إبراهيم برسي
zoolsaay@yahoo.com
وأنا أتجول بين الأخبار العابرة على اليوتيوب، ساقتني خوارزميات المصادفة السوداء إلى قناة “أمدرمان الفضائية” – أو هكذا تُسمّي نفسها – التي يديرها الإعلامي حسين خوجلي، أحد أبرز تجار الأوهام في سودان الإنقاذ.
قناة لا تمتّ للفضائيات بصلة، لا بثًّا ولا احترافًا ولا مبدأ، بل مجرد صفحة يوتيوب، يستطيع أي فتى أو غلام أن يؤسس مثلها خلال دقائق وبدون مقابل. واللافت أن حسين، الذي كان بالأمس القريب يمتلك استوديوهات وقنوات ممولة من خزائن الدولة ومن دم دافعي الضرائب، والجبايات، ودمغة الشهيد، وكل مسميات الارتزاق لنهب المواطن، انتهى به الحال “صانع محتوى”، يترزّق من مشاهدات متفرقة وأموال إعلانات لا تسمن ولا تغني من نفاق.
وما يزيد مرارة هذا المشهد، أنه يعلّق اسمه على قناته تحت لافتة “أمدرمان”، كما لو أن المدينة العريقة قد باركته بلقبها، بينما هي منه براء.
تسميته للقناة بـ“أمدرمان” ليست بريئة، بل محاولة فاشلة لاختطاف هوية جماعية لا تقبله.
حسين خوجلي، الذي لم يكن يومًا ابنًا لأمدرمان في السلوك أو في الرؤية، يصرّ على حشر اسمه تحت لافتتها، وكأن الاسم يعوّض له غربة الداخل وانكشافه أمام الناس.
لكن المثير للاشمئزاز لم يكن فقر المحتوى ولا رداءة الصوت، بل ذلك المشهد الكريه الذي جلس فيه حسين، بلهجته “المايصة” المعتادة، وهو “يتحدّث” عن الشاعر القامة أبو آمنة حامد.
لم يكن حديث تقدير ولا اعتراف بجَمال الموقف، بل تلميح مبطّن وتشويه ماكر لرجل عاش ومات وهو أنظف من يد حسين، ومن فكره.
تحدّث حسين عن أبو آمنة بوصفه شاعرًا فقيرًا، مسترزقًا، ينتقل بين الصحف بحثًا عن ثمن الإيجار. وكأنه يمدحه، لكن النبرة الخفيّة كانت تنضح شماتةً، وتستبطن تقليلًا من شأن شاعر عظيم وقف ضد النظام، ورفض القهر، وسخر من الطغيان، وهو يكتب عموده “دبايوا” الذي كان سببًا في ارتفاع توزيع صحيفة “ألوان” نفسها، التي امتلكها حسين خوجلي بأموال الكيزان وبقروض لا تُردّ.
نعم، أبو آمنة حامد كتب في “ألوان”. وكان ذلك في زمنٍ ضاق فيه الهامش، فاضطرّ إلى أن يمرّ من بوابة الذئب ليوصل كلمته إلى الناس.
وللأمانة، أنا لم أكن كاتبًا في “ألوان”، بل كنت حينها أعمل رئيسًا لقسم التصميم في مؤسسة “المساء الدولية للإنتاج الإعلامي”، حيث اجتمع تحت سقفها عددٌ غير قليل من معارضي حسين خوجلي والنظام، لا باعتبارها وكرًا آمنًا، بل كإحدى تلك المفارقات السودانية التي تسمح للأضداد أن يلتقوا قسرًا تحت ضغط الضرورة. أما أبو آمنة، فكان يكتب عموده الأسبوعي من منزله، ولم يكن له أي حضور فعلي في مقر الصحيفة. كتب، لأنه أراد أن تصل كلمته للناس بأي وسيلة، لكن دون أن يمدّ يده أو يتنازل عن شيء.
لكنه لم يكتب مدحًا، ولم يبع قلمه كما فعل غيره. كتب بأسلوبه الساخر، رافعًا سقف الطرافة إلى حدود المواجهة، وكثيرًا ما تبرأ حسين من مقال “دبايوا” أمام الأجهزة الأمنية و الإعلامية، وكأنّ أبو آمنة لا ينتمي إلى مؤسسته الصحفية.
ولم يكن الأمر مفاجئًا، فحسين خوجلي لطالما قدّم نفسه كناشر، لكنه في الحقيقة لم يكن أكثر من تاجر مأجور، او وكيل أمني متنكر في ثوب صحفي، يتلقى التوجيهات من شارع المك نمر وينفذها في هيئة افتتاحيات.
وأذكر حين جاء أبو آمنة ليطالب بحقه في الكتابة – وأنا كنت شاهدًا على بعضها – كان حسين وقتها يتهرّب، ويتذرّع بأن “القروش لسه ما نزلت، او الشيك ما وصل”، ويستميت ويتمنّع عن الدفع.
كان حسين خوجلي، الذي يسترزق من كل شيء، يعتاش يومها من قلم الرجل الذي يزدريه اليوم في تسجيلاته البائسة.
حسين – كعادته – لا يمدح، بل يستنطق جثث الشعراء ليبرّر حياته الباهتة.
يجرّ أبو آمنة من عليائه، ويجلسه على كرسي خشبي أمام الكاميرا، ليقول له: “كتبت لي… وأنا لم أدفع. لكنها كانت أيامًا لها إيقاع.”
حديث يتظاهر بالإعجاب، لكنه يبني سردية خبيثة تجعل من أبو آمنة فقيرًا انتهازيًا يتسوّل الكتابة، لا شاعرًا نزيهًا واجه السلطة ثم دفع الثمن.
لكن حسين لا يدري أن بعض الفقر علامة.
أبو آمنة حامد لم يكن فقيرًا، بل نقيًا.
وحسين، لم يكن غنيًا، وإنما مُلوَّثًا.
أبو آمنة كان فقيرًا لأنه ركب الحافلات العامة وهو الدبلوماسي، وضابط الشرطة الذي لم يرتشِ، وهو الذي احتسى القهوة في الشارع، لا في مكاتب المكائد.
وكان فقيرًا لأنه كتب ما يشبهه، لا ما يُملى عليه.
وكان فقيرًا لأنه حين مات زُوّرًا، لم يغضب، بل قال:
“ديل كتلوني ساكت… لكن السُكر والبُن ديل ما برجعوا.”
(ولو أني أشك في صحة رواية السُكر والبُن ديل ما برجعوا).
ياخ يا حسين، لو كنت فعلًا تتأمل وعندك ذائقة فنية، زول يقول: “وشوشني العبير فانتشيت، وساقني الهوى فما أبيت”
ده زول ممكن يقتلوه شخصيته… وهو الميت الحي.
إن محاولة حسين خوجلي اليوم إعادة تدوير أبو آمنة في صورة الهامشيّ المتسوّل، ليست سوى إسقاط نفسيّ وقح.
فمن الذي كان يعيش على أكتاف الدولة؟
من الذي أثراه حسن الترابي بقروض “حسن النية”؟
من الذي بنى قناته بإعفاءات لا يمنحها القانون إلا للمقرّبين من “الرساليين”؟
ومن الذي يدين له ديوان الزكاة، لا لأنه محتاج، بل لأنه “مهم للدعوة”؟
كل الذين عملوا مع حسين في “ألوان” و”المساء” و”أيام لها إيقاع” يعرفون جيدًا أنه لم يكن يدفع الرواتب إلا عند تهديده، وأنه يتعامل مع الفنانين والصحفيين كعمالة موسمية بلا حقوق. الصحيفة كانت تصدر، والأعمدة تُكتب، لكن المال لا يصل، وحسين دائمًا لديه سبب آخر لتأجيل الدفع، وأنا شاهد على ذلك وكنت واحدًا من هولاء.
اليوم، وبعد أن انفضّ سامر الإنقاذ، لا يزال حسين خوجلي يحاول أن يكون شيئًا.
لا يستطيع أن يكتب، ولا أن ينتج، ولا أن يصنع شيئًا من ذاته، فيتّكئ على الماضي الذي لم يملكه، وعلى الرجال الذين لم ولن يشبههم، وعلى القامات التي مرّت بجانبه ولم تنظر إليه.
يتحدث عن أبو آمنة ليس حبًا فيه، بل لأن الحديث عنه يزيده مشاهدات، ويوفّر له مادة يتكسّب منها، كما اعتاد طوال عمره أن يتكسّب من الآخرين.
وبينما يحكي عن أبو آمنة، يتكلم عن فقره وظرفه، لكنه لا يتحدث عن ديوان “ناصريون نعم”، ولا عن الأغنيات التي صاغها الشاعر وصارت نشيدًا للشعب.
يتغافل عن “بنحب من بلدنا”، ويتناسى “سال من شعرها الذهب”، ويقفز على وقفة أبو آمنة في وجه الزبير محمد صالح عندما خيّره بين الرصاصة والبيت.
إن حسين لا يتحدث عن أبو آمنة.
بل يتحدث عن جرحه هو.
يحاول أن يغسل سواد ماضيه بالحديث عن رجل عاش نظيفًا ومات خفيفًا على الأرض.
هو لا يروي سيرة شاعر، بل ينتقم من نبلٍ لم يعرفه.
استرزق من قلم أبو آمنة حيًا، ثم أراد أن يسترزق من سيرته ميتًا.
أي قاعٍ أخلاقي يمكن أن يحوي هذا المشهد؟
فالشاعر الذي مات وهو حيّ، يُقتل الآن وهو ميت.
لا برصاص، بل بـ“محتوى”…
بكاميرا مشروخة…
وبرغبة خائبة في تبرير السُحت.
حسين خوجلي، في كل تسجيل يصدره، يؤكد لنا شيئًا واحدًا:
أنه لا يزال، كما كان دائمًا، طفيليًا بغيضًا يعيش على دم الآخرين.
بالأمس على أموال الدولة، واليوم على ذكريات الراحلين.
لكن الذاكرة لا تُشترى بالمشاهدات، ولا تُقنعها المونتاجات.
والناس لا تنسى.
لا تنسى أن أبا آمنة مات حرًّا،
بينما حسين لا يزال أسيرًا لسلطة سقطت، ولا يزال يلعق حذاءها القديم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم