جنوب السودان بين هيبة الدولة وسطوة القبيلة بقلم: لوال كوال لوال جنوب السودان ليس بلد العجائب بسبب غرابة الأحداث التي تقع فيه، بل بسبب الطريقة التي تتحول بها القضايا الفردية إلى أزمات جماعية، وكيف ينزلق الشأن القانوني سريعًا إلى مربع الاصطفاف القبلي والسياسي. فحادثة اعتقال المواطن السوداني من أصول جنوب سودانية، صدام عبدالله جمعة، المعروف إسفيريًا باسم “دينق دوت كوور”، بعد اتهامه بالإساءة غير الأخلاقية إلى رئيس الجمهورية سلفاكير ميارديت، لم تبقَ في إطارها القانوني الطبيعي، بل تحولت إلى مساحة صراع مفتوحة بين مفاهيم الدولة وهيبة الرئاسة من جهة، وبين حرية التعبير والانتماء المجتمعي من جهة أخرى. من حيث المبدأ، لا توجد دولة تحترم نفسها تقبل بالإساءة الشخصية لرئيسها إذا تجاوزت حدود النقد السياسي إلى التجريح الأخلاقي أو التشهير. فحرية التعبير، مهما اتسعت، ليست حقًا مطلقًا، بل تضبطها قوانين تحمي الأفراد والمؤسسات من الاعتداء المعنوي. غير أن جوهر الإشكال في هذه القضية لا يكمن في مبدأ المحاسبة، بل في طريقة إدارتها وسياقها السياسي والأمني. فعندما تتدخل الأجهزة الأمنية والاستخبارات العسكرية في قضية منشور أو خطاب رقمي، يبرز سؤال مشروع حول طبيعة الدولة: هل نحن أمام دولة مؤسسات تُحيل القضايا إلى القضاء المدني وفق إجراءات واضحة، أم أمام بنية سياسية تميل إلى المعالجة الأمنية السريعة باعتبارها أداة ردع قبل أن تكون أداة عدل؟ الجدل الذي أثارته القضية على منصات التواصل الاجتماعي كشف انقسامًا عميقًا في الوعي العام. فهناك من رأى في الاعتقال دفاعًا عن مقام الرئاسة ومنعًا للفوضى الخطابية، بينما اعتبره آخرون انتهاكًا لحرية التعبير، حتى لو كان الخطاب متجاوزًا لحدود اللياقة. لكن اللافت للنظر أن النقاش لم يظل في مستواه القانوني، بل انتقل سريعًا إلى مستوى الانتماء المجتمعي، حيث شعر بعض أبناء مجتمع المعتقل بأن المسألة تتجاوز شخصه لتلامسهم بوصفهم جماعة. هذا الانتقال من “الفرد” إلى “المجتمع” يكشف عن خلل عميق في العلاقة بين المواطن والدولة، وعن أزمة ثقة تجعل القبيلة تبدو أكثر أمانًا من المؤسسات. في الدول المستقرة، يُحاسب الفرد باسمه وصفته القانونية، ولا تتحول قضيته إلى شأن جماعي إلا إذا كان هناك استهداف ممنهج. أما في الدول الهشة، فإن هشاشة المؤسسات تدفع المجتمعات إلى التحصن بانتماءاتها الأولية. حين لا يثق الناس في عدالة القضاء أو حياد الأجهزة، يصبح الدفاع عن الفرد دفاعًا عن الجماعة، ويتحول القانون إلى ساحة صراع رمزي بين الدولة والقبيلة. وهكذا تختلط المفاهيم: تتحول هيبة الدولة إلى شأن قبلي، ويُفسَّر تطبيق القانون باعتباره موقفًا سياسيًا. ولا يمكن فصل هذه القضية عن السياق الأوسع للفضاء الرقمي في جنوب السودان، حيث أصبح الخطاب العام في كثير من الأحيان ساحة مفتوحة للتجريح والتحريض واستدعاء الهويات الضيقة. كثيرون يخلطون بين النقد السياسي المشروع وبين الشتيمة الشخصية، وبين المعارضة المشروعة وبين الإساءة الأخلاقية. هذا الانفلات لا يخدم الديمقراطية، بل يضعفها، لأنه يحول النقاش العام إلى معركة كرامات بدل أن يكون ساحة أفكار. لكن في المقابل، فإن مواجهة هذا الانفلات لا تكون بتوسيع القبضة الأمنية، بل بترسيخ ثقافة قانونية واضحة تُطبَّق على الجميع دون انتقائية. تتداخل في هذه القضية أيضًا أبعاد سياسية حساسة، خاصة مع ما يُتداول بشأن ارتباطات المعتقل بجهات مسلحة أو أدوار إعلامية سابقة في تأجيج نزاعات اجتماعية. في بيئة سياسية إقليمية مضطربة، تصبح أي علاقة عابرة للحدود عنصرًا قابلًا للاستغلال السياسي. غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في هذه العلاقات بحد ذاتها، بل في قابلية المجتمع لتأويل كل حدث عبر عدسة الانقسام القبلي. فحين تتشابك السياسة بالسلاح، ويتداخل الإعلام بالتحريض، يصبح أي منشور شرارة قابلة للاشتعال في أرض مشبعة أصلًا بالتوتر. إن إحدى أعمق مشكلات جنوب السودان هي استمرار ثقافة الزعامة الرمزية التي تجعل من الرئيس شخصية شبه مقدسة في الوعي الجمعي، وهو إرث مفهوم في سياق تاريخ طويل من الكفاح المسلح، لكنه يصبح معيقًا حين تتحول الدولة إلى جمهورية دستورية. فالرئيس في الدولة الحديثة يُحترم بوصفه ممثلًا لمؤسسة دستورية، لا بوصفه زعيمًا فوق النقد. وحين يُخلط بين الاحترام الواجب للمنصب وبين تحريم المساءلة، تُختزل الدولة في شخص، وتضيع الحدود بين المؤسسة والفرد. المعضلة الأعمق تكمن في أن جنوب السودان لم يُنجز بعد التحول الكامل من حركة تحرير إلى دولة مؤسسات. فما زالت العقلية السياسية تحمل سمات مرحلة النضال المسلح، حيث يتقدم الولاء على الكفاءة، والانتماء على المواطنة، والعصبية على القانون. هذا الإرث أنتج واقعًا تُستدعى فيه القبيلة كلما اهتزت الثقة في الدولة، وتتحول فيه القضايا الفردية إلى اختبارات ولاء وانتماء. القضية، في جوهرها، ليست دفاعًا عن شخص ولا إدانة مطلقة له، بل هي اختبار لقدرة الدولة على إدارة الخلافات ضمن إطار قانوني شفاف. إن أُحيلت المسألة إلى قضاء عادل، مع ضمانات واضحة وعلنية، فإنها قد تتحول إلى فرصة لترسيخ سيادة القانون. أما إذا غلب عليها الغموض والتوظيف السياسي، فستكرس شعورًا إضافيًا بأن الدولة ما زالت أداة قوة أكثر من كونها مؤسسة عدل. جنوب السودان لا يحتاج إلى مزيد من القضايا التي تعمّق الانقسام، بل إلى مراجعة صادقة لبنية العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمشكلة ليست في منشور مسيء او فيديو مسجلة يسئ فيه المعتقل إلي شخصية الرئيس بألفاظ سوقية لايمكن لمواطن في الدول الديمقراطية أن طلقها علي الرئيس، ولا في اعتقال فرد، بل في قابلية النظام الاجتماعي والسياسي لتحويل كل حادثة إلى معركة هوية. ما لم تُحسم الأولوية لصالح دولة المواطنة المتساوية، سيبقى الانتماء القبلي أقوى من النص الدستوري، وستظل القضايا الفردية مرشحة للتحول إلى أزمات وطنية. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل أخطأ المعتقل أم لا؟ بل: هل نملك مؤسسات قادرة على الفصل بين الخطأ الفردي والانتماء الجماعي؟ وهل نستطيع أن نحمي هيبة الدولة دون أن نختزلها في شخص، وأن نصون حرية التعبير دون أن نحوّلها إلى منصة إساءة؟ إن مستقبل جنوب السودان لن يُبنى بإسكات الأصوات، ولا بإطلاقها دون ضابط، بل ببناء عقد اجتماعي جديد يؤمن بأن الدولة للجميع، وأن القانون فوق الجميع، وأن القبيلة انتماء ثقافي لا سلطة سياسية. عندها فقط، لن تتحول كل قضية إلى امتحان وجودي، ولن يبقى الوطن معلقًا بين الدولة والقبيلة. بقلم: لوال كوال لوال
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم