حدباي: الليله كيف امسيتو؟ .. بقلم: د. مرتضى الغالي

 

أشهر ما يميّز حدباي أحمد عبد المطلب إنه لم يكن مشهوراً.. ولكنه كان الخل الوفي لخليل فرح.. لا يغفل عنه لحظة، ومع عمر الخليل القصير عاش معه أربع أعوام في غرفة واحدة في (حي الترس) ثم لازمه في كل المنازل التي كانا يستأجرانها في الخرطوم وأم درمان! وبذلك أصبح من أهم العارفين بتراث الخليل وخطراته وكل أسرار حياته ونضاله ومرضه.. وحدباي لم يصادف الشهرة مثل مجايليه أمثال العبادي والخليل وأبو صلاح وود الرضي، إلا أنه كان شاهداً عايش ميلاد أغنية ذلك الزمان وتطورها منذ طمبرة ود الفكي وإشعار الحسن ود سالم، ثم يوسف حسب الله (سلطان العاشقين) وأبو عثمان جقود ومحمد عثمان بدري وهلمجرا.. وقد وضعه حسن نجيله مع طائفة المغنين مع أن الغالب عليه أنه من الشعراء، وإن كان مُقلاً في شعره.. ولكنه كان يغني مروِّجاً لأغاني سرور وكرومه وبرهان وإبراهيم عبد الجليل.. وسجل أغنية من أشعاره بصوته زامله فيها كرومه وهي (من فرق ناس ميه)!

كان من نصيب حدباي لقب (شاعر الجمال) من بين الألقاب التي كانت تُطلق على شعراء ذلك الزمان: بطران (شاعر الطبيعة) وعبيد (شاعر الوجدان) والمساح (الشاعر الهيمان) وقد كان حدباي مولعاً بالجمال كأنه موكل بأرشفته! وكان مع ذلك حافظ تراث ومطلع على الشعر العربي ويكن إعجاباً خاصاً لعمر بن أبي ربيعة رغم كدحه في عمل شاق وتجوال.. ورغم ضمور شهرته فقد ذاعت أغنيته (زهر الرياض في غصونو ماح)…التي نظمها في زواج صديقه محمد عثمان منصور (يا محمد أبياتي القُلال.. تاج في صدورهن وليك هلال).. وهي المناسبة التي خرجت منها رائعة الخليل التي لا تزال الأقلام والأفكار تحاول فك طلاسمها (تم دور وادور)!

كان حدباي يمضي مع الجمال حيث سار، وكان معجبا بـ(فضيل الله) كمغنية وراقصة وقد أورد اسمها في إحدى أغنياته، وكان محباً بصورة خاصة لفتاة بعينها وردت في أغنيته “البي صباها اسمعو قولي بحكي نباها” (من دا النوح أخير لي وأولى.. الزم صمتي وأرجا المولى.. الحيا والعفاف والصولة.. انحصروا الجميع في (خوله)! له من الأغاني نصف المشهورة (البي صباها) هذه، ومن الأغاني المغمورة “يا ليالي الهنا احلفي”.. و”ليلة كانت في الغفار” و”من فراق ناس ميه” ولكن أغنيته (ثغر الزمن باسم) تستحق التنويه ..ورغم أنها قيلت في حفلة زواج صديق له (عثمان عيسى) إلا أنها حاملة أفكار (أسواق الأدب راجت.. اقدح يا ذهن ساهم.. اظهر غالي مكنونك.. اشرح لا تكون واهم.. أيام الزمن جادت.. وزالت قبضة الجاهم.. نارت ظلمة الجاهل.. وزادت خبرة الفاهم)! صداقته للخليل ومعرفة خبايا عواطفه كانت شاهدة في وعد بنات أم درمان والزيارة التي ألجمت الخليل وجعلت حدباي يطلب منهن موعداً أخر، وهي الحادثة التي ألهمت حدباي بشعار أغنية الحقيبة الذي سارت بها الركبان (الليلة كيف امسيتو يا ملوك أم در.. يبقى لينا نسيتو؟.. بالسقام لي جسمي وخليل اكسيتو.. مالو لو في طيف الخيال آسيتو) ؟!!

murtadamore@yahoo.com

عن د. مرتضى الغالي

د. مرتضى الغالي

شاهد أيضاً

مؤتمر ميونخ: العالم يرتعد والبلابسة يتشاكسون حول عطاء جسر الحلفايا وإيجارات منازل الوزراء..!

مؤتمر ميونخ العالمي للأمن هو مؤتمر تداولي دوري يعقد كل عام ويحظي باهتمام كبير، وتوضع …

اترك تعليقاً