حافظ الشيخ الزاكي: والسر في بئر … بقلم: عبد الله علي إبراهيم

IbrahimA@missouri.edu

  

رحل إلى دار البقاء زميلنا العزير مولانا حافظ الشيخ بلله ربه بالشآبيب وأترعه بالمسك في عال الجنان. وهي دار ما رأيت من استعد له مثله في ظروفنا بلدنا القاسية التي قل فيها الناجي  وعز المستعصم بالمعاني الحسان والقابض على جمر الإيمان.

 

لم يمنع أنني كنت على الضفة الأخرى من نهج حافظ وأشواقه السياسية والثقافية أن أتذوق ميزاته الجميلة الكثيرة. كان عندي مسلماً مؤمناً. لم يجعل من التحاقه الباكر بالحركة الإسلامية مناسبة ل “اعتناق” الاسلام كما هي سنة بعض المتشددين. لم ينتهز فرصة وجوده بين الجماعة ليلغي ذاته المسلمة الأصل. لم تذهله شوكة القطيع ودهاليزه عن فرديته التي سيشهد عليها في يوم عصيب ليس يومنا هذا. لم تسوغ له الكثرة أن يهمل مراقبة نفسه في الله.

 

ومن آيات حرص حافظ أن يميز نفسه حتى عن تنظيمه هو استقالته عن قضائية الريئس نميري للعدالة الناجزة. فلما اشتط نميري فوق اشتطاطه بإعلان الطواريء لحماية محاكم العدالة الناجزة خرج عليه حافظ ومولانا دفع الله الحاج يوسف وذكر لهم هذه الوقفة الدكتور محمد زين في رسالته الجامعية الغراء عن تجربة نميري الإسلامية. فقد كان خافظ يرعى ولكن بلجام الإسلام. ومكنه من خلع نفسه من التبذل متانة سياسية نجمت من اعتراكه  السياسة صبياً ريئساً لاتحاد طلاب خور طقت الثانوية ثم قيادته لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم في سنة إشراقته العظمي: ثورة 1964 أكتوبر. و يسمو مثل هذا الكادر الجماهيري (في لغة اليسار) عن الصغائر ويتطهر من خشية الرؤوساء ويكون ذؤابة للحركة لا ذيلاً. فهو  يهديها سواء السبيل فلا تضيق ولا تهمل. ولم أكن قريباً منه خلال تقلده رئاسة القضاء لأقف على سرائره وهو في قمة مؤسسة قاضيان منها في النار وقاض في الجنة. 

 

ولم أكن لأتذوق حافظاً الخصم السياسي في أروقة جامعة الخرطوم في النصف الأول من الستينات لولا التمثيل النسبي. وهو النظام الإنتخابي الذي قام عليه اتحاد طلابها. فقد أتاح لنا هذا النهج (أو فرض إذا شيئت) أن يجتمع الخصماء في كيان واحد لتأدية مهام منصوص عليه في دستور الاتحاد ولصالح الجماعة. وسيذكر التاريخ لجيلنا في يساره ويمينه ووسطه أننا اسقطنا نظاماً عسكرياً واسترددنا الديمقراطية معاً. كنا نسهر الليل في لجنة الاتحاد التفيذية نخطط معاً للخطوة القادمة في منازلة النظام. كنا نختلف جدا. ونحرج والسر في بئر. لم نهن على واش منا ولم يبعنا أحدنا بثمن غال أو رخيص.

 

ولم يتح التمثيل النسبي للخصوم أن يكونوا معاً في مركب التبعة لجمهورهم من الطلاب بل دربنا على تمييز أفراد الخصم الذين بالمركب. واضرب مثلاً. كنا إذا انتهينا إلى خطة ما في الجبهة الديمقراطية (القيام بمظاهرة مثلاً) فكرنا في اختبار صداها بين خصومنا وبالذات الأخوان المسلمين. فكنا نختار حافظاً من دون زملائه لمناقشته فيها لنعرف نقاط ضعفها عنده فنحسنها أو نستعد للدفاع عنها في لجنة الاتحاد بذكاء مقنع. وربما كان الاتجاه الإسلامي يفعل نفس الشيء. وربما تفادوني في اختبارهم لأنني كنت مسخناً وتجاوزوني لرفيقي المرحوم بابكر الحاج نوارتنا من بلدة القدواب بجهة بربر رحمه الله.

 

وكثيراً ما سألني بعض شباب اليوم وكهولهم كيف تتعامل مع الإخوان المسلمين بلا حرج وهم الظلاميون والمهووسون قاتلهم الله. فأجيب لأننا أنجزنا ثورة للوطن معاً. ولم يكن احتكاكنا في الجامعة حديداً يأكل حديداً وسيخاً يلاقي سيخاً والدم الدم، يالثأراتنا. خلافاً لذلك تعلمنا من بعضنا البعض من فرط الخصومة عن كثب. فقد سعى المرحوم إليّ ذات يوم في 1978 بمسودات لجنة تعديل القوانين لتوافق مقتضى الشريعة ليريني آيات سماحهم  في التدرج في تطبيق الشريعة. ثم سمعته في ندوة نظمتها السيدة هويدا القباني عن مآلات الحركة الأسلامية (2007) ورأيته يرخص ولا يتشدد التشدد الذي يحسنه كل أحد. فقد جاء في محاضرته بكل آيات الإسماح التي ناشدناهم في الستينات لينهجوها فيكفلوا لنا حق الخلاف معهم. وكنت من جهتي أود أن أهديه كتابي الأخير عن تجربة السودان الإسلامية ليقف على صدى الإسلاميين في نفسي وميسهم على كتابي. وكنت خططت في رأسي أن التقي لدي عودتي للسودان بمن تبقى من جيل الستينات و ثورة 1964 أكتوبر لنجدد ما انقطع ونلقي نظرة أخيرة على مصائر وطن أحسن إلينا. جيئناه يتامي فأغني، وضالين فهدى، وعائلين فأغنى. وكان حافظ بوسطيته الكردفانية المحببة في قائمة من سأدعوهم. وستظلل روحه السمح هذا اللقاء متى قام إن شاء الله.

  ربي جاءك عبدك حافظ الذي لم يفتر في استعداده للقائك. لقد تزين ليومه زينة المسلم المؤمن الصالح. ولا أزكيه.      

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً