حالة حقوق الإنسان في العالم
التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية لعام 2025/26
منظمة العفو الدولية تدعو دول العالم إلى منع ترسُّخ نظام متوحش مناهض للحقوق في لحظة حاسمة بالنسبة للبشرية
عام 2025 اتسم باعتداءات وحشية على التعددية، والقانون الدولي، والمجتمع المدني
البديل المطروح هو نظام عالمي عنصري، يتسم بالأبوية وعدم المساواة ومناهضة الحقوق
المحتجون والنشطاء، ومعهم هيئات عالمية، يعملون من أجل المقاومة وقلب الموازين والتغيير
تشمل النسخة العربية للتقرير أبواب 35 بلدًا. أمّا النسخة الإنجليزية، فتشمل أبواب 144 بلدًا. ويعرض التقرير كذلك تمهيد الأمينة العامة للمنظمة، وتحليلًًا عالميًا، ونظرات عامة على مختلف المناطق.
حذَّرت منظمة العفو الدولية اليوم، لدى إطلاق تقريرها السنوي بعنوان حالة حقوق الإنسان في العالم، من أن العالم يقف على حافة حقبةٍ جديدةٍ محفوفة بالمخاطر، من جراء الاعتداءات التي تشنُّها الدول النافذة والشركات والحركات المناهضة للحقوق على التعددية، والقانون الدولي، وحقوق الإنسان. وقالت المنظمة، في معرض تقييمها لحالة حقوق الإنسان في 144 بلدًا، إنه يجب على الدول والجهات الدولية والمجتمع المدني رفض سياسات الاسترضاء ومقاومة هذه الاعتداءات بشكل جماعي لمنع ترسُّخ هذا النظام الجديد.
وقالت أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية: “إننا نواجه اللحظة العصيبة الأشد في عصرنا. فتتعرَّض الإنسانية جمعاء للاعتداء من جانب حركات عابرة للحدود تناهض الحقوق وحكومات متوحشة تُصرُّ على فرض هيمنتها من خلال شن حروب غير مشروعة وممارسة ابتزاز اقتصادي سافر.
على مدى سنوات، ندَّدت منظمة العفو الدولية بالتدهور التدريجي لحالة حقوق الإنسان حول العالم، وحذَّرت من عواقب الانتهاك الصارخ للقواعد من جانب الحكومات والشركات. كما أثبتت المنظمة مرارًا وتكرارًا كيف أدت ازدواجية المعايير والالتزام الانتقائي بأحكام القانون الدولي إلى إضعاف النظام متعدد الأطراف وإضعاف المساءلة.
إننا نشهد اعتداء مباشر على أسس حقوق الإنسان والنظام القائم على القواعد من جانب الجهات الأكثر نفوذًا، بهدف فرض السيطرة، والإفلات من العقاب، وجني الأرباح.
أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية
ما يميِّز هذه اللحظة ويجعلها مختلفة بشكل جوهري هو أننا لم نعد نوثِّق مجرد تآكل هامشي في النظام، بل إننا نشهد اعتداء مباشر على أسس حقوق الإنسان والنظام القائم على القواعد من جانب الجهات الأكثر نفوذًا، بهدف فرض السيطرة، والإفلات من العقاب، وجني الأرباح.
إن النزاع المتصاعد حاليًا في الشرق الأوسط هو نتاج هذا الانحدار إلى هاوية انعدام القانون. ففي أعقاب الهجمات الأولية غير المشروعة التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل في انتهاك لميثاق الأمم المتحدة، والتي أدت إلى رد إيران بهجمات عشوائية، تحوَّل النزاع سريعًا إلى حرب مفتوحة ضد المدنيين والبنية التحتية المدنية، مما فاقم من المعاناة الكارثية التي يكابدها الناس أصلًا في المنطقة. وها هي الحرب الآن تطال بلدانًا في مختلف أنحاء العالم، وتؤثِّر على السكان في كل مكان، وتهدد أرزاق ملايين البشر. وهذا ما يحدث عندما تُفَرَّغ المعايير والمؤسسات والأُطر القانونية من مضمونها بغرض الهيمنة، بعدما بُنيت بجهد جهيد من أجل حماية البشرية.
يمضي التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام 2025 إلى أبعد من مجرد التحذير من الانهيار الوشيك، فهو يوثِّق انهيارًا جاريًا بالفعل، ويكشف عواقبه المُدمرة على حقوق الإنسان، وعلى الاستقرار العالمي، وعلى أرواح الملايين في عام 2026 والأعوام التالية. ويدعو التقرير دول العالم أجمع إلى رفض سياسات الاسترضاء التي تبنَّتها في عام 2025، وإلى التغلب على الخوف، وإلى التصدي بالأقوال والأفعال لمحاولات بناء نظام عالمي يتسم بالوحشية”.
الاعتداءات الوحشية تسرّع تدمير القانون الدولي
يعرض تقرير حالة حقوق الإنسان في العالم، والتوثيق الذي أجرته منظمة العفو الدولية حتى الآن في العام الحالي، تفاصيل عن الجرائم المتفشية المشمولة بالقانون الدولي والاعتداءات المتزايدة على نظام العدالة الدولي، التي تُلحق أشد الضرر بالأسس التي تقوم عليها حقوق الإنسان على مستوى العالم.
فتستمر إسرائيل بارتكاب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، بالرغم من وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، كما تواصل فرض نظام الأبارتهايد على الفلسطينيين، مع تسريع توسيع المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، فضلًا عن اتخاذ خطوات نحو ضم أراضٍ. وسمحت السلطات الإسرائيلية للمستوطنين، أو شجعتهم، بشكل متزايد على مهاجمة الفلسطينيين وترهيبهم مع الإفلات من العقاب، كما واصل مسؤولون بارزون مدح وتمجيد أعمال العنف ضد الفلسطينيين، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية وتعذيب المحتجزين.
وارتكبت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 150 عملية إعدام خارج نطاق القضاء، بقصف سفن في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، كما شنَّت عدوانًا على فنزويلا في يناير/كانون الثاني 2026. وكثّفت روسيا هجماتها الجوية على مرافق حيوية للبنية التحتية المدنية في أوكرانيا، بينما استخدم الجيش في ميانمار طيران مظلي مزود بمحركات لإسقاط ذخائر مُتفجرة على قرى خلال العام الماضي، مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين، وبينهم أطفال.
وأجّجت الإمارات العربية المتحدة النزاع في السودان، عن طريق تقديم أسلحة صينية متطورة إلى قوات الدعم السريع، التي سيطرت على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بعد حصار للمدينة دام 18 شهرًا، وارتكبت عمليات قتل جماعية للمدنيين وأعمال عنف جنسي. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، سيطرت الجماعة المسلحة المعروفة باسم حركة 23 مارس/آذار (M23)، بدعم فعَّال من رواندا، على مدينتي غوما وبوكافو، وقتلت بشكل غير مشروع عددًا من المدنيين وعرَّضت محتجزين للتعذيب.
وفي أوائل عام 2026، أدى استخدام القوة بشكل غير مشروع من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، في انتهاك لميثاق الأمم المتحدة، إلى رد إيران بشن هجمات على إسرائيل وبلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بينما واصلت إسرائيل تصعيد هجماتها على لبنان. وما بين مقتل أكثر من 100 طفل في غارة أمريكية غير مشروعة على مدرسة في إيران، إلى الهجمات المُدمرة التي شنَّتها جميع الأطراف على البنية التحتية للطاقة، عرّض النزاع أرواح ملايين المدنيين وصحتهم للخطر، كما هدد بإلحاق أضرار جسيمة ومُتوقعة وطويلة الأمد على المدنيين والبيئة، مما يؤثِّر على سُبل الحصول على الطاقة، والرعاية الصحية، والغذاء، والمياه في منطقةٍ مُضطربة أصلًا.
في أفغانستان، صعَّدت حركة طالبان سياساتها الوحشية ضد الإناث، حيث فرضت مزيدًا من أوامر الحظر التي تمنعهن من التعليم والعمل ومن حرية التنقل، بينما ارتكبت السلطات في إيران مجازر بحق متظاهرين في يناير/كانون الثاني 2026، في ما يُرجح أن يكون أكثر عمليات القمع دمويةً على مدى عقود.
خلال العام الماضي، قوّضت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وروسيا آليات المساءلة الدولية، وخصوصًا المحكمة الجنائية الدولية، بشكل أكبر. فقد فرضت إدارة ترامب عقوبات على موظفي المحكمة الجنائية الدولية، وعلى المتعاونين مع المحكمة، وكذلك على مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، بينما أصدرت محاكم روسية أوامر اعتقال بحق مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية. وبادرت عدة دول أخرى بالانسحاب، أو بالإعلان عن اعتزامها الانسحاب، من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ومن معاهدات تحظر استخدام الذخائر العنقودية والألغام المضادة للأفراد.
يُعَدّ استرضاء المعتدين بمثابة صب الزيت على نارٍ ستحرقنا جميعًا، بل وستحرق المستقبل لأجيال قادمة.
أنياس كالامار
وكانت الغالبية العظمى من دول العالم غير مستعدة أو غير قادرة على التنديد بشكل مستمر بالأعمال الوحشية التي ترتكبها الولايات المتحدة الأمريكية أو روسيا أو إسرائيل أو الصين، أو على السعي لإيجاد حلول دبلوماسية. وقَبِل الاتحاد الأوروبي، كما قبلت معظم الدول الأوروبية، باسترضاء الاعتداءات التي تشنُّها الولايات المتحدة الأمريكية على القانون الدولي والآليات متعددة الأطراف. وتقاعست هذه الدول والاتحاد الأوروبي عن اتخاذ إجراءات فعَّالة لوقف الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، أو لوضع حد لعمليات نقل الأسلحة والتقنيات بشكل غير مسؤول، مما يؤجِّج انتشار الجرائم المشمولة بالقانون الدولي حول العالم. كذلك لم تُبدِ هذه الدول والاتحاد الأوروبي استعدادًا لسن لوائح تشريعية مانعة لحماية من تستهدفهم العقوبات الأمريكية، بمن فيهم قضاة المحكمة الجنائية الدولية وممثلو الادعاء فيها. وامتنعت إيطاليا والمجر داخل أراضيهما عن القبض على أفراد صدرت بحقهم أوامر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، بينما أشارت ألمانيا وبولندا وفرنسا ضمنًا عن عزمها اتباع النهج نفسه.
وأضافت أنياس كالامار: “يُبدي قادة العالم رضوخًا كبيرًا أمام الاعتداءات على القانون الدولي والنظام متعدد الأطراف. لا مبرر لصمتهم وتقاعسهم. فهذا ينمّ عن الإفلاس الأخلاقي، ولن يجلب سوى التراجع والهزيمة ومحو المكاسب التي تحققت بشق الأنفس على مدى عقود في مجال حقوق الإنسان. ويُعَدّ استرضاء المعتدين بمثابة صب الزيت على نارٍ ستحرقنا جميعًا، بل وستحرق المستقبل لأجيال قادمة.
قد يميل البعض إلى اعتبار النظام الذي بُني على مدى 80 عامًا مضت مجرد وهم ليس إلا. وهذا يعني تجاهل الإنجازات التي تحققت بجهدٍ جهيد من أجل الاعتراف بالحقوق العالمية، واعتماد العديد من الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية التي توفر الحماية من التمييز العرقي والعنف ضد المرأة، بالإضافة إلى ترسيخ حقوق العمال والنقابات العمالية، والاعتراف بحقوق السكان الأصليين. كما يعني هذا تناسي ما تم إنجازه من مواجهة الفقر وتعزيز الحقوق الإنجابية وتحقيق العدالة، عندما اختارت الدول احترام ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
تعتبر القوى السياسية والاقتصادية المتوحشة، والجهات التي تدعمها، أن النظام متعدد الأطراف قد مات، ليس لأنه يفتقر إلى الكفاءة، بل لأنه لا يخدم هيمنتها وسيطرتها. ولا يتمثَّل الرد في اعتبار هذا النظام من قبيل الأوهام أو غير قابل للإصلاح، بل في التصدي لأوجه قصوره، ووقف تطبيقه بشكل انتقائي، ومواصلة تطويره بحيث يصبح قادرًا تمامًا على حماية جميع البشر بنفس القدر من العزم والإصرار”.
تصاعد الاعتداءات على المجتمع المدني حول العالم
تفاقمت حدة الهجمات على المجتمع المدني والحركات الاجتماعية في عام 2025، حيث امتدت الجهود المتواصلة لإسكات وإضعاف المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات والمعارضين إلى جميع أنحاء العالم تقريبًا.
وكانت السلطات في نيبال وكذلك في تنزانيا سافرةً على وجه الخصوص في استخدامها غير المشروع للقوة المميتة من أجل تفريق مظاهرات تحتج على مظالم سياسية واجتماعية واقتصادية. وقامت حكومات أفغانستان، والصين، وفنزويلا، وكينيا، ومصر، والهند، والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى دول أخرى، بقمع احتجاجات باستخدام العنف، أو بتجريم المعارضة من خلال قوانين مكافحة الإرهاب والقوانين الأمنية، أو لجأت لحفظ الأمن بأساليب مُسيئة، أو لعمليات الاختفاء القسري، أو لعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء.
في المملكة المتحدة، حظرت السلطات حركة فلسطين أكشن (Palestine Action) – وهي حركة احتجاجية تعتمد أساليب التحرك المباشر وتستهدف بالأساس شركات تصنيع السلاح الإسرائيلية والشركات التابعة لها – وذلك بموجب قوانين مكافحة الإرهاب الفضفاضة للغاية، وقبضت على أكثر من 2,700 شخص بسبب معارضتهم السلمية للحظر. وفي فبراير/شباط 2026، أصدرت المحكمة العليا البريطانية حكمًا يقضي بعدم قانونية هذا الحظر. وتعمل الحكومة على استئناف هذا القرار.
واحتجزت السلطات التركية مئات المتظاهرين السلميين عقب القبض على رئيس بلدية اسطنبول والمرشح الرئاسي أكرم إمام أوغلو، الذي يواجه برفقة أكثر من 400 شخص محاكمة ذات دوافع سياسية بناء على تهم مزعومة بالفساد.
شنَّت السلطات الأمريكية حملة قمع غير مشروعة على المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، لجأت خلالها إلى الاستخدام غير الضروري والمفرط للقوة، والتنميط العرقي، والاحتجاز التعسفي، وإلى اتباع أساليب ترقى إلى مستوى التعذيب والاختفاء القسري. وفي أمريكا اللاتينية، قامت دول مثل إكوادور، وباراغواي، وبيرو، والسلفادور، وفنزويلا، ونيكاراغوا باعتماد أو تعديل أُطر قانونية تفرض قيودًا غير متناسبة على منظمات المجتمع المدني، مما يؤثِّر بشكل مباشر على قدرتها على العمل، وعلى الحصول على الموارد، ودعم المجتمعات المحلية، والدفاع عن حقوق الإنسان.
لجأت حكومات كثيرة، بتسهيل من الجهات الفاعلة في قطاع الشركات، إلى استخدام برمجيات التجسس والرقابة الرقمية لفرض قيود على حرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات. فقد استخدمت السلطات الأمريكية أدوات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لاستهداف الطلاب الأجانب، الذين يعبرون عن التضامن مع الفلسطينيين، بإجراءات الاعتقال والترحيل. واستخدمت حكومة صربيا برمجيات التجسس وأدوات التحليل الجنائي الرقمية ضد متظاهرين من الطلاب، وضد عناصر من المجتمع المدني، وصحفيين. ووظَّفت السلطات الكينية على نحو ممنهج أساليب القمع التي تسهلها التكنولوجيا، بما في ذلك التخويف على الإنترنت، والتهديد، والتحريض على الكراهية، والمراقبة غير المشروعة، لقمع المظاهرات التي يقودها الشباب.
وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، إلى جانب دول أخرى، عن تقليص كبير في ميزانيات المساعدات الدولية، أو شرعت في إجرائها، رغم علمها أن هذا قد يؤدي إلى ملايين الوفيات التي كان يمكن تجنبها؛ وجاء ذلك في بعض الحالات بالتزامن مع الالتزام بزيادات هائلة في الإنفاق العسكري. وكان لهذا الإجراء تأثير كارثي على جهود المنظمات غير الحكومية من أجل تعزيز حرية الصحافة، ودعم القدرة على التكيف مع تغيُّر المناخ، وتحقيق العدالة بين فئات النوع الاجتماعي، وحماية اللاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء، وتوفير الرعاية الصحية، وضمان الحقوق الجنسية والإنجابية.
استمرت عدة دول في الامتناع عن كبح جماح التهرُّب الضريبي من جانب أصحاب المليارات والشركات العملاقة، بينما واصلت إضعاف القيود على نفوذ الشركات. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، كان للدعاوى القضائية الاستراتيجية ضد المشاركة العامة أثرٌ رادعٌ على المجتمع المدني، حيث انتهت إحدى هذه الدعاوى بصدور أمر قضائي يلزم منظمة غرينبيس (Greenpeace) بدفع مبلغ 345 مليون دولار أمريكي إلى إحدى شركات الوقود الأحفوري (بعد تخفيض المبلغ الأولي وقدره 660 مليون دولار أمريكي).
في سياقٍ يسوده وصف الرئيس الأمريكي لتغيُّر المناخ بأنه “خدعة”، لم تتخذ الحكومات ما يكفي من الإجراءات لمعالجة النزوح الناجم عن تغير المناخ، أو تحقيق الانتقال العادل بعيدًا عن الوقود الأحفوري، أو زيادة التمويل على نحو كافٍ للعمل المناخي، رغم تحذير برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن العالم يمضي قُدمًا نحو ارتفاع في درجات الحرارة العالمية ليصل بحلول عام 2100 إلى 3 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
وتابعت أنياس كالامار قائلةً: “ما هو البديل الذي تطرحه القوى المتنمِّرة والمتوحشة للتجربة العالمية الناقصة، التي تسعى هذه القوى جاهدةً لتدميرها؟ إن النظام العالمي الذي تقترحه هذه القوى هو نظام يسخرُ من العدالة العرقية والعدالة بين فئات النوع الاجتماعي والعدالة المناخية، ويغضُّ الطرف عنها؛ كما أنه يعامل المجتمع المدني باعتباره عدوًا، ويرفض مبدأ التضامن الدولي. إنه نظام يستند إلى إسكات المعارضة، واستخدام القانون كسلاح، وتجريد من يُعتبرون “آخرين” من إنسانيتهم. ولا تقوم رؤية هذه القوى للعالم على احترام إنسانيتنا المُشتركة، بل على القوة العسكرية، والتفوق التجاري، والهيمنة التكنولوجية. وهي، في نهاية المطاف، رؤية بلا بوصلة أخلاقية”.
لا يتوانى الملايين حول العالم عن مقاومة صنوف الظلم والممارسات الاستبدادية، غير مبالين بالصعاب.
ففي عام 2025، اجتاحت احتجاجات جيل زد أكثر من عشر بلدان، من بينها إندونيسيا، وبيرو، وكينيا، ومدغشقر، والمغرب، ونيبال، بينما أقدم حوالي 300,000 شخص على تحدي الحظر الذي فرضته السلطات المجرية على مسيرة الفخر في بودابست، دفاعًا عن حقوق أفراد مجتمع الميم. وفي أوائل عام 2026، نظم متظاهرون من لوس أنجلوس إلى مينيابوليس مظاهرات في كل شارع وحَي احتجاجًا على المداهمات العنيفة والمُسلحة تسليحًا كثيفًا لإنفاذ قوانين الهجرة الأمريكية.
وخلال العام الماضي، انتشرت في شتى أنحاء العالم مظاهرات واسعة ضد الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، وأرسلت منظمات إنسانية من أكثر من 40 بلدًا أساطيل بحرية تضامنًا مع الفلسطينيين. واتسع النشاط النضالي العالمي المناهض لتدفق الأسلحة إلى إسرائيل، حيث سعى عمال الموانئ في إسبانيا، وإيطاليا، والسويد، وفرنسا، والمغرب، واليونان إلى عرقلة مسارات شحن الأسلحة. كما أدت الأنشطة النضالية والضغوط القانونية إلى قيام عدة دول بفرض قيود أو حظر على صادرات الأسلحة إلى إسرائيل.
وبينما قبلت حكومات كثيرة بالاعتداءات على العدالة الدولية، رفضت عدة دول وهيئات أخرى هذا الاتجاه، عبر إظهار التزامها بالتعددية وبسيادة القانون. وأقرَّ عدد متزايد من الدول بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، وانضمت عدة دول إلى مجموعة لاهاي، وهي تكتل يتعهد بمحاسبة إسرائيل على انتهاكات القانون الدولي، بينما انضمت دول أخرى إلى الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
وسلَّمت الفلبين رئيسها السابق رودريغو دوتيرتي إلى المحكمة الجنائية الدولية ليواجه تهمة ارتكاب الجريمة ضد الإنسانية المُتمثِّلة في القتل العمد، كما أصدرت المحكمة أمرَيْن باعتقال قائدَيْن في حركة طالبان بتهمة ارتكاب أعمال اضطهاد قائمة على النوع الاجتماعي. واتفق مجلس أوروبا مع أوكرانيا على إنشاء المحكمة الخاصة لجريمة العدوان على أوكرانيا، وأدانت محكمة جنائية مختلطة في جمهورية إفريقيا الوسطى ستة من الأعضاء السابقين في إحدى الجماعات المسلحة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
حان الوقت لنصنع التاريخ لصالح الإنسانية جمعاء.
أنياس كالامار
وأنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة آليةً مستقلةً للتحقيق بشأن أفغانستان، وبعثةً لتقصي الحقائق ولجنة تحقيق بشأن شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ كما وسَّع صلاحيات لجنة تقصي الحقائق بشأن إيران. وأُحرز تقدم كبير نحو التوصل إلى اتفاقية ضريبية مُلزمة صادرة عن الأمم المتحدة، واتفاقية بشأن الجرائم ضد الإنسانية، وأصدرت كل من محكمة العدل الدولية ومحكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان فتاوى استشارية تاريخية تؤكد على التزامات الدول في مجال حقوق الإنسان بالتصدي للأضرار المناخية.
وخلال عام 2026، بدأ مزيد من الدول في التعبير جهارًا عن رفضها للأساليب الاستبدادية وللاعتداءات على النظام القائم على القواعد، حيث اتخذت الحكومة الإسبانية على وجه الخصوص مواقف مبدئية، ولكن يجب دعم مثل هذه الدعوات بإجراءات حاسمة ومُستدامة.
وختمت أنياس كالامار قائلةً: “من شوارع المدن إلى المحافل متعددة الأطراف، شهد عام 2025 مظاهر قوية للمقاومة والتضامن من جانب مُحتجين، ودبلوماسيين، وقادة سياسيين، وكثيرين آخرين في مختلف أرجاء العالم. ويجب علينا أن نواصل البناء اقتداءً بهم وببسالتهم، وأن نُشكِّل تحالفات قوية من أجل إعادة تصور النظام العالمي، وإعادة بنائه، وجعله من جديد مرتكزًا على حقوق الإنسان وسيادة القانون والقيم العالمية.
فليكن عام 2026 هو العام الذي نؤكد فيه قوة تأثيرنا، ونبرهن أن التاريخ ليس مجرد أحداث تُفرض علينا؛ بل ملكٌ لنا لنصنعه بأيدينا. حان الوقت لنصنع التاريخ لصالح الإنسانية جمعاء”.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم