بقلم / عمر الحويج
أصل الحكاية عند كليهما ياهؤلاء ، اعزكم الله ، وأنتم خابزنهم وعاجننهم . أن الإسلاموكوز والجنجوكوز ، لكل موقف يتخذانه يأتي مذاقه أمرَّ من العلقم الذي سبقه . أما «كيزان» فصيل القصر ، التي انتهت إلى علي كرتي أمينًا عامًا للحركة الإسلاموية ، فلا تندهشوا ، فالحكاية بدأت قديمًا من هناك ، يوم أطلقوا على انقسامهم اسم “المفاصلة”.
ها هم اليوم ، بالتكوين ذاته ، يطالبون بمواصلة الحرب ، التي أشعلوها ، حتى نهاياتها ، ولو لم تكن في صالحهم ، بل ولو انتهت إلى حرب دائمة . المهم أن تستمر ، وأن يبقى شعار “الجهاد” صالحًا لكل زمان ومكان ، لتعبئة الظل خلف كتائبهم ، وخلف البراء بن مالكهم ، وخلف أمنهم الشعبي واستخباراتهم .
هم يعرفون أن عودتهم إلى السلطة ليست منفصلة عن هذه الحرب ، وأن وجودهم الحياتي ، في كفة نصر هذه الحرب . كما وجودهم المالي والنزقي والترفي والبزخي ، وحق شعبهم في عدم الافلات من العقاب ، ، سجنًا أو رجمًا أو موتًا بالقذائف والرصاص ، أو ملاحقةً بالقانون الدولي ، كل ذلك يتقاطع عند نتيجة واحدة : الانتصار في هذه الحرب التي خططوا لها وأججوها ، والنصر فيها لأحد طرفيها معدوم .
فهذا الانتصار لا يبدو ميسّرًا لهم في مسار حربهم العبثية المأساوية اللعينة . ولن “يُسقِّط” حجر قيادتهم العسكرية النازيوإسلاموية، كما يبدو، إلا إعلاميوهم اللايفاتية ، وخاصة ذلك الذي يخرج بلسان فالتٍ بلا لجام ، فيسيء إلى من هم أعلى منه مرتبةً ووظيفةً ومهنةً، بينما يظل عسكره صامتين ، ولا ندري : أهو من يأمرهم ، أم هم الذين يأتمرون بأمره؟؟ .
أم ينتظرون نصرًا يأتيهم من متنطعيهم الاستراتيجيين، ومن صحفييهم ومحلليهم بالمعنيين ، ومن ماكينة الاستنفار والاستغفار معًا ، نصرًا لحربٍ تبدو نسبة نجاحها لهم صفرًا ، مهما طالت “طقّة الحنك” الملوثة بثلاثينية كاملة في الذاكرة السودانية ، محفوظةً لحظة بلحظة في ذاكرة الشعب ، وفي شاشات العالم ، وفي سجلات الحكومات وأجهزة الاستخبارات .
فأين المفر؟ ، إنها الحرب الصفر .
أما الجنجوكوز ففي أمرهم عجب ، وأمَّر من سابقيهم ، لأنهم سوف ينتهون من أمرهم ، بيدهم لابيد عمرو أو غيرهم ، فهم رغم تجمعهم في كتلة مليشيا بمسمى واحد ، إلا أن قائدها ومن يليه في القيادة ، ومستشاريته التي تتغير من حين إلي حين . وحتى جندهم تحسبهم على قلب رجل واحد ، وهم شتى .
ففي انشقاقاتهم وإنشطاراتهم ، وتوجهاتهم الخلفية والمخفية ، المرئية وغير المرئية في إختلافات رؤيتهم لحربهم الضروس ، توزعت بين ، رؤية مخطط لها من قيادة مستشارية رسمت طلبًا ، لكسب حياد المجتمع الدولي الذي تعمدوا الحديث بما يرضيه ، من بوقهم عالي الصوت ، عبد المنعم الربيع ، في إدعائه ، المتواصل الذي يَزِّن به في أذن المجتمع الدولي ، أن هذه الحرب من أجل الديمقراطية والدولة المدنية ، حتى مرحلة إعلان موافقتهم على التفاوض ووقف إطلاق النار ، ولكن خلف هذا الادعاء الزائف ، نجد أن مروج هذا الدعاء هو نفسه ، نجده من ناحية أخرى هو حامل لواء العنصرية ، فهو بذاته الذي يغذي الجنجويدي الفرد ، بنظرة عنصرية تحرضه على الآخر المختلف ، التي جرأت فرد المليشيا ، على السلب والنهب والقتل والاغتصاب ، بل حرضهم هذا الربيع على الانفلات المنتشر وسط مليشياته ، هكذا هم ، مستشاريتهم فصيل المنشية ، وربيع الميل أربعين ، ترفع شعار الحرب حتى الإنتصار للديمقراطية والدولة المدنية ، وباخ في عقل وقلب المواطن ، هذا الشعار المدَّلس ، مما رآه من ممارسة وإتيان كل الموبقات المدانة في الحروب وغير الحروب ، وكل المحرمات لحقوق الإنسان حتى تلك الإلتزامات التي أجازتها الإنسانية بأديانها ، في مسيرتها الممتدة قرونًا ، قبل إجازتها من قِبل قوانين الحداثة ، في أروقة الأمم المتحدة ، ولجان حقوق الإنسان العالمية والمحلية ، وسار هذا الفصيل مسيرته الدعائية بربط توجهاته بالديمقراطية والدولة المدنية في الفضائيات الإقليمية والعالمية ، فقط لرفع الحرج عنه ، وقطعًا ليس جادًا في دعواه الباطلة ، ولا الشعب صدقه ولا المحتمع الدولي صدقه ولا يحزنون ، وهو يمارس الابادة الجماعية ، فقط بعضهم يأخذونه على قدر عقله ، لبعض مصالحهم أولاً وحسن نية لآخرين لوقف الحرب ومآسيها التى تجاوزت الحد والحدود .
وسيذهب بريحهم إنشقاقين آخرين ، لا يخفيان نفسيهما ، الأول يريد الحرب ، من أجل محو دولة 56 من الوجود وحكم السودان كامله ، من قلب عاصمته الخرطوم بواسطتهم دون الآخرين ، والشق الآخر الأكثر صراحة يريد حكم دولته المهمشة من دارفور وما تيسر من مهمشين آخرين ، وعاصمتها هي تلك التي يختارونها على أقل من مهلهم ، وقد تمادى هذا الشق ، في تصوره لدولته ، ولم يتأخر كثيرًا فقد سماها “نيالا” ، ومافيش عاصمة أحسن من عاصمة!! .
أما حلم الإنشطار الأخير ، فهو يعمل بخجل وخفاء مع آخرين من رعاة المسيرة ، والإبل والبقر . ومن رعاة دول عرب الساحل والصحراء . وكل هذه المشاريع تنتظر النصر وهو المستحيل بعينه ، وهذا الإنشقاق الأخير من المشاريع الهلامية ، تساعده وتشد من أذره ، الدعوى المضادة شبيهته ، في الطرح والإفلاس الإنفصالي ، وفي قلة الوعي والوطنية ، وهم منظمة دولة النهر والبحر ، وإن تدثر راعيها . ببعض موقف تثاقفي مفتعل وفهلوي وتكراري ، حاكي فيه فصاحة شيخه ، حين ظهوره في الستينات ، وهذا ما يفعله بالضبط الداعشي الآخر ، محمد علي الجزولي ، في محاكاة شيخهم الأكبر ، لسرقة فرصته ، التي أودت بمشروعه مزبلة التاريخ ، أما جند هؤلاء وأولئك الجنجوكوز ، زخيرتهم في كل معاركهم ، جند هاجروا كأفراد خبط عشواء من مواقعهم ، ومن داخل البلاد ومن خارجها ، ولكل منهم ما نوى ، وهجرته ليست لغير مال يكتسبه بالنهب والسلب ، أو نفس ليقتلها بغير حق وبغير ذنب ، أو لإمرأة أو فتاة لينكحها ويغتصبها بغير خلق أو ضمير ، ولكل هذا فهم زائلون ، وفي آخرتهم ونهاية معركتهم “ليس لهم في مليشيا تحكم دولة” .
عليه تقع المسؤولية على كل مناضل وهو في معسكر ” لا للحرب” ومعسكر “أوقفوا الحرب” ومن هو مع الديمقراطية والحكم المدني النزيه ، عليهم كل من موقعه دون إنكفاء أو صمت أو ارتخاء ، عليهم النضال المتواصل ومستمر ، على خطى الثورة المجيدة ، لخلق واقع جديد ، ووطن جديد ، يكون في الخريطة ثابتًا موحدًا باسمه السودان ، وإياك أعني ياجارة الوادي ، صاحبة فكرة الإطاري وصاحبة فكرة كتلة الموز ، سودان لايحكمه لا إسلاموكوز ولا جنجوكوز ، ولا حتى مشروع النهر والبحر الانفصالي البائس ، ولا إنتهازي مدني يائس ، ولا عسكري موالي ضعيف وخاضع وهو ناعس .
وغدًا نواصل / جيفة وأنقسمت نُصّْين : الإسلاموكوز والجنجوكوز .[2]
