حقيقة الاستغناء وسلام الروح
في حوار الرومي والتبريزي
بقلم: السر جميل
في غمرة هذا العصر المكتظ بالضجيج، حيث أصبحت المشاعر بضاعة تعرض في أسواق رخيصة وشعبية، يقف الإنسان معلقا بين لهفة الرحيل ومرارة البقاء. نعيش في واقع باتت فيه العلاقات هشة كخيوط العنكبوت، وتراجعت فيه القيم الذاتية لصالح المظاهر الكاذبة. وسط هذا الشتات النفسي، تستوقفنا تلك المحاورة الخالدة ذات البعد الروحي العميق بين جلال الدين الرومي وأستاذه شمس الدين التبريزي، لتضع مرآة صادقة أمام شقائنا المعاصر.
سأل جلال الدين الرومي صديقه شمس الدين التبريزي: كيف تبرد نار النفس؟ رد عليه: بالاستغناء، استغن يا ولدي، فمن ترك مَلك.
رد الرومي: وماذا عن البشر؟ قال: هم صنفان، من أراد منهم هجرك وجد في ثقب الباب مخرجا، ومن أراد ودك، ثقب في الصخرة مدخلا.
إن التبريزي يضع يده هنا على الجرح الأشد إيلاما في التجربة الإنسانية. إن نار النفس التي تحرق أرواحنا اليوم ليست إلا وليدة التشبث الزائف بالأشياء والأشخاص، ونتيجة حتمية لتعليق طمأنينتنا على حبال الآخرين المتهرئة. كم نستهلك من أعمارنا في الركض خلف من لا يلتفتون، وكم ننزف من مشاعرنا لنحافظ على صور تهرأت في مخيلتنا قبل واقعنا! نتوهم أن القيمة تكمن في الامتلاك والإمساك الشديد، بينما الحقيقة الجلية تقول إن الحرية الحقيقية والنبل الأصيل يبدآن من قدرة المرء على “الترك”. فالاستغناء ليس زهدا في الحياة بقدر ما هو صيانة للكرامة، وترفع عن الركض في دروب لا تفضي إلا إلى الانكسار.
وما أشد الحزن حين نتأمل معيار التبريزي للبشر في عالمنا اليوم. لقد أضحينا نعيش في زمن المبررات الواهية، حيث يصنع من ثقب الإبرة عذر للهروب والجفاء. يكفي تعثر بسيط أو هفوة غير مقصودة ليجد أحدهم في “ثقب الباب” مخرجا واسعا ينسل منه متملصا من كل أواصر الود والعهد، وكأن كل ما كان بينهما لم يكن سوى ظلا زافا. وفي المقابل، أضحت المعادن الصلبة والأرواح الصادقة نادرة كالكبريت الأحمر، أولئك الذين حين يصدمهم جدار الظروف أو تقلبات الأيام، لا يترددون في أن “يثقبوا في الصخرة مدخلا” يصلون من خلاله إلى قلبك، نصرة لعهدهم وإخلاصا لودهم.
إن واقعنا المعاصر أورثنا ألما حزينا، لأننا تناسينا أن الروابط الحقيقية لا تقاس بالكلمات المزخرفة، بل بالقدرة على البقاء وسط العواصف. إن النفس لا تهدأ ولا تبرد حيرتها إلا حين تتخفف من أثقال التعلق الصغير، وتدرك أن من يتخلى عنك بحجة واهية لم يكن يوما حاضرا بقلبه، وأن من يحبك بحق يستطيع أن يخلق من استحالة الصخر خرقا للوصول إليك.
إن التحرر من سطوة الخيبات يبدأ حين ندرك حقيقة الاستغناء، أن تخلع عن روحك قيد الانتظار، وتوقن أن من ملك نفسه باستغنائه فقد حاز الملك كله، وأن من ترك شيئا لله عوضه بسكينة لا تقاس.
من سلسة مقالات للأسرة
