1
بدأنا في المقال الثاني السابق من هذه السلسلة من المقالات الثلاثة مناقشة ما أسميناه “حرب الرسائل” بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق. وقد أوضحنا أن تلك الحرب بدأت بخطاب الدكتور جون قرنق الذي ألقاه في لقاء التجمع الوطني الديمقراطي في كمبالا في 7 ديسمبر عام 1999. وقد شنَّ الدكتور قرنق في خطابه في ذلك اللقاء هجوماً عنيفاً على اتفاق جيبوتي الذي كان حزب الأمة قد وقّعه مع حكومة الإنقاذ في 25 نوفمبر عام 1999، وأنهى فيه حزبُ الأمة استراتيجيةَ العمل العسكري لإسقاط نظام الإنقاذ، واستبدالها بالعمل السلمي لحلِّ مشاكل السودان.
وقد قام السيد الصادق المهدي في خطابه المؤرّخ 22 ديسمبر عام 1999 بالردِّ على خطاب الدكتور قرنق الذي ألقاه في لقاء كمبالا. وأرسل السيد الصادق المهدي خطابه مباشرةً إلى الدكتور جون قرنق.
ثم قام الدكتور جون قرنق في 31 يناير عام 2000 بالردِّ مباشرةً على رسالة السيد الصادق المهدي الموجّهة له.
وتواصلت حربُ الرسائل بردِّ السيد الصادق المهدي في الفاتح من مارس عام 2000 على رسالة الدكتور جون قرنق. وقد كانت رسالة السيد الصادق المهدي تلك هي الرسالة الأخيرة في حرب الرسائل. غير أن حرب الرسائل تلك حلّت مكانها حرب المبادرات.
سوف نناقش في هذا المقال حرب المبادرات التي اندلعت بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق. وقد تمحورتْ حربُ المبادرات في المبادرة الليبية المصرية التي تبنّاها السيد الصادق المهدي، ومبادرة الإيقاد التي كانت مُرتكزَ استراتيجية الدكتور جون قرنق.
2
بعد أسبوعين من رسالة السيد الصادق المهدي الثانية للدكتور قرنق في أول مارس عام 2000، أعلن حزب الأمة في 16 مارس عام 2000 انسحابه رسمياً من التجمّع الوطني الديمقراطي. عدّد الحزبُ مجموعةً من الأسباب لانسحابه، شملت ضعف مساهمة فصائل التجمّع الفكرية والسياسية والمالية، واحتكار رئيس التجمّع العمل التنفيذي وتجاوزه مؤسسات التجمّع. شملت الأسباب أيضاً فشل التجمّع في الإيفاء بتعهداته تجاه المبادرة الليبية المصرية.
كان السيد الصادق المهدي قد ذكر في رسالته الثانية للدكتور جون قرنق أن حزب الأمة لم يحكم السودان خلال فترات الحكم المدني منفرداً، بل كان دائماً يحكم مؤتلفاً مع حزبٍ آخر، وعليه لا يمكن إلقاء كل الأخطاء في حكم السودان عليه.
اختفى هذا المنطق عند حديث حزب الأمة عن فشل التجمّع وضعف مساهمة فصائله، علماً بأن السيد مبارك الفاضل المهدي، ممثل حزب الأمة، كان الأمين العام للتجمع منذ انتخابه لهذا المنصب في مؤتمر أسمرا في يونيو عام 1995.
3
برزت المبادرة الليبية المصرية في منتصف عام 1999. فبدعوةٍ من الحكومة الليبية، عقدتْ قياداتُ التجمّع الوطني الديمقراطي اجتماعاً في طرابلس في يوليو عام 1999. كان ذلك قبل أربعة أشهر من لقاء واتفاق جيبوتي بين حزب الأمة وحكومة الإنقاذ.
عرضت الحكومة الليبية خلال ذلك الاجتماع مبادرةً لحل المشكلة السودانية، تمثّلت في وقفٍ كاملٍ لكل الأعمال العسكرية، وبدء حوارٍ مباشرٍ بين الحكومة والمعارضة مُمثّلةً في التجمّع الوطني الديمقراطي، يهدف لحلِّ كل المشاكل العالقة.
في أغسطس من ذاك العام تبنّت مصر الأفكار الليبية، وأصبح الاسم الرسمي للمبادرة هو “المبادرة الليبية المصرية”، ويُشار إليها أيضاً بــ “المبادرة المشتركة.” وقد واصلت المبادرة الليبية المصرية ارتكازها التام على عقد مؤتمرٍ دستوريٍ شامل لكل الأطراف السودانية لمناقشة كافة القضايا السودانية، والاتفاق على حلولٍ لها.
4
كان واضحاً أن هذه المبادرة، إن تمّ لها النجاح، ستلغي بجرّةِ قلمٍ كل الإنجازات التي حقّقتها الحركة الشعبية خلال الثماني أعوام الماضية من خلال مبادرة الإيقاد (يوليو 1994) التي نادتْ بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وعلمانية الدولة السودانية. وقد انبنتْ الاتفاقيات التي عقدتها الحركة الشعبية مع أحزاب التجمّع، وكذلك اتفاقيات الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية مع حكومة الإنقاذ، على مبادرة الإيقاد. لهذه الأسباب فقد قامت الحركة بالتحفّظ على المبادرة الليبية المصرية بحجّةِ ازدواج المبادرات.
من الجانب الآخر فقد قبلتْ حكومةُ الإنقاذ المبادرةَ الليبية المصرية حال إعلانها لأنها رأت فيها مخرجاً من مأزق مبادرة الإيقاد واتفاقية الخرطوم للسلام وحق تقرير المصير وعلمانية الدولة السودانية.
وقد رحّب التجمّع الوطني الديمقراطي بالمبادرة لأنها كانت ستعطيه مقعداً حول طاولة التفاوض، والذي حرمته منها مبادرة الإيقاد.
وقد تبنّى حزب الأمة المبادرة الليبية المصرية تبنّياً كاملاً لنفس هذا السبب، ولأنه وجد فيها أيضاً مدخلاً لموقفه الجديد الداعي للحوار مع نظام الانقاذ، ولعقد المؤتمر القومي (أو الدستوري) الذي ظلّ ينادي به السيد الصادق المهدي منذ لقائه الدكتور حسن الترابي في جنيف في مايو عام 1999.
وقد أصبحت المبادرة الليبية المصرية مُكوّناً ومنطلقاً أساسياً للخلاف بين حزب الأمة والحركة الشعبية، وتحوّلت حرب الرسائل بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق إلى حرب المبادرات – المبادرة الليبية المصرية التي تبنّاها حزب الأمة، ومبادرة الإيقاد التي تبنّتها الحركة الشعبية.
5
ولا بد أن المراقبين للنزاع السوداني قد لاحظوا العنصر والتمحور العربي في المبادرة الليبية المصرية، وتمسّك السيد الصادق المهدي بها من جانب، والعنصر والتمحور الأفريقي في مبادرة الإيقاد التي تمسّك بها الدكتور جون قرنق من الجانب الآخر. فالسيد الصادق المهدي لم يكن يثق في الموقف الأفريقي بسبب قربه الثقافي والعرقي من جنوب السودان، ودعوته إلى علمانية الدولة السودانية، بينما كان الدكتور قرنق في ارتيابٍ تامٍ بالمحاولات الليبية المصرية، وفي دوافعها وتوقيتها، ومكونات مبادرتها.
6
مما لاشك فيه أن المبادرة الليبية المصرية كانت أيضاً محاولةً أخيرة، ويائسة، لتقفزَ مصرُ من خلالها على سفينة المبادرات لمحاولة حلِّ مشاكل السودان، ولوقف مدَّ حق تقرير المصير، ومبادرة الإيقاد التي كانت الحياة الكاملة قد عادت إليها. ومن المؤكّد أيضاً أن مياه النيل، واحتمال بروز دولة نيلية حادية عشر، وآمال مصر في إكمال بناء قناة جونقلي، كانت الأسباب الرئيسية لدخول مصر حلبة المبادرات حول السودان، مثلما كانت السبب الأساسي لمبادرة السلام السودانية (اتفاق الميرغني – قرنق) عام 1988.
ويُلاحظ في هذه المبادرة ميلاد التحالف الجديد بين حزب الأمة ومصر، ونهاية العلاقات التاريخية المضطربة – إن لم نقل العدائية – بين هذين الطرفين.
7
تواصلتْ الاجتماعات والنقاش حول المبادرة الليبية المصرية، وواصلت الدولتان محاولة بلورة بنودها. وفي 30 يونيو عام 2001 سلّم مندوبا الدولتين مذكّرةً حول المبادرة تحمل إسم “مبادئ وأسس الوفاق الوطني السوداني” للحكومة السودانية، والحركة الشعبية، وقيادة التجمّع الوطني الديمقراطي.
تكوّنت وثيقة المبادرة من ديباجة وتسع نقاط. أشادت الديباجة بالترابط الاستراتيجي بين جمهورية مصر العربية والجماهيرية الليبية العظمى وجمهورية السودان، وأكّدت المسئولية التاريخية للدولتين بالحفاظ على وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة سرعة وتفعيل الاتفاق على خطواتٍ محدّدة للتمهيد لبدء الحوار بين أطراف النزاع السودانية المختلفة وإنجاح المفاوضات. وأعلنت المبادرة تعهّد الأطراف بالعمل من أجل تحقيق السلام والوفاق الوطني الشامل في السودان وفقاً للمبادئ التالية:
1. وحدة السودان أرضاً وشعباً.
2. المواطنة في السودان هي الأساس في ممارسة الحقوق وأداء الواجبات.
3. الاعتراف بالتعدّد العرقي والديني والثقافي للشعب السوداني.
4. ضمان مبدأ الديمقراطية التعدّدية، استقلال القضاء، الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وكفالة حرية التعبير والتنظيم وفقاً للقانون.
5. كفالة الحريات الأساسية، وضمان حقوق ممارستها، والالتزام برعاية حقوق الإنسان كافةً، وفقاً للمواثيق الدولية المعتمدة والقيم السائدة في المجتمع.
6. إقامة نظام حكم لامركزي في إطار وحدة السودان، وبما يكفل تحقيق التنمية المتوازنة، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وقومية القوات المسلحة وأمن المجتمع والمواطنين.
7. انتهاج سياسة خارجية تراعي تحقيق المصالح القومية للبلاد، وتؤكّد على استقلال القرار الوطني، وتحترم المبادئ والأسس الواردة في المواثيق والعهود الدولية، بما في ذلك مبدأ حسن الجوار.
8. كفالة الدستور والقانون للتعدّدية، والحريات المدنية والسياسية وحقوق الإنسان، ولوحدة السودان أرضاً وشعباً، وتشكيل حكومة انتقالية تُمثّل فيها كافة القوى السياسية، وتتولى تنفيذ كافة بنود الاتفاق السياسي، وتنظيم انعقاد مؤتمر قومي لمراجعة الدستور، وتحديد موعد وترتيبات الانتخابات العامة القادمة، وفقاً لما يتم الاتفاق عليه في المؤتمر الدستوري.
9. تعهد الأطراف جميعاً بالوقف الفوري والشامل للحرب، ونبذ الاقتتال بكافة أشكاله وذلك في حالة الاتفاق على المبادئ المذكورة عاليه (البنود 1 – 8).
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم