حكومة “الضرورة” أم هندسة تفكيك الدولة؟ قراءة في إعادة إنتاج الانهيار تحت غطاء الشرعية

زهير عثمان

في لحظة سودانية بلغت فيها الدولة حدّ التآكل الكامل، يظهر ما يسمى بـ“حكومة السلام” بوصفه مشروعاً سياسياً جديداً يُراد له أن يُقدَّم كبديل انتقالي
لكن القراءة السياسية المجردة من المجاملة تكشف أن هذا الكيان ليس سوى إعادة تدوير للانهيار نفسه، وتكريس لواقع التفكك الذي فرضته الحرب، لا محاولة للخروج منه
هذه ليست حكومة انتقال، بل سلطة أمر واقع ثانية تتقاسم مع سلطات أخرى جسد دولة منهارة، وتعيد إنتاجها في أشكال متعددة من السيطرة المسلحة
شرعية السلاح لا شرعية الشعب
الادعاء الأساسي الذي يُبنى عليه هذا المشروع هو “سد الفراغ الإداري”. لكن هذا خطاب مضلل سياسياً، لأنه يتجاهل السؤال الجوهري- من منح هذه السلطة حق الحكم؟

الواقع أن الشرعية هنا لا تأتي من شعب، ولا من تفويض، ولا من عقد اجتماعي، بل من قوة عسكرية تفرض وجودها على الأرض , وبذلك يتحول مفهوم الدولة إلى مجرد امتداد للسيطرة الميدانية، لا مؤسسة جامعة
هذه ليست سابقة انتقالية، بل نموذج كلاسيكي لتفكك الدولة إلى إدارات حرب تتقاسم الجغرافيا والموارد
من الدولة إلى اقتصاد الغنيمة
ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل تحول جذري في طبيعة الدولة نفسها. فقد انهارت الوظيفة الأساسية للدولة، لتحل محلها منظومات تنافس على الموارد: الذهب، الموانئ، المعابر، وشبكات التهريب
في هذا السياق، تصبح “حكومة السلام” ليست جهازاً خدمياً، بل إدارة اقتصادية لمناطق نفوذ مسلحة، تُعيد تنظيم تدفقات الثروة داخل منظومة الحرب
النتيجة هي ترسيخ نموذج خطير – اقتصاد دولة ميتة تُدار كغنيمة موزعة بين قوى السلاح
العفو السياسي و شرعنة الإفلات من العقاب
في المقابل، تعتمد الأطراف العسكرية الأخرى على سياسة “الانشقاق مقابل العفو”. هذه السياسة تُقدَّم كأداة لوقف الحرب، لكنها في جوهرها أخطر من الحرب نفسها
فهي تعني ببساطة -لا مساءلة عن الجرائم , لا عدالة انتقالية حقيقية , ولا اعتراف بحق الضحايا

إنها عملية إعادة إدماج للمسلحين داخل بنية السلطة دون تفكيك شروط العنف نفسها. وهذا يعني أن الحرب لا تُنهى، بل يُعاد ترتيبها سياسياً فقط
تفكك الدولة إلى كيانات متوازية
ما يميز الوضع السوداني الحالي ليس فقط تعدد الفاعلين، بل تعدد “الشرعيات” نفسها – سلطة مركزية في بورتسودان
سلطة موازية في مناطق الدعم السريع
كيانات سياسية مدنية بلا قوة تنفيذية
وضغط إقليمي متشابك فوق الجميع
هذا لا يمثل تعددية سياسية، بل انهيار مفهوم الدولة الواحدة وتحولها إلى كيانات متوازية متصارعة
في هذه الحالة، يصبح الحديث عن “حكومة وطنية” مجرد غطاء لغوي لواقع التفكك
الخارج داخل المعادلة
لا يمكن فصل ما يجري عن البيئة الإقليمية. فالسودان اليوم لم يعد ساحة صراع داخلي فقط، بل أصبح مسرحاً لتوازنات إقليمية ودولية تتداخل فيه مصالح الأمن والموارد والممرات الاستراتيجية
وهذا يعني أن أي حكومة تُنتَج داخل هذا السياق لن تكون مستقلة بالكامل، بل جزءاً من شبكة نفوذ أوسع تعيد تشكيل القرار الوطني من خارجه
إدارة الانهيار لا إنهاؤه
السؤال الحقيقي ليس – هل يمكن لهذه الحكومة أن تنجح؟ بل هل يُراد أصلاً إنهاء الحرب أم فقط إدارتها بأشكال جديدة؟
كل المؤشرات تقول إن ما يجري ليس مشروع سلام، بل مشروع إعادة توزيع للسلطة داخل الانهيار , أي أننا لا نخرج من الحرب، بل نعيد تنظيمها سياسياً واقتصادياً
إن أخطر ما في اللحظة السودانية ليس استمرار القتال فقط، بل محاولة تطبيع الانهيار كحالة حكم
وفي ظل غياب مشروع وطني جامع، وغياب مركز سيادي موحد، ستظل “حكومات الضرورة” مجرد واجهات متبدلة لواقع واحد ,
دولة تتفكك تحت إدارة السلاح، لا تحت إدارة السياسة

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

السودان 2026 دولة تُفكَّك أمام أعين العالم

زهير عثمان ما يحدث في السودان اليوم ليس حربًا أهلية بالمعنى التقليدي، ولا صراعًا عابرًا …