حقوق المُلاّك في مشروع الجزيرة: فجوة تشريعية تنتظر المعالجة

aminoo.1961@gmail.com
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي

من على البُعد، شاءت الأقدار والظروف أن نتابع عبر وسائل الإعلام فعاليات الورشة القانونية التي أُقيمت بالأمس على أرض الواقع، وفي مكان الوجع الحقيقي، ونظّمتها إدارة مشروع الجزيرة بالتعاون مع وزارة العدل – الإدارة القانونية بمشروع الجزيرة، لمناقشة القوانين واللوائح التي تنظم العمل داخل مشروع الجزيرة.

وقد علمتُ مؤخرًا أنه تم تأجيل إصدار توصيات الورشة ومخرجاتها لمدة أسبوع، وذلك على ضوء الأوراق والمناقشات التي قُدّمت خلالها من قبل الحضور من ذوي القامات السامية والخبرات الرفيعة، في خطوة تعكس أهمية التأنّي في معالجة هذا الملف المعقّد.

وفي هذا السياق، وقبل صدور التوصيات والمخرجات النهائية للورشة، يجدر بنا الإشارة إلى أنه بعد صدور قانون تسوية وتسجيل الأراضي لسنة 1925م، صدر قانون إيجار أراضي مشروع الجزيرة لسنة 1927م لاستكمال الإطار القانوني للمشروع عقب إنشاء خزان سنار. وكان الهدف الأساسي من هذا القانون تنظيم العلاقة بين الدولة والمزارعين في ما يتصل بحيازة الأرض واستغلالها الزراعي. وقد مثّل هذا القانون أحد الأعمدة التشريعية التي كرّست فلسفة الإدارة الاستعمارية للمشروع، القائمة على السيطرة الحكومية على الأرض وضمان استقرار الإنتاج، لا سيما محصول القطن.

وقد نصّ القانون على اعتبار أراضي المشروع ملكًا للدولة، مع منح المزارعين حق الإيجار طويل الأجل بدلًا من التمليك، الأمر الذي أدّى إلى نزع السيطرة القانونية التقليدية للملّاك المحليين، وتحويلهم إلى مزارعين مستأجرين مرتبطين بعقود تحدد نوع المحصول، ودورة الزراعة، وأساليب الإنتاج. وبهذا، أصبح المزارع جزءًا من منظومة إنتاجية خاضعة لتوجيه الإدارة، لا فاعلًا مستقلًا في اتخاذ القرار الزراعي. كما مكّن القانون إدارة المشروع من إعادة توزيع الحواشات، وفرض الالتزامات الزراعية، وإنهاء عقود الإيجار في حال مخالفة الشروط، مما عزّز الطابع الانضباطي للمشروع، لكنه في المقابل وفّر قدرًا من الاستقرار القانوني والإنتاجي. ورغم إسهام هذا الإطار في نجاح المشروع اقتصاديًا في بداياته، إلا أنه أسّس لإشكالية تاريخية تمثلت في ضعف حقوق المُلاّك في الأرض، وهي إشكالية استمر أثرها في القوانين اللاحقة حتى ما بعد الاستقلال.

وفي عام 2005م، صدر قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005م، حيث نصّت المادة (2/2) منه على إلغاء قانون إيجار أراضي الجزيرة لسنة 1927م، مع الإبقاء على اللوائح والأوامر والقواعد الصادرة بموجبه سارية ونافذة إلى حين تعديلها أو إلغائها وفقًا لأحكام القانون الجديد.

واستكمالًا لخطط الإصلاح الزراعي المعلنة آنذاك، صدر قانون أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني لسنة 2011م، بوصفه إطارًا قانونيًا يهدف إلى تنظيم وتفعيل دور المزارعين والمنتجين في مجتمعاتهم، عبر تكوين جمعيات وتنظيمات مهنية تمثّلهم، وتسهم في تطوير الإنتاج، وتحقيق العدالة، ورفع الإنتاجية.

ويمتد مشروع الجزيرة على مساحة تُقدّر بنحو 2.2 مليون فدان، تتوزع بين نحو 1.3 مليون فدان أراضٍ حكومية بنسبة (58%)، وحوالي 900 ألف فدان أراضٍ مملوكة للأهالي (الملك الحر) بنسبة (42%)، تشمل نحو 518 ألف فدان في الجزيرة و382 ألف فدان في امتداد المناقل. وقد كان مُلّاك هذه الأراضي يتلقّون، في السابق، أُجرة من الحكومة مقابل استخدام أراضيهم والانتفاع بها، غير أن هذه الحقوق توقفت عقب إلغاء قانون 1927م، وتراكمت المستحقات المالية، مع إخفاق الدولة في الإيفاء بها.

ومن ثمّ، تبرز ضرورة قانونية مُلحّة لإصدار تشريع خاص يحمي وينظم حقوق أصحاب الملك الحر، بوصفهم مُلّاكًا لأراضٍ مسجلة ملكية عين، ويكفل لهم حقوقهم المالية العادلة نظير الانتفاع بأراضيهم، أسوة بالتشريعات التي اهتمت بالرعاة والمنتجين. فأصحاب الملك الحر شركاء فعليون في المشروع بمساحات مقدّرة، إلا أنهم ظلّوا شركاء بلا عائد، وهو ما يستدعي إعادة النظر في أوضاعهم القانونية.

وعليه، فإن إصدار تشريع عاجل يُمكّن أصحاب الملك الحر من التنظيم والتمثيل في إدارة المشروع، ويرعى حقوقهم العادلة مقابل الانتفاع بالأرض، ويحدّد مقدار الأُجرة المستحقة وطرق تحصيلها من العوائد التي تعود لإدارة المشروع، بما في ذلك أُجرة الأرض والمياه وغيرها، وفق نسب عادلة ومقدّرة، يُعد أولوية تشريعية قصوى في مسار الإصلاح القانوني الشامل لمشروع الجزيرة، ويضع الحقوق في نصابها الصحيح، ويُمكّن الإدارة من الوفاء بالتزاماتها تجاه مُلّاك الأراضي

عن امين الجاك عامر

امين الجاك عامر

شاهد أيضاً

الإِبري وليلة النصف من شعبان في الذاكرة السودانية: طقوس البركة واللَّمّة التي افتقدناها

بقلم: امين الجاك عامر المحاميaminoo.1961@gamil.com قبل نهاية شهر رجب من كل عام،تكون كل الأعمال التحضيرية …