعي والانتخاب والتنظيم والحوار؛ والعمل الثقافي في منتدى الشروق وفر مساحة لتطوير المشاركة المجتمعية وبناء شبكات التواصل والثقة؛ أما حركة بلدنا فمثلت محاولة لتحويل هذه الخبرات إلى مشروع سياسي مدني أكثر تنظيمًا ومؤسسية.
وتشير هذه المراحل كذلك إلى أن بناء القيادات المدنية لا يحدث بالضرورة عبر المسار الحزبي التقليدي وحده، وإنما يمكن أن يتشكل من خلال تراكم الخبرات في مؤسسات ومبادرات مختلفة. فالجامعة توفر خبرة مبكرة في التنظيم والمنافسة السياسية، والعمل الثقافي يوسع دائرة التفاعل مع المجتمع، والعمل المدني والسياسي يحول الخبرة المتراكمة إلى مؤسسات ومشروعات عامة. وفي هذا السياق يمكن قراءة تجربة جعفر خضر باعتبارها مسارًا تراكميًا لبناء رأس مال اجتماعي ومدني وسياسي.
وتكتسب تجربة جعفر خضر أهمية أكبر عند وضعها في سياق التاريخ السياسي والاجتماعي للسودان، حيث لعبت الحركة الطلابية والنقابات والمنتديات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني دورًا مهمًا في إنتاج المجال العام وفي مقاومة السلطوية وفي نشر الأفكار الديمقراطية. فالجامعة السودانية لم تكن مؤسسة تعليمية فقط، وإنما كانت تاريخيًا واحدة من أهم البيئات التي تفاعلت فيها التيارات الفكرية والسياسية، بينما شكلت المنتديات الثقافية والنقابات والمنظمات المدنية قنوات أخرى للمشاركة العامة خارج المؤسسات الرسمية.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مسيرة جعفر خضر بوصفها مثالًا على العلاقة بين المعرفة والعمل العام. فالنشاط الطلابي لا يقتصر على المطالبة بالمصالح الجامعية، والعمل الثقافي لا يقتصر على تنظيم الفعاليات، والعمل السياسي لا يقتصر على الانتخابات والمناصب؛ وإنما يمكن لهذه المجالات الثلاثة أن تتداخل لتكوين مشروع أوسع للمشاركة المجتمعية. وقد تجسدت هذه العلاقة في انتقال جعفر خضر بين الجامعة والمنتدى الثقافي والحركة السياسية.
كما أن تجربة تأسيس منتدى الشروق الثقافي بالقضارف تكتسب أهمية خاصة من ارتباطها بمدينة خارج المركز السياسي والثقافي التقليدي. فبناء مؤسسة ثقافية ومدنية في القضارف يسلط الضوء على إمكانات المدن والأقاليم السودانية في إنتاج المبادرات العامة والقيادات والمشروعات الثقافية والسياسية، ويقاوم ضمنيًا النظرة التي تجعل الخرطوم وحدها مركز إنتاج الفعل العام. ومن ثم فإن المنتدى يمثل، في سياقه المحلي، تجربة في بناء المجال العام من خارج المركز.
وتكشف مسيرته أيضًا عن أهمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في التغيير الاجتماعي والسياسي. فقد تبدأ المبادرة بمنتدى ثقافي محدود النطاق، أو بنشاط طلابي داخل الجامعة، ثم تتوسع شبكات المشاركين والعلاقات والأفكار تدريجيًا لتنتقل إلى مستوى أوسع من العمل المدني والسياسي. وهذا النوع من التراكم المؤسسي والاجتماعي يمثل عنصرًا أساسيًا في بناء الديمقراطية المستدامة، لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات الوطنية، بل تحتاج إلى مجتمع يمتلك خبرة متراكمة في الحوار والتنظيم والانتخاب والتوافق والمساءلة.
ومن أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة جعفر خضر أن بناء المؤسسات أهم من صناعة الزعامة الفردية. فالانتقال من النشاط الطلابي إلى تأسيس منتدى ثقافي ثم إلى قيادة مكتب تنفيذي منتخب لحركة سياسية يوضح قيمة بناء الهياكل واللوائح وتوزيع المسؤوليات. كما أن وجود أكثر من موقع قيادي، مثل رئيس المكتب التنفيذي والسكرتير العام، يشير إلى أهمية التنظيم الداخلي والقيادة الجماعية في حماية الحركات المدنية من الاعتماد المفرط على فرد واحد.
ويبرز في هذه التجربة كذلك مفهوم الاستمرارية. فالعمل العام الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المناصب التي يشغلها الشخص أو بعدد المناسبات التي يظهر فيها، وإنما بما يتركه من مؤسسات وشبكات وأفكار وممارسات يمكن أن تستمر بعده. ومن هذه الزاوية فإن منتدى الشروق الثقافي، وحركة بلدنا، والخبرة الطلابية، تمثل جميعها أجزاء من إرث يتجاوز الحياة الشخصية لجعفر خضر إلى المؤسسات والمساحات التي أسهم في بنائها.
وتحمل وفاة جعفر خضر مؤخرًا دلالة إنسانية وسياسية ومدنية عميقة بالنسبة إلى الذين عرفوه أو عملوا معه أو تأثروا بتجربته. ففقدان شخصية شاركت في الحركة الطلابية والعمل الثقافي والمدني والسياسي لا يمثل فقدان فرد فحسب، وإنما يفتح أيضًا بابًا لإعادة التفكير في تاريخ جيل كامل من السودانيين الذين حاولوا بناء بدائل مدنية وديمقراطية في ظروف سياسية واجتماعية شديدة التعقيد. وتصبح كتابة سيرته وتوثيق تجربته جزءًا من حفظ الذاكرة العامة السودانية، خصوصًا أن كثيرًا من تاريخ العمل المدني والطلابي والثقافي لم يُوثق بصورة مؤسسية كافية.
وتتمثل إحدى أهم القضايا التي تثيرها سيرته في ضرورة توثيق تاريخ الحركات الطلابية والمنتديات الثقافية والحركات السياسية المدنية في السودان بصورة منهجية. فالسير الفردية للقيادات المدنية ليست مجرد سير شخصية، بل يمكن أن تساعد في إعادة بناء تاريخ المؤسسات والحركات والشبكات الاجتماعية والأفكار التي شكلت المجال العام السوداني. ولذلك ينبغي أن يتجاوز تخليد جعفر خضر حدود النعي أو الذكريات الشخصية إلى جمع شهادات زملائه ورفاقه، وتوثيق نشاط حركة الطلاب المحايدين، وتاريخ منتدى الشروق الثقافي، وتأسيس حركة بلدنا، ومحاضر اجتماعاتها ووثائقها وموادها الإعلامية، وكل ما يمكن أن يساعد في إعادة بناء هذه التجربة للأجيال القادمة.
كما أن تجربة جعفر خضر تقدم درسًا مهمًا للسودان في مرحلة ما بعد الحرب والأزمات المتراكمة، يتمثل في أن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تنفصل عن إعادة بناء المجتمع المدني والمجال العام. فالمؤسسات الرسمية وحدها لا تكفي لبناء نظام ديمقراطي مستقر؛ إذ يحتاج الانتقال الديمقراطي إلى مواطنين يمتلكون خبرات التنظيم والمشاركة والحوار، وإلى منظمات وجمعيات ومنتديات وحركات سياسية قادرة على إنتاج قيادات جديدة، وتدريب الأعضاء، وإدارة الخلاف، وتداول السلطة داخليًا، وربط العمل السياسي بالمجتمع.
ومن هذه الناحية يمكن اعتبار تجربة جعفر خضر حالة تستحق الدراسة ضمن أدبيات بناء القيادة المدنية، لأن مساره يوضح كيف يمكن أن تنتقل الخبرة من مؤسسة إلى أخرى، وكيف يمكن للقيادة أن تتكون من خلال الممارسة وليس فقط من خلال التعليم أو الانتماء الحزبي. فالطالب الناشط يتعلم التنظيم والتفاوض والمنافسة؛ والمثقف أو منظم المنتدى يتعلم إدارة الحوار وبناء الشبكات؛ والسياسي المدني يتعلم تحويل هذه القدرات إلى مؤسسة لها هيكل وقيادة ومسؤوليات. ويؤدي تراكم هذه الخبرات إلى تكوين نمط مختلف من القيادة السياسية، أكثر ارتباطًا بالمجتمع وأقل اعتمادًا على السلطة الرسمية.
وتكشف التجربة كذلك عن أهمية المدن والأقاليم في إعادة تشكيل السياسة السودانية. فالقضارف، بما لها من موقع اقتصادي واجتماعي وثقافي، لم تكن مجرد مكان احتضن نشاط المنتدى، بل كانت جزءًا من البيئة التي أنتجت التجربة. ومن هنا فإن دراسة منتدى الشروق ينبغي ألا تفصل المؤسسة عن مجتمعها المحلي، بل تبحث في تفاعلها مع المثقفين والشباب والمهنيين والناشطين وسكان المدينة، وفي كيفية تحول الفضاء الثقافي إلى شبكة اجتماعية ومدنية يمكن أن يكون لها تأثير سياسي غير مباشر ومباشر.
وفي المحصلة، فإن جعفر خضر يظهر في هذه السيرة بوصفه أحد الوجوه التي تحركت بين العمل الطلابي والثقافي والمدني والسياسي، وساهمت في بناء مؤسسات ومساحات للمشاركة العامة. وتتمثل خصوصية تجربته في الجمع بين قيادة طلابية مبكرة في حركة الطلاب المحايدين بجامعة الخرطوم، وتأسيس منتدى الشروق الثقافي بالقضارف، ثم المشاركة في تأسيس حركة بلدنا وتولي موقع أول رئيس لمكتبها التنفيذي، إلى جانب انتخاب عبد المنعم مختار سكرتيرًا عامًا للحركة. وبهذا المعنى فإن سيرته لا تُقرأ فقط بوصفها سيرة ناشط أو سياسي، وإنما بوصفها قصة انتقال متدرج بين مستويات مختلفة من العمل العام السوداني.
إن أفضل تكريم لجعفر خضر لا يقتصر على استعادة اسمه أو تعداد المواقع التي شغلها، وإنما يتمثل في توثيق تجربته وتحليلها واستخلاص الدروس منها، والمحافظة على المؤسسات والمساحات المدنية التي أسهم في تأسيسها، وتشجيع الأجيال الجديدة على مواصلة تقاليد الحوار والعمل الجماعي والقيادة المؤسسية والمشاركة الديمقراطية. كما أن توثيق تجربته يمكن أن يسهم في سد فجوة كبيرة في كتابة التاريخ الاجتماعي والسياسي السوداني، حيث ما تزال مساهمات كثير من القيادات المدنية والطلابية والثقافية بعيدة عن التوثيق الأكاديمي المنظم.
وهكذا تتجاوز دلالة رحيل جعفر خضر حدود الحزن الشخصي إلى سؤال أوسع حول الذاكرة المدنية السودانية: كيف نحفظ تجارب الذين بنوا المؤسسات والمساحات العامة، وكيف نحول ذكراهم إلى معرفة قابلة للتعلم، وكيف نضمن ألا تضيع خبرات أجيال من الطلاب والمثقفين والناشطين والسياسيين المدنيين وسط التحولات والحروب والانقطاعات التاريخية؟ وتقدم سيرته إجابة أولية مفادها أن العمل العام الحقيقي يترك أثره عندما يتحول من نشاط فردي إلى مؤسسة، ومن تجربة شخصية إلى ذاكرة جماعية، ومن فكرة إلى ممارسة مستمرة.
رحم الله جعفر خضر رحمة واسعة، وغفر له، وأكرم نزله، وجعل ما قدمه من عمل طلابي وثقافي ومدني وسياسي في ميزان حسناته، وألهم أسرته ورفاقه ومحبيه الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: سيرة تتجاوز الفرد إلى تاريخ جيلٍ سوداني كامل
يمثل رحيل جعفر خضر خسارةً لشخصية سودانية جمعت، في مسار واحد، بين النضال الطلابي، والعمل الثقافي، ومقاومة الاستبداد، والمبادرات المدنية المحلية، والعمل السياسي الاجتماعي، والسعي إلى بناء تنظيمات أكثر ديمقراطية واتصالاً بالمجتمع. وتزداد أهمية هذه السيرة لأنها لا تنتمي إلى نموذج السياسي التقليدي الذي يبدأ نشاطه من حزب مركزي ثم ينتقل إلى المجتمع، وإنما إلى نموذج تشكل تدريجياً من الجامعة، ومنابر الثقافة، والعمل الأهلي، والمبادرات المحلية، ومقاومة نظام الإنقاذ، ثم تجربة ثورة ديسمبر، وصولاً إلى حركة «بلدنا».
وتكشف المصادر المتاحة أن جعفر خضر كان من أبرز قيادات تجربة الطلاب المحايدين بجامعة الخرطوم، ومن المشاركين في تأسيس منتدى شروق الثقافي بالقضارف، ومن الأعمدة المؤسسة لمبادرة القضارف للخلاص، ثم أحد مؤسسي حركة «بلدنا» وأول رئيس لمجلسها/مكتبها التنفيذي في مرحلة تأسيسها. كما تُظهر كتاباته وشهاداته الذاتية أن العمل العام بالنسبة إليه لم يكن وظيفة سياسية ظرفية، بل مساراً حياتياً بدأ منذ شبابه المبكر، واستمر عبر التعليم والعمل الثقافي والمجتمعي والصحافة والتنظيم السياسي الاجتماعي.
وتكتسب تجربة منتدى شروق أهمية خاصة في هذه السيرة؛ فالمنتدى لم يكن مجرد نادٍ ثقافي محلي، وإنما أصبح، وفق الوثائق والشهادات المنشورة، فضاءً لالتقاء ألوان الطيف الثقافي والفكري والسياسي بالقضارف، ومجالاً لإشاعة المعرفة وتقوية الروابط الاجتماعية والدفاع عن حرية التعبير. وقد بدأ المنتدى نشاطه الراتب في 2 يونيو 2007 بفعالية عن «الخطاب السياسي»، قبل أن يُختار له اسم «منتدى شروق الثقافي» في فعالية لاحقة في 20 يوليو 2007. وتكشف هذه البداية عن أن المشروع الثقافي سبق الاسم الرسمي، وأن المنتدى نشأ من مبادرة اجتماعية وفكرية تراكمت تدريجياً (خضر، 2016).
والأهم أن قراءة تجربة جعفر خضر لا ينبغي أن تكون مجرد تأبين لشخص راحل، وإنما دراسة لسيرة سياسية ومدنية يمكن من خلالها فهم بعض التحولات العميقة التي شهدها السودان منذ أواخر الثمانينيات: انتقال قطاعات من الشباب من التنظيمات الأيديولوجية التقليدية إلى التنظيمات المدنية، وانتقال مقاومة السلطة من الحيز الحزبي إلى فضاءات الجامعة والمجتمع المدني، وصعود المبادرات المحلية في مواجهة مركزية الخرطوم، ثم محاولة تحويل خبرة الثورة إلى مؤسسات سياسية جديدة.
وتستند هذه القراءة إلى ترتيب سردي-تحليلي ينتقل من التكوين الشخصي المبكر إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى منتدى شروق والعمل المدني في القضارف، ثم إلى مقاومة الإنقاذ وثورة ديسمبر، ثم إلى تأسيس «بلدنا» وبنيتها وأفكارها وممارساتها، وأخيراً إلى تقييم الإرث السياسي والمدني لجعفر خضر. وهذا الترتيب يتبع أفضل ممارسة في بناء السرد العلمي لسيرة سياسية: التكوين، ثم الخبرة، ثم المؤسسة، ثم الأفكار، ثم الممارسة، ثم النقد والإرث؛ بما يسمح بقراءة السيرة باعتبارها قصة تطور سياسي واجتماعي متكاملة وليست مجموعة من الوقائع المنفصلة.
أولاً: من ديم النور إلى الجمعية العلمية—الجذور المبكرة لمدمنٍ «حميد» على العمل العام
تكشف السيرة التي كتبها جعفر خضر بنفسه أن علاقته بالعمل العام بدأت في سن مبكرة جداً، قبل دخوله جامعة الخرطوم بسنوات طويلة. فقد ذكر أنه بعد اعتزاله لعب كرة القدم في حوالي الخامسة عشرة من عمره أصبح إدارياً ومدرباً لفريق النسر بحي ديم النور بمدينة القضارف، وعاش التجربة بكل تفاصيلها. ولم تكن التجربة الرياضية بالنسبة إليه مجرد نشاط ترفيهي، بل مدرسة مبكرة في التنظيم، وتعبئة الموارد، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية.
واللافت أن تمويل الفريق لم يعتمد على التبرعات وحدها، فقد ابتكر أعضاؤه وسائل أخرى لتوليد الدخل؛ فكان الفريق يقوم بردم الرمال في البيوت قبيل الخريف بمقابل مالي، كما باع أكياس النايلون في سوق الخضار بمدينة القضارف لمصلحة الفريق. ويبدو هذا التفصيل الصغير بالغ الأهمية عند قراءة الشخصية لاحقاً؛ لأنه يكشف عن نزعة عملية مبكرة ترى أن التنظيم لا يستطيع أن يعيش على الأمنيات، وإنما يحتاج إلى موارد، وإلى قدرة على ابتكار وسائل عملية للحفاظ على نشاطه (خضر، 2023).
وعندما التحق بمدرسة القضارف الثانوية القديمة عام 1986، انضم وهو في الصف الأول إلى الجمعية العلمية، وأصبح، بحسب تذكره، نائباً لسكرتيرها العام، تحت إشراف الأستاذين، اللذين أصبحا دكتورين فيما بعد، عمر عرديب ومحمد المعتصم أحمد موسى.
ومن التفاصيل اللافتة التي احتفظ بها خضر من تلك المرحلة قصة توقيعه. فقد طلب منهم الأستاذ معتصم أن يستعدوا للذهاب إلى البنك في اليوم التالي لاعتماد توقيعاتهم لفتح حساب الجمعية العلمية. فسهر خضر تلك الليلة يصنع لنفسه توقيعاً من عدم، ثم ظل يكرره حتى يحفظه، لأن كل واحد منهم كان سيوقع ثلاث توقيعات في البنك، وكان يجب أن تتطابق التوقيعات الثلاثة. وفي اليوم التالي ذهب جعفر خضر ونزار مصطفى زكي برفقة الأستاذ معتصم إلى البنك.
والرمزية هنا لافتة؛ فقد ذكر خضر أن التوقيع الذي صنعه عام 1986 ظل هو التوقيع نفسه الذي اعتمده عند ترشحه للمجلس التنفيذي لحركة «بلدنا» في انتخابات نوفمبر 2022. وهكذا تمتد خيوط العمل العام في ذاكرته من الجمعية العلمية المدرسية إلى حركة سياسية اجتماعية بعد أكثر من ثلاثة عقود (خضر، 2023).
هذه التفاصيل لا ينبغي حذفها باعتبارها هامشية؛ فهي تقدم مفتاحاً لفهم شخصية تقوم على الاستمرارية. فالعمل العام عند خضر لم يبدأ مع سقوط البشير، ولم يبدأ مع ثورة ديسمبر، ولم يبدأ حتى مع الجامعة، وإنما تشكل منذ المراهقة عبر سلسلة متصلة من التجارب التنظيمية.
ومن هنا يصبح وصف خضر لنفسه بأنه من «مدمني العمل العام» ذا دلالة تتجاوز المزاح اللغوي؛ فقد وصف هذا الإدمان بأنه «حميد»، في مقابل إدمانات أخرى مدمرة، في إشارة إلى أن العمل العام بالنسبة إليه كان نمط حياة لا مرحلة مهنية عابرة (خضر، 2023).
ثانياً: جامعة الخرطوم والطلاب المحايدون—المعمل الأول لمقاومة الإنقاذ والاستقلال عن الأحزاب
التحق جعفر خضر بجامعة الخرطوم في مطالع تسعينيات القرن العشرين، وانغمس تماماً في تجربة حركة الطلاب المحايدين. وكانت الجامعة آنذاك إحدى أهم ساحات الصراع السياسي في السودان، خصوصاً بعد انقلاب يونيو 1989 الذي وضع البلاد تحت حكم نظام الإنقاذ.
وذكر خضر أن المحايدين ناصروا اتحاد المحايدين بقيادة حاتم المهدي وأسامة محمد إدريس بكل ما يستطيعون، وأن تلك الفترة كانت «معركة شرسة» وصداماً مستميتاً ضد نظام الإنقاذ الذي كان في عنفوان جبروته. لكن الصراع كان مركباً؛ فقد واجهوا الإنقاذ من ناحية، وخاضوا في الوقت نفسه صراعاً مع بعض الأحزاب السياسية من ناحية أخرى.
وهذه النقطة أساسية لفهم مفهوم «الحياد» لدى هذه التجربة. فالحياد لم يكن حياداً تجاه الاستبداد، ولم يكن انسحاباً من السياسة، وإنما كان محاولة للحفاظ على استقلال التنظيم الطلابي عن الهيمنة الحزبية، مع الانحياز الواضح إلى الديمقراطية ومقاومة السلطة السلطوية. ولذلك تمثل تجربة الطلاب المحايدين نموذجاً مبكراً لما سيظهر لاحقاً في موقف خضر من لجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني: العمل السياسي من دون تحويل المنظمات الاجتماعية إلى أذرع حزبية.
ومن أبرز ممارسات هذه المرحلة السهر حتى الصباح لإصدار صحيفة «الشاهد» الحائطية في نسخ متعددة لمجمعات الجامعة، مع نزار الطيب وعثمان صالح، بينما كان حسام سكاو يوفر المعينات ويتأكد من عدم حدوث مشكلات. وتكشف هذه التجربة عن عنصر ظل ملازماً لمسيرة خضر لاحقاً: الجمع بين التنظيم والسياسة والإعلام وإنتاج المعرفة.
فالصحيفة الحائطية لم تكن مجرد وسيلة دعائية، وإنما كانت فضاءً لإنتاج خطاب بديل، وتنظيم النقاش، وتوزيع المعلومات، وبناء الوعي السياسي في بيئة يهيمن عليها النظام. وهذا يتسق مع أدبيات الحركات الاجتماعية التي تؤكد أن الحركات المعارضة تعتمد على إنتاج المعنى والهوية المشتركة بقدر اعتمادها على الاحتجاج المباشر (McAdam, Tarrow and Tilly, 2001؛ Tilly, 2004).
ثالثاً: رابطة الطلاب المعوقين—من مقاومة الاستبداد إلى الدفاع عن المهمشين وإنتاج الثقافة
خاض جعفر خضر أيضاً تجربة رابطة الطلاب المعوقين وأصدقائهم بجامعة الخرطوم، وشارك في عدد من جمعياتها العمومية وما شهدته من تباينات في التوجهات. وقد تعاقب على لجانها التنفيذية من ذوي الإعاقة عبد الإله موسى، وعبد الصادق قاسم، وغادة عبد الله رحمها الله، وآمنة عبد الخالق، ورحمة صديق، وعبد الرحيم توتي وغيرهم، ومن الأصدقاء بهجة جلال، ونفيسة آداب، وفاطمة التوم، وعبد الباقي الظافر وغيرهم (خضر، 2023).
وكانت الرابطة تصدر صحيفة «مشاوير»، وقد أُصدر عدد أو عددان منها عام 1991 قبل مصادرة النشاط، وكان توجه الصحيفة مناهضاً لنظام الإنقاذ. غير أن خضر يسجل أيضاً أن الرابطة في دورة لاحقة اقتربت من السلطة إلى حد دخولها في «المناطق المشتبهة»، عندما نظمت برنامجاً ترفيهياً لجرحى الجيش بالسلاح الطبي. وهذا النقد الذاتي لتجربة سابقة يعكس منهجاً مهماً في شخصيته؛ فهو لم يكن يكتب التاريخ باعتباره سلسلة من الانتصارات، وإنما كان يلتفت إلى المناطق الرمادية والأخطاء أيضاً (خضر، 2023).
ومن أبرز إنجازات الرابطة تنفيذ مسرحية «مأساة تاجوج»، برعاية الأب الروحي للرابطة البروفيسور محمد هاشم عوض، وبطاقم كان جله من ذوي الإعاقة الحركية من الرابطة ومن الجمعية السودانية لرعاية وتأهيل المعوقين. وقد عرضت المسرحية في قاعة الشارقة وقصر الشباب والأطفال، إضافة إلى نحو ثلاثة عشر عرضاً تجارياً بمسرح أمبدة الأهلي.
ويذكر خضر أيضاً أنه يزعم أن أول احتفال باليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة في السودان نفذته رابطة الطلاب المعوقين، بإيعاز من المرحوم محمد هاشم عوض، وبالتعاون مع اتحادات الأشخاص ذوي الإعاقة، في دار جامعة الخرطوم للنشر، واستمر عدة أيام من ديسمبر 1996 (خضر، 2023).
وهنا يتضح أن تجربة خضر الطلابية لم تكن سياسية بالمعنى الحزبي الضيق؛ فقد امتدت إلى قضايا الإعاقة والحقوق الاجتماعية والإنتاج المسرحي والثقافي. وهذه الخبرة ستصبح لاحقاً جزءاً من رؤيته للمجتمع المدني، الذي لم يكن عنده مجرد أداة لمعارضة الحكومة، وإنما فضاء لبناء مجتمع أكثر قدرة على المشاركة والمساواة.
رابعاً: منتدى شروق الثقافي بالقضارف—حين تحولت الثقافة إلى مؤسسة للمجال العام
بعد استقراره في مهنة التدريس من المنازل، وهي المهنة التي وفرت له مالاً يكفي لتحريك دفة الحياة، انتقل نشاطه العام إلى القضارف بصورة أكثر انتظاماً. ويحدد خضر نقطة تحول مهمة في هذا المسار بما بعد اتفاق نيفاشا للسلام، عندما شارك مع آخرين في تأسيس منتدى شروق الثقافي بالقضارف عام 2007 (خضر، 2023).
وقد بدأ المنتدى نشاطه الراتب في 2 يونيو 2007 بفعالية بعنوان «الخطاب السياسي»، قدمها توفيق جعفر بقطية في أحد منازل ديم النور بمدينة القضارف. ولم يكن للمنتدى اسم آنذاك؛ ثم جاءت الفعالية السابعة، في 20 يوليو 2007، بعنوان «أفق تطور المنتدى وتسميته»، واختير اسم «منتدى شروق الثقافي» من بين أسماء أخرى مثل «القطية» و«المشكاة» و«عبد الرحمن آدم». وقد علق المرحوم بابكر النور، ساخراً من الاسم، بأنه صار أقرب إلى أسماء فرق كرة القدم، في إشارة إلى «الفنايل والكدارات» (خضر، 2016).
وتكشف هذه التفاصيل أن تأسيس المنتدى كان عملية جماعية وتدريجية، وأن إسهام جعفر خضر ينبغي وضعه في إطاره الصحيح بوصفه أحد المشاركين الرئيسيين في تأسيسه وبنائه وتطويره مع مجموعة من أبناء القضارف، لا بوصفه منشئاً منفرداً لمؤسسة جماعية.
وقد صيغت فلسفة المنتدى في ديباجته بصورة شديدة الدلالة: جعل القضارف «بوتقة» يصوغها كل ألوان الطيف الثقافي والفكري والسياسي، وإشاعة المعرفة من أجل وطن واحد يخلو من النعرات العنصرية والجهوية، وتدعيم الروابط الاجتماعية، واستلهام قيم الأديان السمحة، وبناء إنسان واعٍ ومعافى (خضر، 2010).
وهذا التعريف يفسر لماذا أصبح شروق أكثر من منتدى ثقافي. فالمنتدى جمع الثقافة بالفكر والسياسة والمجتمع، وقدم مساحة للحوار في بيئة سياسية سلطوية. وقد وصف خضر لاحقاً المنتدى بأنه استطاع، رغم الصعوبات والعقبات والقصور، أن يصبح معلماً بارزاً في مدينة القضارف وأن يستوعب النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة (خضر، 2009).
وقد تطورت بنية المنتدى المؤسسية بصورة تدريجية؛ فقد عقدت جمعيته العمومية اجتماعاتها في 15 مارس 2008 بدار المعلمين، وفي 21 مارس 2009 بنادي القضارف، وفي 1 مايو 2010 بساحة منتزه الشهيد، وكلها، وفق خضر، انعقدت بنصاب قانوني (خضر، 2010).
والأهمية الأعمق لهذه التجربة أنها نقلت خبرة العمل العام من الجامعة إلى المجتمع المحلي. فالجامعة كانت مجالاً للنضال الطلابي، أما شروق فكان محاولة لبناء فضاء عام في مدينة خارج المركز. وهذا ينسجم مع الأدبيات التي ترى أن الديمقراطية المستقرة تحتاج إلى مؤسسات وسيطة بين الفرد والدولة، وإلى رأس مال اجتماعي وشبكات ثقة وتعاون تتجاوز المؤسسات الرسمية (Putnam, 1993؛ Edwards, 2004).
خامساً: شروق في مواجهة الدولة الأمنية—الثقافة بوصفها ممارسة للحقوق والحريات
لم يكن نشاط منتدى شروق سهلاً. فقد دخل في صدامات متكررة مع السلطات الأمنية والثقافية. وفي نوفمبر 2010 أوقفت سلطات ولاية القضارف نشاط المنتدى بحجة خروجه من أهدافه الثقافية، وهو قرار وصفته أسرة المنتدى بالظالم والجائر، وأكدت أن المنتدى مسجل وفق النظم واللوائح (خضر، 2010).
وفي سياق آخر، تعرض المنتدى لتدخلات جهاز الأمن، كما أغلقت السلطات مقر المنتدى وصادرت ممتلكاته واعتقلت أعضاء منه. وتوثق تقارير معاصرة أن قوة أمنية اقتحمت مقر المنتدى قبيل فعالية لمناقشة كتاب «التنمية واستدامة السلام في شرق السودان»، وصادرت ممتلكات المنتدى وممتلكات شخصية لعضو لجنته التنفيذية جعفر خضر (دبنقا، 2014).
وفي 2011 قدم وفد من المنتدى مذكرة إلى الإدارة القانونية بولاية القضارف يطلب فتح بلاغ في جهاز الأمن على خلفية اعتداءات تعرض لها المنتدى، ثم خاطب وزارة العدل عندما لم يتلق رداً مكتوباً (الراكوبة، 2011).
وفي ديسمبر 2011 خاطب أعضاء المنتدى المواطنين في حملة سلمية لاستعادة الحقوق المصادرة، ورفعوا شعارات ترفض مصادرة الممتلكات وتكميم الأفواه واعتداء الأجهزة الأمنية على المنابر الثقافية. وفي تلك المناسبة كان جعفر خضر سكرتير العلاقات الخارجية للمنتدى، بينما كان طه محمد الحسن رئيساً له. وبعد المخاطبة اعتقلت الشرطة الأمنية رئيس المنتدى وجعفر خضر وعضو المنتدى رامي خضر الحسن، وفتحت ضدهم بلاغات قبل إطلاق سراحهم في وقت لاحق (سودانيز أونلاين، 2012).
ثم وصلت المواجهة إلى المحاكم؛ ففي فبراير 2012 برأت محكمة جنايات القضارف أعضاء المنتدى، بعد أن رأت أن الأدلة المقدمة لا ترقى إلى الإدانة (سودانيز أونلاين، 2012).
وتظهر هذه الوقائع أن شروق لم يكن «منتدى ثقافياً» بالمعنى الضيق؛ فقد تحول الدفاع عن الثقافة إلى دفاع عن حرية التنظيم والتعبير وسيادة القانون. ولهذا فإن تجربة خضر في شروق تمثل حلقة مركزية في انتقاله من النضال الطلابي إلى مفهوم أكثر اتساعاً للمجتمع المدني.
كما تكشف تجربة المنتدى أن الاستبداد لا يخشى المعارضة الحزبية وحدها؛ فهو قد يعتبر المنتدى الثقافي، والمسرح، والندوة، والصحيفة، والنقابة، والمنظمة الاجتماعية تهديداً عندما تتحول إلى فضاءات مستقلة لإنتاج الوعي والتعبير. وهذا يفسر العلاقة الوثيقة بين الثقافة والديمقراطية في تجربة خضر.
سادساً: «قضارف ضد الفساد» ومبادرة القضارف للخلاص—توطين مقاومة الفساد وبناء السياسة من الولاية
إلى جانب شروق، بادر جعفر خضر مع وليد صديق «الريس» إلى تأسيس مجموعة «قضارف ضد الفساد»، ودعوا ممثلين للتنظيمات السياسية للعمل على محاربة الفساد في الولاية. ويذكر خضر أن المجموعة «أبلت بلاء حسناً» ضد النظام البائد، ثم اضمحلت لاحقاً (خضر، 2023).
ثم شارك مع كثيرين في تأسيس تجربة «مبادرة القضارف للخلاص» عام 2012، وهي المبادرة التي استمرت بعد ذلك. وتظهر وثائق لاحقة للمبادرة أن خضر ظل عضواً فيها، وأنها امتلكت هياكل تنفيذية منتخبة وأجندة مرتبطة بالشأن المحلي والحقوق والتنمية ومقاومة الفساد (مبادرة القضارف للخلاص، 2022).
وتعكس هذه التجربة انتقالاً مهماً من المعارضة السياسية العامة إلى السياسة المحلية. فالفساد في ولاية مثل القضارف لا يمكن مواجهته فقط عبر تغيير الحكومة المركزية، وإنما يحتاج إلى مراقبة الإدارة المحلية، والميزانية، والخدمات، والأراضي، والموارد، والقرارات الحكومية.
كما تعكس المبادرة أحد أكثر الجوانب تميزاً في مسار خضر: الإصرار على أن التغيير السوداني ينبغي أن يُبنى من الولايات وليس من الخرطوم وحدها. وهذه الفكرة ستعود بقوة في مواقفه من قوى الحرية والتغيير ومن لجان المقاومة ومن الحكم المحلي.
سابعاً: ثورة ديسمبر—انتقال جعفر خضر من مقاومة النظام إلى سؤال بناء الدولة
جاءت ثورة ديسمبر 2018–2019 لتفتح المجال أمام جيل كامل من الناشطين الذين أمضوا سنوات في مقاومة الإنقاذ. وكان جعفر خضر أحد هؤلاء، إذ تصفه المصادر الصحفية بأنه ظل يقاوم النظام نحو ثلاثة عقود، منذ سنوات الجامعة، مروراً بمنتدى شروق ومبادرة القضارف للخلاص، وصولاً إلى اعتصام القيادة العامة (الشاهد، 2020).
لكن أهمية ديسمبر بالنسبة إليه لم تكن فقط في إسقاط عمر البشير، وإنما في الانتقال إلى السؤال الأصعب: كيف تتحول الثورة إلى دولة مدنية ديمقراطية؟
وهذا السؤال يضع تجربته في إطار الأدبيات المقارنة للانتقالات الديمقراطية. فإسقاط النظام السلطوي لا يضمن قيام نظام ديمقراطي؛ إذ تحتاج مرحلة ما بعد السلطوية إلى بناء المؤسسات، وإعادة توزيع السلطة، وإرساء قواعد المساءلة، وإعادة تعريف العلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية، وتأسيس أحزاب ومنظمات مجتمع مدني قادرة على إدارة الاختلاف (O’Donnell and Schmitter, 1986؛ Linz and Stepan, 1996).
ولهذا لم يكن غريباً أن تنتقل تجربة خضر من المقاومة إلى بناء حركة سياسية اجتماعية جديدة. فقد كان يرى أن الثورة ينبغي ألا تنتهي عند تغيير الحكومة، وإنما ينبغي أن تستمر في إعادة تأسيس الدولة والمجتمع.
ثامناً: «بلدنا»—انتخاب جعفر خضر أول رئيس للمجلس/المكتب التنفيذي
جاءت حركة «بلدنا» بوصفها محاولة لتحويل خبرة الثورة إلى تنظيم جديد. وتشير شهادة جعفر خضر الذاتية إلى أنه انتُخب رئيساً لمجلسها التنفيذي في أكتوبر 2019، ثم تفرغ للعمل فيها ابتداءً من فبراير 2021. وفي التغطيات الصحفية عند إطلاق الحركة عام 2020 ظهر بوصفه رئيس المكتب التنفيذي، بينما وصفته مصادر أخرى برئيس المجلس التنفيذي؛ ومن ثم فإن الصياغة الأدق هي أنه كان أول رئيس للقيادة التنفيذية للحركة في مرحلة تأسيسها (خضر، 2023؛ ألترا سودان، 2020).
وفي القيادة التأسيسية نفسها كان عبد المنعم مختار سكرتيراً عاماً لحركة «بلدنا» في مرحلتها التأسيسية، ضمن الفريق الذي شارك في محاولة بناء الحركة بعد ثورة ديسمبر، وان لفترة قصيرة.
وأعلنت الحركة بدء نشاطها بصورة عامة في يوليو 2020، وقال جعفر خضر، بوصفه رئيس المكتب التنفيذي، إنها مجموعة من نساء ورجال السودان على اختلاف ألوانهم وإثنياتهم وثقافاتهم وجذورهم ومعتقداتهم، تجمعهم الرغبة في العمل الوطني لإحداث تغيير اجتماعي وسياسي واقتصادي (ألترا سودان، 2020).
وأكد خضر في حوار صحفي أن «بلدنا» حركة اجتماعية سياسية وليست حزباً سياسياً، وأنها منحازة للثورة وتعمل من أجل نجاح الفترة الانتقالية وتأسيس الدولة المدنية. كما أعلن أن الحركة تستهدف الشباب ليتسنموا قيادتها، وأنها ترى في لجان المقاومة أحد المكونات الأساسية للثورة (الشاهد، 2020).
وتعود جذور الحركة إلى الفكرة نفسها التي شكلت تجربة الطلاب المحايدين: بناء تنظيم سياسي مستقل عن الهيمنة الحزبية التقليدية، لكن مع الانخراط الكامل في السياسة والمجتمع.
تاسعاً: فلسفة «بلدنا»—من تغيير الحكومة إلى إعادة تأسيس المجتمع والدولة
توضح الورقة التأسيسية للحركة أن هدفها هو بناء مجتمع يمتلك الإنسان فيه حرياته وحقوقه، وقادر على صياغة وتنفيذ رؤيته للتنمية المرتكزة على الإنسان، والوصول إلى عقد اجتماعي يقوم على مشتركات تتوافق عليها مكونات المجتمع السوداني.
كما تهدف إلى بناء سلام تشارك فيه جميع مكونات المجتمعات المتأثرة بالحروب والنزاعات والاستبداد والفساد والاستغلال والاحتكار، عبر مؤتمرات قاعدية تقوم على قبول الآخر والاعتراف به واحترامه ونبذ العنصرية (خضر، 2023).
ويصف خضر الحركة بأنها لا تزال «تحت التأسيس»، وأنها منشغلة بتأسيس الدولة السودانية في خضم ثورة ديسمبر، ويستخدم صورة القارب الصغير الذي يبني نفسه أثناء علوه وهبوطه مع موج الثورة المتلاطم، بينما يسعى في الوقت نفسه إلى التأثير على الأمواج لتصب في نهر الدولة المدنية الديمقراطية (خضر، 2023).
هذه الصورة تختصر معضلة الحركات الثورية الحديثة: كيف تبني مؤسسة دائمة بينما البيئة السياسية نفسها غير مستقرة؟ وكيف تظل الحركة مرنة من دون أن تتحول المرونة إلى غياب للهياكل؟ وكيف تحافظ على استقلالها دون أن تتحول إلى عزلة؟
وقد أشار خضر إلى أن الحركة ترى «البنية الحركية» بنية تتسم بالمرونة واللامركزية والنزعة إلى التشارك مع الآخرين. وهذه الرؤية تتقاطع مع التحولات الحديثة في تنظيم الحركات الاجتماعية، التي انتقلت من الهياكل الهرمية الصارمة إلى الشبكات المرنة والقيادة الموزعة، مع ما يرافق ذلك من مزايا في سرعة التعبئة، ومخاطر في المساءلة والتمثيل والاستمرارية (Tarrow, 2011).
عاشراً: المال والشفافية—حين تصبح طريقة تمويل الحركة جزءاً من مشروع الدولة التي تريد بناءها
من أكثر نصوص جعفر خضر أهمية لفهم فلسفته مقاله «تجربة في التفرغ للعمل العام»، المنشور في يناير 2023. فقد أعلن فيه بصورة صريحة أنه كان يتقاضى 70 ألف جنيه شهرياً مقابل تفرغه للعمل في «بلدنا»، وأن الحركة وفرت له سكناً مريحاً يتضمن الماء والكهرباء والإنترنت ومساعدات أخرى تجعل الحياة ممكنة ومريحة (خضر، 2023).
تعمد خضر وضع مبلغ الـ70 ألف جنيه في مقدمة المقال، لأنه أراد أن يتجنب السرية التي تحيط عادة بالمال. وانطلق من صورة سودانية شعبية لرجل يرفع جلابيته ليخرج رزمة النقود من جيبه الداخلي ويعطي ظهره للآخرين كي يعدها بعيداً عن أعينهم، ثم نقل النقاش إلى السرية المالية العالمية والبنوك والحسابات الخارجية.
وكان المقصود الأساسي من هذا الاستطراد أن يقول إن سرية المال قد تكون مفهومة بالنسبة للفرد، لكنها تصبح مشكلة خطيرة عندما تتعلق بالسلطة العامة أو منظمات المجتمع المدني. فالمال العام أو الأموال التي تجمع باسم المواطنين ينبغي أن تخضع للشفافية والمساءلة (خضر، 2023).
ولهذا كان تمويل «بلدنا»، وفق شهادته، يأتي من اشتراكات الأعضاء ومساهماتهم فقط لا غير. وذكر أن الحركة كانت تؤجر مقرها وتمول أنشطتها من هذه الموارد، وأن ميزانية الدورة التي بدأت في أكتوبر 2019 وانتهت في أكتوبر 2022 بلغت نحو ثلاثة ملايين جنيه، بمعدل يقارب مليون جنيه في العام.
وقد تضمن ملخص خطاب الميزانية، بحسب خضر، إنجاز اعتماد الحركة على نفسها في تمويل أوجه الصرف المختلفة عبر اشتراكات ومساهمات الأعضاء، وإكمال الدورة دون مديونية (خضر، 2023).
والأكثر دلالة أن الحركة رفضت، وفق روايته، عرضاً لتمويل مشروع يخدم توجهاتها من إحدى المنظمات. وكان رأيه الشخصي في البداية قبول التمويل بشرط الشفافية الكاملة أمام الشعب السوداني والإفصاح عن كل مليم، لكنه قبل قرار هياكل الحركة، ممثلة في مجلسها المركزي، برفض التمويل.
وهنا تظهر فلسفة سياسية واضحة: الاستقلال المالي جزء من الاستقلال السياسي. فالمنظمة التي تعتمد كلياً على تمويل خارجي قد تجد نفسها معرضة لتأثير الممول، بينما التمويل العضوي يخلق علاقة مباشرة بين العضوية والتنظيم.
لكن هذه السياسة تحمل أيضاً تحدياً؛ فالاعتماد على العضوية وحدها يحد من الموارد ويزيد العبء على الأعضاء. ولذلك فإن نموذج التمويل العضوي يحتاج إلى حوكمة مالية دقيقة، وميزانيات منشورة، ومراجعة مستقلة، وقواعد واضحة لتعارض المصالح، حتى تتحول الشفافية من فضيلة شخصية إلى مؤسسة دائمة.
الحادي عشر: لجان المقاومة والحكم المحلي—من «الحياد» الطلابي إلى الديمقراطية القاعدية
كان موقف جعفر خضر من لجان المقاومة امتداداً واضحاً لتجربته الأولى مع الطلاب المحايدين. فقد رأى أن لجان المقاومة يجب أن تبني مؤسساتها من القاعدة وأن تتشابك ديمقراطياً، وحذر من محاولات الأحزاب فرض سيطرتها عليها.
وقد وصف ميثاق لجان مقاومة الخرطوم بأنه من الوثائق المهمة في تاريخ السياسة السودانية بسبب اتساع المشاركة في صياغته، لكنه في الوقت نفسه أقر بوجود اختلالات تنظيمية داخل اللجان يمكن علاجها بالبناء القاعدي (خضر، 2021؛ أفريقيا برس، 2022).
وكان موقفه أن الطريق إلى تمثيل لجان المقاومة في المؤسسات الانتقالية لا يمر عبر اختيار قيادات مصعدة بصورة غير ديمقراطية، وإنما عبر البناء المؤسسي والتشبيك الديمقراطي.
وهذا الموقف ينسجم مع رؤيته الأوسع للحكم المحلي. فقد اهتمت حركة «بلدنا» بموضوع تجذير الانتقال ودمقرطة الحكم المحلي، واستضافت نقاشات حول الحكم المحلي والفيدرالية والسلام في السودان. ويعكس ذلك إيماناً بأن الدولة الديمقراطية لا يمكن أن تكون ديمقراطية في الخرطوم وسلطوية في المحليات.
ومن منظور السياسات العامة، فإن اللامركزية لا تعني مجرد نقل المسؤوليات إلى الولايات والمحليات؛ بل تحتاج إلى نقل الموارد والصلاحيات والقدرات وآليات المساءلة في الوقت نفسه. وإلا تحولت اللامركزية إلى نقل للأعباء دون السلطة والموارد (Faguet, 2014).
الثاني عشر: النقد الذاتي والإرث—جعفر خضر بين نجاح بناء المجال العام ومحدودية بناء المؤسسة السياسية
ربما كان أهم ما يميز جعفر خضر أنه لم يقدم تجربته باعتبارها قصة نجاح مكتملة. ففي مقاله عن التفرغ أقر بأن التركيز على العمل الخارجي أكثر من الداخلي أثر سلباً على البناء الداخلي للحركة، وأن العمل الخارجي نفسه لم يمض على ما يرام في ظل تعقيدات المشهد السياسي، وأنه لم يستثمر الزمن كما يجب، وأن هناك ضعفاً في مهارات التواصل مع الرفاق والأعضاء، وغيرها من أوجه القصور (خضر، 2023).
وهذه المراجعة الذاتية مهمة للغاية؛ لأن المشكلة التاريخية في الحركات السياسية السودانية لم تكن دائماً نقص الشجاعة أو التضحية، وإنما كثيراً ما كانت ضعف المؤسسات الداخلية، وضعف القدرة على إدارة الاختلاف، وتحول التنظيمات إلى هياكل شخصية، وعدم الاستعداد للانتقال من مرحلة المعارضة إلى مرحلة الحكم.
ولهذا طرح خضر أسئلة صريحة حول مستقبل «بلدنا»: هل ستنجح في بناء حركة مختلفة ومنفتحة تحسن إدارة اختلافاتها وتبايناتها، وتجود بنيتها المؤسسية الديمقراطية، وتتسم بأخلاقية العمل العام فعلاً لا قولاً، مقدمةً الوطن على الحركة والحركة على الذات؟ وهل ستنجح في أن يكون لها إسهام مشهود في إعادة بناء الدولة السودانية؟
هذه الأسئلة ربما تكون أهم من أي إجابة كان يمكن أن يقدمها؛ لأنها تكشف جوهر مشروعه: أن قيمة التنظيم السياسي لا تقاس فقط بقدرته على إسقاط النظام، وإنما بقدرته على بناء قواعد تمنع إعادة إنتاج الاستبداد داخله وفي الدولة التي يسعى إلى بنائها.
وكان خضر يرى أن مهمته الشخصية في العمل العام لا تنتهي عند منصب أو راتب. فقد قال إنه لا يحمل عادة هم الرزق، وإن فترة التفرغ ستنتهي، وربما يعود إلى الكتابة الصحفية، وإذا لم تسد الرمق سيعود إلى التدريس، وهي مهنته الأولى (خضر، 2023).
وهنا تظهر سمة أخرى في سيرته: رفض تحويل العمل العام إلى وسيلة للامتياز الشخصي. وهي الفكرة نفسها التي ظهرت في كتاباته عن «زهد الثوار»، حيث انتقد التكالب على المناصب والامتيازات، ودعا إلى اختيار الأشخاص للوظيفة العامة على أساس النزاهة والكفاءة والانحياز للمصلحة العامة بعيداً عن المحاصصة (خضر، 2020).
وفي هذا السياق، يصبح رحيله خسارة تتجاوز الحركة التي قادها. فهو ترك وراءه شبكة من التجارب والمؤسسات والأفكار: الجمعية العلمية في المدرسة، حركة الطلاب المحايدين، صحيفة «الشاهد»، رابطة الطلاب المعوقين، صحيفة «مشاوير»، منتدى شروق، «قضارف ضد الفساد»، مبادرة القضارف للخلاص، ثم «بلدنا».
وتكشف هذه السيرة عن نموذج من الناشط السوداني الذي لا يبدأ من السلطة ولا ينتهي إليها، وإنما يبني نفسه عبر المجتمع. وهو نموذج بالغ الأهمية في بلد عانى عقوداً من تركيز السياسة في المركز، ومن ضعف المؤسسات الوسيطة، ومن العلاقة غير المتوازنة بين الدولة والمجتمع.
إن إرث جعفر خضر، في التحليل النهائي، يمكن تلخيصه في خمس حلقات مترابطة: استقلال التنظيم، مقاومة الاستبداد، بناء المجال العام، تجذير الديمقراطية من القاعدة، وربط الديمقراطية بإعادة تأسيس الدولة. وهذه الحلقات تفسر لماذا لا يمكن قراءة تجربته باعتبارها سيرة ناشط واحد، وإنما باعتبارها جزءاً من تاريخ المجتمع المدني السوداني الحديث.
خاتمة نقدية: ما الذي يبقى من جعفر خضر بعد رحيله؟
تكشف سيرة جعفر خضر عن مسار طويل ومتصل أكثر مما تكشف عن سلسلة من المناصب. فقد بدأ العمل العام صبياً في فريق النسر بحي ديم النور، ثم انتقل إلى الجمعية العلمية في مدرسة القضارف الثانوية القديمة، ثم إلى جامعة الخرطوم وحركة الطلاب المحايدين، ومنها إلى رابطة الطلاب المعوقين، ثم إلى منتدى شروق الثقافي بالقضارف، ومجموعة «قضارف ضد الفساد»، ومبادرة القضارف للخلاص، ثم إلى ثورة ديسمبر وحركة «بلدنا».
ولذلك فإن أهم ما يميز تجربته هو الاستمرارية. فالذي سهر في مطالع التسعينيات لإصدار «الشاهد» الحائطية هو نفسه الذي شارك لاحقاً في تأسيس شروق، والذي واجه جهاز الأمن دفاعاً عن المنتدى، والذي انخرط في مبادرة الخلاص، والذي أصبح في أكتوبر 2019 أول رئيس للمجلس التنفيذي لحركة «بلدنا»، والذي تفرغ للعمل فيها عام 2021، والذي ظل يناقش قضايا الدولة المدنية والحكم المحلي ولجان المقاومة والشفافية والتمويل.
كما أن تأسيس منتدى شروق الثقافي يمثل محطة لا يجوز اختزالها في هامش السيرة. فقد كان المنتدى نموذجاً لمحاولة بناء مجال عام خارج الخرطوم، وتحويل الثقافة إلى ممارسة للمواطنة، وتحويل المنتدى إلى مؤسسة قادرة على استيعاب التنوع الاجتماعي والثقافي والفكري. وقد واجه شروق بالفعل تدخلات أمنية، ومصادرة للممتلكات، وإيقافاً للنشاط، واعتقالات، ومحاولات قانونية وإدارية لإضعافه، لكنه ظل حاضراً في الحياة العامة بالقضارف (خضر، 2010؛ الراكوبة، 2011؛ سودانيز أونلاين، 2012).
أما «بلدنا» فمثلت محاولة أكثر طموحاً: الانتقال من بناء المجال العام إلى المشاركة في إعادة تأسيس الدولة. وانتخاب جعفر خضر رئيساً لمجلسها التنفيذي في أكتوبر 2019، ثم ظهوره رئيساً للمكتب التنفيذي عند إطلاقها رسمياً في 2020، يضعه في قلب هذه المحاولة التأسيسية. وكان عبد المنعم مختار، بصفته سكرتيراً عاماً للحركة في مرحلتها التأسيسية، جزءاً من الفريق الذي شارك في هذا المشروع التنظيمي.
لكن النقد العلمي يقتضي ألا تتحول السيرة إلى صورة مثالية خالية من التناقضات. فخضر نفسه أقر بأن البناء الداخلي للحركة لم يكن بمستوى العمل الخارجي، وأن مهارات التواصل والتنظيم كانت تحتاج إلى تطوير، وأن الظروف السياسية المعقدة أعاقت جانباً من المشروع. وهذه الصراحة تجعل التجربة أكثر قيمة، لأنها تقدم دروساً حقيقية في صعوبة تحويل الحماس الثوري إلى مؤسسة ديمقراطية مستدامة.
والدرس الأكبر للسودان هو أن الديمقراطية لا تُبنى فقط في القصر الجمهوري أو البرلمان أو صناديق الاقتراع. إنها تُبنى في المدرسة والجامعة والمنتدى الثقافي والنقابة والمنظمة المدنية والحي والولاية. تُبنى عندما يتعلم المواطنون إدارة الاختلاف، وعندما تستطيع المنظمات أن تعمل باستقلال عن السلطة والأحزاب، وعندما تصبح الشفافية المالية والمساءلة الداخلية ممارسة يومية، وعندما يتحول العمل العام من صناعة الزعامات إلى صناعة المؤسسات.
ومن هذه الزاوية، فإن جعفر خضر لم يكن مهماً فقط لأنه قاوم نظاماً استبدادياً، بل لأنه حاول الإجابة عن السؤال الأصعب: ماذا نفعل بعد إسقاط الاستبداد؟
وكانت إجابته العملية موزعة على عقود من حياته: بناء الإنسان، وتوسيع المجال العام، وربط الثقافة بالسياسة، وتقوية المجتمع المدني، وتطوير التنظيمات المحلية، وحماية استقلالها، وربط الديمقراطية بالتنمية والعدالة الاجتماعية، ثم محاولة تحويل هذه المبادئ إلى مؤسسة سياسية اجتماعية جديدة.
ولذلك فإن رحيله لا ينبغي أن يغلق سيرته، بل أن يفتح سؤالها الأكبر أمام الأجيال السودانية القادمة: هل تستطيع المؤسسات التي ساهم جعفر خضر في تأسيسها، والأجيال التي عمل معها، أن تحول هذه الخبرة المتراكمة إلى مؤسسات ديمقراطية قادرة على البقاء بعد غياب مؤسسيها؟ وهل يستطيع السودان أن يتعلم أخيراً أن بناء الدولة يبدأ من المجتمع، وأن قوة الديمقراطية تقاس بقوة مؤسساتها القاعدية، لا فقط بقدرة الثوار على إسقاط الحكام؟
رحم الله جعفر خضر رحمة واسعة، وغفر له، وأحسن عزاء أسرته ورفاقه وأصدقائه وطلاب الجامعة وأبناء القضارف وكل من عرفه وعمل معه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
المراجع
- ألترا سودان. حركة بلدنا تعلن بدء نشاطها وتضم الطلاب المحايدين في صفها. الخرطوم: ألترا سودان؛ 2020. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- أفريقيا برس. ميثاق لجان المقاومة: هل يستعيد الدولة المدنية؟ أفريقيا برس؛ 2022. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- Edwards B. Civil society. Cambridge: Polity Press; 2004.
- Faguet JP. Decentralization and governance. World Development. 2014;53:2-13.
- خضر، جعفر. تجربة في التفرغ للعمل العام. سودانايل؛ 2023. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- خضر، جعفر. تجربة في التفرغ للعمل العام. سودانيز أونلاين؛ 2023. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- خضر، جعفر. دور المجتمع المدني في تحقيق أهداف الثورة. راديو دبنقا؛ 2022. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- خضر، جعفر. منتدى شروق: قوة الشفافية وضعف المساءلة. سودانايل؛ 2016. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- خضر، جعفر. إيقاف مسيرة منتدى شروق الثقافي بالقضارف. سودانيز أونلاين؛ 2010. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- خضر، جعفر. مبادرة حمدوك وعناق الثورة والثورة المضادة. سودانيز أونلاين؛ 2021. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- خضر، جعفر. رحل القدال وتظل كلماته تنير طريق الثورة. سودانايل؛ 2021. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- خضر، جعفر. آباء الحوش. سودانايل؛ 2020. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- خضر، جعفر. جعفر خضر للشاهد: حركة بلدنا تستهدف الشباب ليتسنموا قيادتها ومحاولات اختراق لجان المقاومة غير أخلاقية. الشاهد؛ 2020. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- حلفاوي، محمد. «بلدنا» حركة سياسية جديدة بروح ثورية على أنقاض النادي السياسي القديم. ألترا سودان؛ 2020. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- دَبنقا، راديو. الإعلان رسمياً عن تدشين حركة «بلدنا» في الخرطوم. راديو دبنقا؛ 2020. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- الراكوبة. منتدى شروق يشكو جهاز الأمن. الراكوبة؛ 2011. تاريخ الوصول: 23 أغسطس 2026.
- Linz JJ, Stepan AC. Problems of democratic transition and consolidation: Southern Europe, South America, and post-communist Europe. Baltimore: Johns Hopkins University Press; 1996.
- McAdam D, Tarrow S, Tilly C. Dynamics of contention. Cambridge: Cambridge University Press; 2001.
- O’Donnell G, Schmitter PC. Transitions from authoritarian rule: Tentative conclusions about uncertain democracies. Baltimore: Johns Hopkins University Press; 1986.
- Putnam RD. Making democracy work: Civic traditions in modern Italy. Princeton: Princeton University Press; 1993.
- Tarrow S. Power in movement: Social movements and contentious politics. 3rd ed. Cambridge: Cambridge University Press; 2011.
- Tilly C. Social movements, 1768–2004. Boulder: Paradigm Publishers; 2004.
- World Bank. World Development Report 2017: Governance and the Law. Washington, DC: World Bank; 2017.
