حديث الجمعة: شباب من الصين يطلبون العلم في السودان .. بقلم: الرشيد حميدة/الخرطوم
26 سبتمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
42 زيارة
العلاقة بين السودان والصين علاقة قديمة متينة وتشهد بعض المنشآت الحيوية التي قام بتشييدها الصينيون على ارض الوطن، ومنها على سبيل المثال كوبري مدني حنتوب وقاعة الصداقة ومؤخرا مصفاة الخرطوم الحديثة، فضلا عن مجهوداتهم الجبارة والمقدرة لاستخراج واستثمار النفط (الزيت) السوداني. وفي مدني حيث تم تشييد كوبري حنتوب على النيل الازرق تروى قصة حدثت اثناء عمليات البناء والتشييد عن (الفكي) الصيني تعكس (جدية) الشعب الصيني ونهجهم واسلوبهم العملي في الحياة، فقد قيل ان احد العاملين الصينين غرق في مياه النيل الازرق، وسمع بذلك حاج (ابكر) الذي كان (غواصا) ماهرا لا يقهر، وطمع في اموال الصينين واستبشر خيرا وقال ان ذلك مصدر دخل كبير بالنسبة له، ذلك لأن هؤلاء القوم يقدرون عمالهم، فجاء حاج ابكر الى المسئول الصيني يعرض خدماته في انتشال الجثة من النهر، وهو يمني النفس بصيد ثمين، ولما سأله المسئول الصيني عن الأجر المطلوب نظير انتشال الجثمان، طلب مبلغ خمسة الاف جينه، وكانت وقتها (مبلغا معتبرا). ولكن الصيني سأله سؤالا اعتبره حاح ابكر سؤالا غريبا، فقد كان السؤال: هل ستخرجه حيا ام ميتا؟؟؟ والاجابة كانت لحاج ابكر معلومة، فأسقط في يد حاج ابكر. وأصيب بخيبة امل كبيرة. ويقال انهم شيدوا نصبا تذكاريا بجوار الموقع اطلقوا عليه قبر (الفكي الصيني).
وكانت تلك القصة تدور بخلدي بعد ان اكمل الامام خطبة الجمعة وصلاتها وقد استرعى انتباهي حضور ثلاثة شبان صينين في مقتبل العمر وهم يرفلون في زي اسلامي جميل ويؤدون الصلاة بكل خشوع، فاقتربت من أحدهم والقيت عليه التحية فرد على بلغة عربية فصيحة بلكنة اعجمية، فقد حسبتهم أول الأمر كوريين، ولكنهم اوضحوا لي انهم صينين قدموا الى الدراسة في جامعة افريقيا العالمية، وهذه اول جمعة لهم في السودان. وبعد ان تعرفت على ثلاثتهم عرفتهم بنفسي ودعوتهم الى استضافة قصيرة في بيتي الذي لا يبعد كثيرا عن المسجد فلم يمانعوا. وهناك تجاذبنا اطراف الحديث وكان احدهم يتحدث العربية الفصيحة وقليلا من الانكليزية حيث عرفت منهم ان مجموعتهم تضم الاربعين طالبا قدموا من عدة مقاطعات صينية لدراسة اللغة العربية والشريعة الاسلامية، ولمست فيهم روح الحماس والجد والنشاط لا سيما ان هناك صعوبات جمة ستقف في طريقهم اولها حرارة الطقس وقسوة الأجواء السودانية، الا ان الحفاوة والكرم وحسن الاستقبال من السودانيين وحسن المعاملة كان اول انطباع لهم عن السودان والشخصية السودانية. انهم فتية امنوا بربهم وطلبوا الاستزادة من العلم في السودان، الذي سخر الله له تلك الموارد والإمكانيات المقدرة التي تؤهله للقيام بدوره الريادي والطليعي في افريقيا يحتل منها مكان القلب الذي تتدفق منه المعارف والعلوم الى الدول المجاورة بل يتعداها الى القارة الآسيوية، حيث ينعكس فحوى الحديث (ضعيف{والله أعلم}) او المقولة السائرة: اطلبوا العلم ولو في الصين. وها هم اهل الصين يطلبون العلم في السودان.
وتطرق حديثي مع الشباب الصيني الى انطباعهم عن الجامعة، فذكروا لي انهم قاموا بالتسجيل كل في الكلية التي تعنيه وعلق احدهم ضاحكا، في مكتب التسجيل وجدنا موظفا يعمل بكل بطء على خلاف ما يجري في الصين فعندنا تتم عملية ختم المستندات والوثائق بسرعة متناهية، وفي الصين زحام شديد والمباني شاهقة على حد قولهم لكي تسع تلك العددية الكبيرة من البشر، فالمباني عندهم تتمدد رأسيا حيث تتمدد هنا في السودان افقيا ومعظم البيوت تستمع بالفناء الواسع (الحوش). ولما ذهبوا للتسوق في السوق العربي وجدوا العديد من السلع (صنع الصين) مما ادخل السرور انفسهم واعطاهم شعورا بأنهم في وطنهم وخفف غربتهم بقدر غير قليل، وحقيقة فقد غزت البضاعة الصينية كافة دول العالم غربية وشرقية وتمدد سوقهم الى ان لامست حدوده وتجاوزت تخوم الدولة العظمي، الولايات المتحدة الأمريكية، التي بالرغم من قوة اقتصادها وجودة منتجاتها لم تجد بدا من ان تفتح اسواقها امام المد (التسونامي) السلعي الاقتصادي القادم من سور الصين العظيم، فتدفقت السلع الصينية واغرقت اسواق غرب اوربا وكافة الدول العربية. فمرحبا بطلاب الصين في بلادنا، وكل طلاب العلم في السودان، فقد التقيت بمسجدنا طالب علم من اليمن يحضر لدرجة الدكتوراة، وافتقدته هذه الايام لعله أجيز وعاد الى اهله (غانما)، وفي مطار الخرطوم (الدولي: بفتح الدال وتسكين الواو) التقيت باحثا (متقدم في السن) منتسبا ايضا الى جامعة افريقيا لعالمية جاء من (افغانستان) طلبا للعلم في السودان من أجل الحصول على درجة الدكتوراة في العلوم الاسلامية، مثل رصيفه اليمني آنف الذكر. ولا أشك ان شعبنا المضياف سيحسن ضيافة هؤلاء النفر الكرام. فالتحية لكل من اسهم في توفير تلك الفرص عبر ذلك الصرح التعليمي الثقافي الشامخ، جامعة افريقيا العالمية.
aliahmayd@yahoo.com