زهير عثمان
الحرب الولعت في الخرطوم ومدن السودان من أبريل 2023، مرقت من كونها مجرد “شكلة” عسكرية بين الجيش والدعم السريع، وبقت تعبير مأساوي عن “سوس” نخر في عضم الدولة السودانية من زمان. الحاصل ده ما صراع سلطة وبس، ده انهيار متسارع لكيان سياسي عاش عقود من الهشاشة، وأول ما هبّت عليه ريح توازن القوى الحقيقية، انفرط عقدو
والناس القايلين القصة هي مجرد “بونية” بين البرهان وحميدتي، أو شيل مسؤولية لجهة سياسية محددة، واهمين؛ الحقيقة المرة إنو الحرب دي هي اللحظة الأكثر دموية في مشوار طويل من تفكيك السودان وبداية التململ من يوم الاستقلال والبكا علي مظالم دولة 56
جدر المشكلة دولة اتبنت على جرف هاري
عشان نفهم الجوطة دي، لازم نرجع لغلطة التأسيس
السودان لما استقل في 56، ورث من الخواجات هيكل أداري و دولة ضعيف، والنخب الوطنية ما قدرت تتفق على هوية تجمعنا وكل مرة بنسال إحنا عرب ولا أفارقة؟ علمانيين ولا ناس دين؟ مركز قابض ولا أقاليم اخدت حقها؟ الجدل ده فضل تحت تحت” لسنين، وانفجر كم مرة في حروب أكلت الأخضر واليابس، وأكبرها جرح الجنوب الفضل نازف نص قرن
لكن “القشة القصمت ضهر البعير” بدت في عهد الإنقاذ، لما المؤسسة العسكرية اتحولت من “حامي الحمى للاعب سياسي واقتصادي أساسي الجيش ما بقى حدود وبس، بقى شركات واستثمارات وطبقة اقتصادية عندها مصلحة في إنو الوضع يفضل كدا محلك سر
وفي نفس الوكت، اتبنت قوى موازية برا الهيكل الرسمي، من مليشيات القبائل في دارفور لحدي ما وصلنا للدعم السريع اللي بقى دولة جوه الدولة
ساعة الصفر لما الترقيع ما ينفع
بعد سقوط البشير في 2019، قايلين نفسنا فتحنا، لكن السنين الكذابة الكشفت لينا إنو شيل الراس ما كفاية لبناء الدولة بمعايير الدولة المدنية و المدنيين ما قدروا يحولوا نفس الشارع لسلطة حقيقية، والعساكر فضلوا ماسكين مفاصل القوة عشان شركات دي سبب الحياة لكتار منهم التسوية الكانت مدنيين وعساكر كانت بنيان من قش، طرف عندو الشرعية لكن ما عندو ضراع الادارة المدنية شكلا بس ، وطرف عندو السلاح والقروش لكن شرعيتو مهزوزة
ومع كترة اللغتعاة والشكوك، الصراع جوه المنظومة العسكرية انفجر دا معرف لكين شنو الجاب ناس العمام والجلايب هنا هي ما كانت قصة نفسيات بين البرهان وحميدتي عقدة منو الاقوي واللي عندو نفوذ ، دا كان تناقض بنيوي. كيف بلد يكون فيها جيشين؟ وكيف جيش وطني يتماسك وقصادو إمبراطورية أولاد دقلو اقتصادية موازية؟
الحرب المفتوحة من كراسي لسؤال نكون أو لا نكون ؟
أول ما الرصاصة الأولى طلعت في 15 أبريل، الناس قايلة القصة سحابة صيف وبتعدي لكنها بقت حرب نفس طويل واستنزاف، جرت من الخرطوم لدارفور وكردفان والجزيرة , ومع كبر الرقعة، اللعبة اتغيرت؛ بقت حرب وجود اقتصادية منو القادر يلم اكثر من التاني
في مناطق الذهب والمعابر، طلع اقتصاد حرب من نوع فريد وكامل الدسم، الطرفين بياكلوا منو , الذهب بيشتري سلاح، والمعابر بتهرب وقود، ونهب البيوت والمصانع بقى مصدر تمويل ده اقتصاد ما بيجيب السلام، لأنو رزقو في الجوطة دي والحياة بقت كدا زي ما قال واحد منهم
والمواطن المسكين بين المطرقة والسندان يا مشرد نازح (فوتنا الـ 8 مليون)، يا مجبور قاعد معهم بسال الله افرج وهم يترشق في الحرب عشان يحمي نفسو أو لقمة عيشو
حتى الوجع الإنساني بقى كرت ضغط؛ يمنعوا الأكل، يضربوا المستشفيات، ويدمروا المصانع عشان ينشفوا ريق الخصم والمدنيين يتركوا المدن
التدخلات البرة حرب بالوكالة في قلب أفريقيا
البيزيد الطين بلة هو التدخل الإقليمي و السودان بقى ميدان لتصفية حسابات دولية و دا عايز ذهب، ودا خايف على حصتو في النيل، وديل بيفتشوا لـ رجل قوي في البحر الأحمر
و التدخلات دي ما بس بتطول الحرب، دي بتبذر بذور التقسيم. في دارفور رجع خطاب القبيلة والدم، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق الكلام عن تقرير المصير بقى مسموع تاني في كل المجالس يعينا الله عليهو
بكرة فيهو شنو سلام ولا تشتت ؟
في وسط الدمار ده، الكلام عن السلام بيبدو أحلام زلوط والمبادرات (جدة، منامة، أديس) كلها خبطت في حائط المصالح. الجيش داير الخروج من البيوت، والدعم السريع داير اعتراف بكيانو، والمدنيين شذر مذر وكمان حاضر ونايم
لكن الحقيقة الما بنقدر نهرب منها الحسم العسكري ده غلوتية ساكت , حتى لو طرف كسر التاني، ما حيكون نصر نهائي، حيكون مجرد “بريك” لجولة دم جديدة زي ليبيا وأفغانستان
الطريق للسلام، لو لسا في أمل، بيمر بالاعتراف بـعقدة المنشأ أزمة دولة ما اتبنت صح، أزمة جيش بقى إمبراطورية، وأزمة مجتمع اتقطع بالحروب
مافي سلام حقيقي بدون مشروع وطني يرجع يبني الدولة على نظافة دولة مدنية ديمقراطية، الجيش فيها مهني وتحت السلطة المدنية، والاقتصاد فيها شفاف ما نهب مسلح
يمكن الكلام ده يبان طوباوي ونحن وسط الرصاص، لكن الدروس بتقول إنو الحروب الأهلية ما بتنتهي إلا لما الكل يآمن إنو السلام العادل هو الطوق الوحيد المفضل
وإلا، السودان حيدفع التمن الغالي التفتت والضياع في وكت العالم فيهو بيعيد رسم خرايطو من جديد.
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم