القاهرة ـ «القدس العربي»: لا تزال الحملة التي تشنها الأجهزة الأمنية المصرية وتستهدف اللاجئين تلقي بظلالها في البلاد، خصوصا أنها طالت طلاب الأزهر الوافدين.
قلق وخوف
ونشر الطالب الأزهري عرفات حسين بياناً باسم طلاب الأزهر الوافدين على صفحته على موقع «فيسبوك»، قال فيه إنهم «جاءوا إلى مصر طلبًا للعلم، واحترامًا لقانونها، وثقةً في تاريخها ومكانتها كقبلةٍ لطلاب العلم من أنحاء العالم».
وأضاف: «لكن في الآونة الأخيرة نعيش حالة قلق وخوف حقيقيين بسبب ما نراه من توقيفات متكررة واعتقالات موسّعة لطلاب وافدين، بعضهم طلاب نظاميون، مسجلون رسميًا، ولم يرتكبوا أي مخالفة».
ولفت إلى أن «الأمر الأخطر أن كثيرًا منا، أثناء إجراءات تجديد الإقامة الطلابية، يتم سحب جوازات سفرهم من قِبل مصلحة الجوازات والهجرة لفترات طويلة، تمتد لأكثر من 14 يوما، وأحيانا تصل إلى شهرين كاملين».
ووفق البيان «خلال هذه الفترة، يصبح الطالب، بلا جواز سفر، وبلا إثبات فوري لوضعه القانوني، ومعرّضًا للتوقيف في أي وقت، رغم أنه ملتزم بالإجراءات الرسمية نفسها».
وقد خلق هذا الوضع «حالة عدم أمان حقيقية بين آلاف الطلاب، وجعلهم يشعرون بأنهم «محاصرون بين إجراء إداري إلزامي وخطر التوقيف».
وأكد الطلاب أنهم لا يرفضون تطبيق القانون، ولا يطالبون باستثناء، ولا يسيئون إلى أي جهة، وأن مطالبهم تتمثل في وقف الاعتقالات العشوائية للطلاب النظاميين، وحماية قانونية واضحة للطالب خلال فترة تسليم الجواز، وتوضيح رسمي يطمئن الطلاب ويحدد الإجراءات بوضوح.
ووجّه الطلاب نداءٍ خاصا إلى الأزهر الشريف بوصفه الجهة الأكاديمية الراعية لهم، وإلى وزارة الداخلية ومصلحة الجوازات والهجرة بوصفها الجهة المختصة، دعوهم فيها للتدخل العاجل لحماية طلاب الأزهر الوافدين، وصون كرامتهم، وضمان أمنهم القانوني، حتى يتمكنوا من إكمال رسالتهم العلمية في طمأنينة واستقرار.
في السياق، قالت مؤسسة ومنسقة برامج مبادرة «مدد» المصرية شيماء سامي، لدعم اللاجئين والمهاجرين، إن المبادرة ترصد متوسط 5 إلى 10 حالات توقيف يومياً بحق لاجئين ومهاجرين سودانيين في مصر، تشمل نساءً وشباباً وكبارا في السن، في نمط وصفته بـ «المختلف» مقارنة بما كان سائداً خلال العامين الماضيين.
وأكدت سامي تسجيل حالة وفاة واحدة فقط بين المحتجزين خلال الأيام الماضية، لافتة إلى أن الوفاة ارتبطت بعدم مراعاة الوضع الصحي والعُمري داخل أماكن الاحتجاز، وهو ما دفع المبادرة إلى إعطاء أولوية لكبار السن في التدخلات القانونية السريعة.
تقديرات بتوقيف 5 آلاف في أسبوعين …. وطلاب الأزهر الوافدون يشتكون
وبينت أن المبادرة تلقت معلومات تفيد بإلغاء اتجاه سابق لتخفيض تكلفة التصريح الأمني لدخول مصر، ورفع الرسوم مرة أخرى إلى ما بين 2000 و2500 دولار للفرد الواحد، بمن في ذلك الأطفال الرضع، معتبرة أن هذه الخطوة تأتي في سياق محاولات تقليل أو منع دخول المهاجرين السودانيين إلى مصر، أو دفع الموجودين منهم للعودة إلى السودان.
وأضافت أن بعض الموقوفين يُخلى سبيلهم بعد تصحيح الأوراق أو التأكد من سلامتها خلال أيام، أو في اليوم ذاته في بعض الحالات، بينما تطول مدة الاحتجاز لدى حالات أخرى، لا سيما من انتهت إقاماتهم وتقدموا بطلبات تجديد رسمية وما زالوا في وضع انتظار قانوني.
ونفت سامي صحة ما جرى تداوله بشأن وفاة طفلتين سودانيتين جوعاً في القاهرة عقب اعتقال والدتهما وترحيلها إلى السودان، مؤكدة غياب أي توثيق أو مصدر موثوق لهذه الرواية، ووصفتها بأنها غير منطقية، محذّرة من خطورة انتشار الإشاعات والإعلام الأصفر لما له من أثر سلبي مباشر على أوضاع السودانيين في مصر.
وكان اللاجئ السوداني مبارك قمر الدين، البالغ من العمر 68 عامًا والمقيم في القاهرة، لقي حتفه داخل أحد مراكز الاحتجاز.
وكان مبارك يشتري بعض احتياجات منزله عندما باغتته إحدى الحملات الأمنية التي انتشرت خلال الأشهر الماضية، وتزايد نشاطها منذ مطلع العام الجاري. وحسب أسرته: قوات الحملة ألقت القبض على مبارك نهاية الشهر الماضي، واحتجزته في قسم شرطة الشروق، رغم حمله أوراقًا قانونية سليمة، حيث كانت بطاقة المفوضية سارية، ولديه موعد رسمي محدد لتجديد إقامته.
وبينت أن مبارك كان يعاني من مرض السكري وقصور في وظائف الكلى، وتدهورت حالته الصحية خلال فترة احتجازه التي استمرت 9 أيام داخل قسم الشرطة، قبل أن تنتهي بوفاته إثر إصابته بنوبة سكر، ليوارى جثمانه الثرى مساء يوم الجمعة الماضي.
ودعت صفحة الجالية السودانية في مصر النائب العام والأجهزة الرقابية إلى فتح تحقيق في الواقعة، كما طالبت السفارة السودانية بالقيام بدور فاعل في دعم رعاياها، لا سيما كبار السن والمرضى.
5 آلاف
ويلاقي السوريون ما يلاقيه السودانيون خلال تلك الحملات من توقيفات على الطرق، وفي مناطق تجمعهم وأماكن عملهم.
وقدرت «منصة اللاجئين في مصر» عدد من تم توقيفهم خلال الأسبوع الخير من شهر يناير/ كانون الثاني الماضي والأسبوع الأول من شهر فبراير/ شباط الجاري بحوالي 5 آلاف شخص.
وقالت المنصة إن الحملة استهدفت بشكل أساسي الجنسيتين السورية والسودانية، كما ظهر في مشاهد القبض على اللاجئين من المقاهي والمواصلات. وأرجعت السبب في الحملة إلى خطاب داخلي بين أجهزة أمنية داخل وزارة الداخلية تم تعميمه في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، يتضمن توجيهات للقيام بحملات مشتركة والتنسيق مع قطاعي الأمن الوطني والأمن المركزي، لفحص الأجانب المقيمين في البلاد والوحدات السكنية التي يقطنها حاملو جنسيات أجنبية للوقوف على مدى مشروعية إقامتهم داخل الأراضي المصرية وصلاحية الإقامات الممنوحة لهم ومشروعية دخولهم للبلاد.
وقال أحد السوريين المقيمين في مصر، إن التغييرات القانونية الخاصة بتقنين إقامات السوريين تسببت في انتقال عدد كبير منهم من وضع «الإقامة الرسمية» إلى وضع «محاولات الحصول عليها». ولفت إلى أن معظم السوريين كانوا يعتمدون سابقًا على الإقامة السياحية لتقنين أوضاعهم، لكن بعد وقف تجديدها في عام 2024 اضطر كثيرون للجوء إلى مفوضية اللاجئين للحصول على «الكارت الأصفر» ثم الحصول الإقامة الدائمة، وهي إجراءات تستغرق وقتًا طويلًا، إذ يحصل بعضهم على مواعيد مؤجلة تمتد إلى عامين. وكانت عشر منظمات حقوقية أصدرت بيانًا قالت فيه إن مصر تشهد تصعيدًا غير مسبوق في الممارسات بحق اللاجئين والمهاجرين، يتجلى بوضوح في استهداف اللاجئين السوريين، الذي بدأ عبر تغييرات إدارية وقانونية مفاجئة، ترافقت مع حملات أمنية واسعة النطاق.
واعتبرت أن هذا التصعيد لا يمثل تطبيقًا لقواعد الإقامة، بقدر ما يعكس محاولات «ترحيل مقنّع» تهدف إلى دفع اللاجئين لمغادرة البلاد تحت وطأة الضغط والخوف.
تعطيل تجديد الإقامات
وأضافت أن القرارات الصادرة في عام 2024، والتي عطلت تجديد الإقامات السياحية وشددت شروط الإقامة وربطتها بمسارات محدودة، مثل التسجيل لدى مفوضية اللاجئين أو الدراسة أو الاستثمار، دفعت عشرات الآلاف من السوريين إلى حالة «انتظام قانونية» فُرضت عليهم قسرًا، في ظل مواعيد ممتدة للحصول على الإقامة أو حتى حجز موعد لدى إدارات الجوازات، تصل في بعض الحالات إلى عامين.
ودعت السلطات المصرية إلى إقرار مسارات قانونية عادلة وواضحة لتقنين أوضاع اللاجئين، والاعتراف بالمستندات المؤقتة، وضمان الرقابة القضائية على احتجاز اللاجئين وطالبي اللجوء، فضلًا عن تمكين المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من الوصول إلى جميع المحتجزين، وتقديم المشورة القانونية لهم، والطعن في قرارات الترحيل قبل تنفيذها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم