انسلخ عام منذ دعوة الرئيس البشير في 27 يناير 2014 إلى الحوار الوطني، ومن المفيد أن نتخذ من الذكرى وقفة لجرد الحساب وقراءة ما تم خلال هذا العام بشأن تحقيق تلك الدعوة إلى الحوار الوطني.
لابد من الإشارة إلى الظروف التي انطلقت فيها دعوة الرئيس البشير إلى الحوار، والتي جاءت مباشرة عقب تطورات كبيرة شهدها حزبه الحاكم بخروج جماعة الإصلاح الآن وإخراج الرئيس لجماعة من الصف الأول من مواقعهم القيادية في السلطة والحزب على حد سواء.
هذه التطورات الداخلية على جبهة السلطة أعقبت حراكا متواصلا منذ مذكرات الإصلاح المتكررة وصولا إلى الإعلان عن محاولة إنقلابية اتهم فيها مدير الامن السابق وعدد من أخلص ضباط السلطة نفسها.
على جبهة المعارضة فقد جاءت دعوة النظام للحوار في أعقاب تصعيد الجبهة الثورية التي تكونت في أعقاب إغتيال الدكتور خليل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة وضمت حركته إلى حركات دارفور الأخرى والحركة الشعبية، وقد جاء تمكن الجبهة من توسيع رقعة العمل العسكري حتى شمال شرقي كردفان مؤشرا على فشل الجهات التي حاولت حماية النظام من خلال تصفية الدكتور خليل ومنعه من الوصول إلى جنوب كردفان لإعلان تشكيل الجبهة الثورية. كما أن تمدد العمليات العسكرية أشار بكل تأكيد إلى أن عمل الجبهة الورية لم يقتصر على الجانب العسكري حيث أنه من العسير تصور أن قواتها التي هاجمت ام روابة انطلاقا من جنوب كردفان قد تحركت دون علم الجماعات الأهلية التي تقطن هذه المناطق، خاصة وأن النظام عجز عن إقناع الرأي العام بأن هذه القوات شقت طريقها عبر هذه المساحات فوق جثث مواطنيها وبحار دمائهم.
على مستوى العمل السياسي فقد أحدث خروج جماعة الإصلالاح الآن وخروج قسم من الصف الأول من قيادة السلطة، إنفراجا نسبيا كان من المرشح أن يملأؤه السيد الصادق المهدي وحزبه الذي كان يحتل مساحة وسطى بين المعارضة السياسية في تجمع القوى السياسية والنظام.
كما أن التجمع نفسه كان قد بدأ ينتظم قليلا ويتحرك علنا لجذب القوى المسلحة كما حدث في لقاء كمبالا الذي تمخض عن وثيقة الفجر الجديد في يناير 2013 ورغم الإنتكاسة التي احدثتها تصريحات بعض قادة التجمع في الداخل والخارج ترحيبا بانقلاب السياسي في مصر، إلا أن التجمع سرعان ما أدرك خطل محاولته الإنضمام إلى التحالف الإقليمي الذي يحاول إعادة فرض الأنظمة التي ثارت ضدها الشعوب، وأن موقعه هو مع هذه الشعوب وليس الأنظمة التي يحمل النظام السوداني مؤهلات أكبر للإنضمام إليها.
على خلفية هذه التطورات جاءت دعوة النظام للحوار وبينما قبلت الدعوة جماعات حزب الامة والمؤتمر الشعبي والإصلاح الآن، فقد أبدت باقي القوى السياسية تحفظات معقولة جدا. فالجماعات التي قبلت دعوة النظام فقد كان بينها وبينه اتصال قبلي للدعوة وكان الموضوعي أن يبدي النظام بعض المرونة بشأن تعبيد طريق القوى المعارضة الأخرى للدخول إلى قاعة الصداقة مكان حواره المزعوم.
غير أن ما حدث بعد ذلك من تطورات كشف بجلاء عن أن التطورات التي حدثت داخل النظام قبل الحوار ساهم فيها بقدر كبير التنافس بين مجموعاته على طلب عضوية الأنظمة الإقليمية التي قادت الثورة المضادة لثورات الربيع العربي، وأن مجموعات النظام تولي هذا الأمر الأولوية القصوى وهي مطمئنة إلى أن هذه الأنظمة لا تملك المؤهل الاخلاقي الذي يجعلها تساءل جماعة النظام عن سجهلها بمجال حقوق الإنسان او الحريات.
أعقبت الدعوة للحوار مجموعة اعتقالات طالت السيد الصادق المهدي وابنته د. مريم المهدي والسيد ابراهيم الشيخ وأخيرا السيد فاروق ابوعيسى وامين مكي مدني وفرح عقار هذا عدا عن الإعتقالات الراتبة للناشطين.
كما ان النظام اتجه إلى إجراء تعديلات دستورية تركز السلطات بيد الرئيس وقنن وضع المليشيات التي تقاتل له باسم قوات الدعم السريع، والنظام في ذلك يتبع الظاهرة الدولية التي تتجه نحو الإعتماد على قوات قليلة خفيفة وتقنين دور المخابرات في العمليات العسكرية كما رأينا في الإعتماد الأمريكي المتزايد على قوات خاصة في تنفيذ إغتيالات خارج نطاق القانون كما حدث في إغتيال بن لادن أو الإعتماد على طائرات بدون طيار تديرها المخابرات كما حدث في إغتيال أنور العولقي في اليمن وعمليات أخرى كتلك التي استهدفت قادة طالبان الباكستانية.
مما يدلل على أن جماعة النظام تعمل وفقا لإستشارات مختصين في هذا المجال ينصحونها بشأن إعداد بروفايلها للتقديم للإنضمام إلى التحالف الدولي الإقليمي الجديد خاصة وأن جميع المؤشرات الدولية تشير إلى ترجيح فوز المحافظين في بريطانيا وعودة الجمهوريين إلى البيت الأبيض وفي ذات الوقت تطبيع عودة النظام العربي إلى ترتيبات ما قبل 2011.
وبما أن الراجح أن الجهات التي تنصح جماعات النظام بالإنضمام إلى هذه التحالف الإقليمي تدرك تعقيدات الأوضاع القانونية للنظام، فإنها في الغالب تتجه إلى سيناريو يقلب الامور رأسا على عقب من خلال عمل يشبه اتفاقية نيفاشا التي تجب ما قبلها من ملاحقات قانونية لقادة النظام مثلما ما حدث في إيرلندا الشمالية وفي نفس الوقت تمهد لعودة ممالك دارفور وممالك تقلي وسنار ومهما كان حجم عدم الإستقرار في المناطق التي سوف تنفصل عن سلطة النظام، فإن عدم الإستقرار ليس سلعة نادرة حاليا سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، كما ما سوف يتبقى من السودان حتى بعد هذه الإنفصالات سوف أكبر بكثير من ناحية مساحة جغرافية وتعداد سكاني من معظم الدول العربية بإستثناء مصر.
هزيمة هذا التفكير القاصر داخليا والتخطيط الخارجي رهين بإدراك القوى المجتمعية بأن جماعة النظام لا تفكر بنفس طريقة الإنسان السوي فالتنافس على الفساد بين أفرادها لا يترك لها مجالا للتفكير في غير حماية المصالح وزيادة الأرصدة، وسلوكها كله يدل على أنها تقيم وزنا لمعايير التنافس الداخلية بينها وفرصها في القبول الإقليمي أكثر مما تقيم وزنا لأي حوار أو انفراج او إصلاح سياسي داخلي.
أو كما عبر الأخ ضياء بلال في حادثة اعتقال السيد الصادق المهدي بأن تجنب غضب حميدتي أهم عند السلطة من إرضاء المهدي، وهي عبارة جامعة مانعة دالة.
siddig93@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم