نزار عثمان السمندل
لم يمت نحو 300 مريض بالفشل الكلوي في دارفور بسبب مرض استعصى على الطب. ماتوا لأن العلاج انسحب من حياتهم. أغلقت مراكز غسيل الكلى، تعطلت الأجهزة، اختفت الأدوية، وبقي المرضى أمام خيار واحد؛ السفر مئات الكيلومترات بحثا عن جلسة قد تمنحهم أياما إضافية، بينما تواصل الحرب عبثها وتقتيلها، ليس بالرصاص وحده، وإنما بحرمان الإنسان من أبسط حق في البقاء، وتغييب كل ما يجعل الحياة ممكنة.
جميع مراكز غسيل الكلى توقفت في دارفور منذ اندلاع الحرب، وفقا لمنظمة مناصرة ضحايا دارفور. لم يعد أمام المرضى سوى رحلة تمتد نحو 15 يوما للوصول إلى مراكز العلاج في الدبة ومروي بالولاية الشمالية. رحلة لا تشبه السفر، تشبه اختبارا يوميا لقدرة الجسد المنهك على احتمال مزيد من الألم.
بعضهم لم يصل. خمسة مرضى على الأقل انتهت رحلتهم في الطريق، قبل أن يروا جهاز الغسيل، بينما ظل مئات آخرون ينتظرون دورهم أمام الموت.
هذه ليست أزمة أجهزة طبية، إنها أزمة جغرافيا أعادت الحرب رسمها. فمريض الفشل الكلوي لا يستطيع تأجيل علاجه حتى تهدأ المعارك، ولا يملك رفاهية الانتظار. جسده يعيش على إيقاع جلسات منتظمة، وأي انقطاع يضاعف احتمالات النهاية. لذلك يصبح إغلاق مركز طبي فعلا يوازي إغلاق طريق إلى الحياة.
دارفور تمثل الوجه الأكثر قسوة لهذه المأساة. مركز نيالا يقاوم بما تبقى من إمكانيات، بينما انهارت بقية المنظومة العلاجية تقريبا. وفي المقابل، تحاول الخرطوم استعادة أنفاسها. أعيد تشغيل 15 مركزا لغسيل الكلى، وافتتح أول مركز للأطفال بعد الحرب، واستؤنفت عمليات زراعة الكلى في مستشفى أحمد قاسم. لكنها عودة مثقلة بالأعباء، إذ تستقبل هذه المراكز آلاف المرضى المقيمين والنازحين، وسط نقص في المحاليل، وانقطاعات متكررة للكهرباء والمياه، وضغط يتجاوز قدرتها على الاحتمال.
داخل مستشفى “البان الجديد”، تختصر روضة حسن وجها آخر للحرب. المرأة الستينية التي أصيبت بالفشل الكلوي عام 2018، قالت للصحافة إنها تتردد ثلاث مرات أسبوعيا على قسم الكلى، برفقة ابنها سامي، المصاب بالمرض ذاته.
أم وابنها يتلقيان العلاج في القاعة نفسها، ويسندان بعضهما في الطريق إلى أجهزة الغسيل. تمسك بيده ويمسك بطرف ثوبها حتى لا تتعثر. مشهد قد يبدو بسيطا، لكنه يكشف كيف امتدت الحرب إلى داخل الأسرة، وكيف صار المرض عبئا تتقاسمه العائلة كلها، لا المريض وحده.
وحين ينقطع التيار الكهربائي، تتوقف الأجهزة، ويرتفع القلق في عيون المرضى. دقائق الانتظار لا تقاس بالوقت، وإنما بما يتركه التأخير من خوف داخل أجساد تعرف أن انتظام الغسيل ليس رفاهية، بل شرط للاستمرار في الحياة.
وحتى محاولة المرضى جمع المال لشراء وقود للمولد الكهربائي لم تغير الواقع، رغم أنها تكشف حجم اليأس الذي يدفع المرضى إلى تمويل الوسيلة التي تبقيهم أحياء.
في ولايات الجزيرة وسنار والقضارف وكسلا، لا تبدو الصورة أفضل كثيرا. موجات النزوح نقلت معها آلاف المرضى إلى مراكز محدودة الإمكانات والقدرة، فتضاعف الضغط على الأجهزة والكوادر، وأصبح الحفاظ على انتظام الجلسات تحديا يوميا.
تكشف مأساة مرضى الفشل الكلوي في السودان أن الحروب لا تقاس بعدد القتلى فحسب، تقاس أيضا بعدد الذين يفقدون حقهم في العلاج، وحقهم في الوصول إلى الطبيب، وحقهم في أن يعمل جهاز طبي في موعده. فالدولة لا تغيب فقط عندما تتوقف الخدمات، وإنما تغيب كذلك عندما تصبح الطريق إلى العلاج أخطر من المرض نفسه، ويغدو البقاء على قيد الحياة احتمالا تؤجله المسافات.
