بسم الله الرحمن الرحيم
جمهورية الرايات
إلى الإنسان السوداني… قبل كل الأسماء
لم تكن هذه الأرضُ
مجردَ بقعةٍ على خارطةٍ
تتنازعها البنادق
كانت
أولَ من علَّم الشمس
أن تشرق على حضارة
هنا
حين كانت الدنيا
تتعثر في أول الحروف
كانت كوش
ترفع للأبدية
أهراماتها السوداء
كأنها أصابعُ تصلي لله
منذ آلاف السنين
يوم كان الإنسان
يبحث عن معنى السماء
وكان النيل
يعرف أسماء الأطفال
قبل أن يعرفوا
أسماء البنادق
وكان الذهب
يخرج من باطن الجبال
خجلاً لا طمعًا
وكان السمسم
يملأ الحقول
حتى إذا مرّت الريح
على الجزيرة
عادت معطرةً
برائحة الخبز
وزيت الأمهات
وأغنيات الحصاد
وكان الهشاب
يكتب بالصمغ العربي
رسائل الأشجار
إلى العالم
بينما نحن
لم نقرأها
وكانت المراعي
تتسع
لأكثر مما تتسع له
قلوب الساسة
وكان المطر
يعرف طريق كردفان
وكان البحر الأحمر
يفتح ذراعيه
للتجار والمسافرين
لا للسفن الحربية
وكانت هذه البلاد
تملك من الخيرات
ما يكفي
ليعيش أهلها
كرامًا
لو عرفوا
أن الوطن
أغلى من الغنيمة
ثم تغير الحال
استيقظ السودان
ذات صباح
فوجد نفسه
قد صار
جمهوريةً للرايات
كلُّ جبلٍ له راية
كلُّ قبيلةٍ لها راية
كلُّ مدينةٍ لها راية
كلُّ قائدٍ يحمل راية
حتى المواطن
لم يجد
قطعة قماش
يستر بها
برد أطفاله
صار عددُ البنادق
أكثر من سنابل السمسم
وصار عددُ الشعارات
أكثر من أشجار الهشاب
وصارت أسماء الحركات
أطول
من مجرى النيل
كلُّ يوم
يولد فصيلٌ جديد
ويموت طفلٌ جديد.
كلُّ يوم
تُخترع راية
وتباد قرية
كلُّ يوم
بيانٌ عسكري
وصمتٌ
في بيت أمٍ
تنتظر ابنًا
لن يعود
يا بلادًا
كان الذهب فيها
يكفي
ليزين قارة
فباعها أبناؤها
ليبتاعوا
رصاصةً أخرى
يا بلادًا
كانت أهراماتها
أقدم
من كثيرٍ من الممالك
فصارت بيوت أبنائها
أقصر
من خيمة نزوح
يا بلادًا
علّمت التاريخ
كيف يكتب
فصار التاريخ
يبكي عليك
حتى النيل
ذلك الشيخ الحكيم
لم يعد يعرف
أيَّ الضفاف
ما زالت سودان
وحتى الهشاب
ألقى صمغه
ومضى صامتًا
والسمسم
الذي كان يضحك
في مواسم الحصاد
صار يبكي
في مخيمات الجوع
الطفل الذي يرتجف
في دارفور لا يعرف
اسم الحركة
التي أحرقت بيته
ولا يهمه من انتصر
في المعركة
إنه يريد فقط
دفترًا
بدل قائمة قتلى
ومدرسةً
بدل خيمة
ورغيفًا
لا رائحة للدخان فيه
والأم
التي تمشي
مئات الكيلومترات
لا تسأل
من يرفع الراية
إنها تبحث
عن قطرة ماء
لا يشربها
الخوف
والفلاح
الذي حمل
حفنة سمسم
ليزرعها
لم يكن يحلم
بأن يحصد ذهبًا
كان يحلم فقط
أن يعود أطفاله
إلى البيت
قبل الغروب
من سرق
هذا الوطن
من كوش؟
من أقنع
أحفاد الملوك
أن المجد يُبنى
بالمتاريس
لا بالمدارس؟
من قال
إن الراية أغلى
من الإنسان؟
يا أبناء السودان
حين يبكي الطفل
لا يبكي بلهجةٍ
شرقية
ولا غربية
ولا شمالية
ولا جنوبية
يبكي
بلغة الإنسان
وحين تنزف الأم
لا تنزف دم قبيلة
تنزف دم الوطن
وحين يجوع الفقير
لا يسأل الخبز
عن هوية اليد
التي تعطيه
لم تكن مأساتنا
أننا اختلفنا
فكل الأمم تختلف
ولم تكن مأساتنا
أننا رفعنا الرايات
فلكل شعب
رموزه
لكن مأساتنا
أننا ضيّقنا
موضع النظر
حتى صرنا نرى
القبيلة
ولا نرى السودان
ونرى السودان
ولا نرى الإنسان
ولو أننا غيّرنا
موضع الوقوف
لرأينا أن النيل
يجري للجميع
وأن السمسم
لا يختار
من يأكله
وأن الهشاب
يبسط ظله
لكل عابر
وأن الذهب
لا يعرف
أسماء المقاتلين
وأن أهرامات كوش
لم تبقَ
لأن حجارتها
كانت أعلى
بل لأن الرؤية
كانت أوسع
فالأوطان لا تضيع
حين تختلف الطرق
ولكنها تضيع
حين تضيق القلوب
وما السودان
إلا فكرةٌ
أكبر من الجميع
تتسع
لكل من اتسع
قلبه لها
فإذا أردتم
أن ترفعوا رايةً
فارفعوا أولًا
الإنسان
وإذا أردتم
أن تنتصروا
فأعيدوا تموضع
قلوبكم
قبل أن تعيدوا
تموضع جيوشكم
فإذا عاد السمسم
إلى حقوله
وعاد الهشاب
يبسط ظله
للمسافرين
وعاد الذهب
ثروةً لا لعنة
وعاد النيل
يجمع الضفتين
كما فعل
منذ آلاف السنين
عندها ستبتسم
أهرامات كوش
لأنها ستعرف
أن أحفادها
عادوا أخيرًا
يبنون وطنًا
لا متراسًا
عندها
لن تكون هذه الأرض
جمهوريةَ الرايات
بل ستعود
هذه الارض لنا
كما كانت دائمًا
وطنًا اسمه السودان
وليد معروف
برلين
12/07/2026
athenena@gmail.com
