نزار عثمان السمندل
يتقدم محمد حمدان دقلو، حميدتي، بخطاب جديد يريد له أن يبدو ولادة سياسية ثانية. حضورٌ مصقول في كمبالا، إيماءات محسوبة، زيٌّ أفريقيّ الزخرفة، ولقاء مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، ثم إعلان صريح بأنّه أفريقي الهوية، وأنّ حل أزمة السودان ينبغي أن يُصاغ في الفضاء الأفريقي.
مشهد كامل الإخراج، كأن الرجل يجرّب جلداً آخر تحت ضوء إقليمي يتبدّل.
الرسالة واضحة في طبقاتها العميقة. ضغطٌ ميداني يشتد، عزلة دبلوماسية تتكاثف، وتوازنات عربية تميل إلى البرهان. هنا يختار حميدتي أن يرفع راية «الأفريقانية» على أنها منصة ارتكاز، ويضيف إليها إعلاناً بالعلمانية، في محاولة لإعادة تعريف موقعه داخل الصراع.
انعطافة رمزية تقترح قطيعة مع تموضع سابق، وتفتح باباً لتحالفات تُبنى على تقاطع المصالح لا على سرديات الهوية.
الانعطافة نفسها تفسّر حدّة الهجوم على منبر جدة. انتقاد الوساطة السعودية – الأميركية جاء متأخراً، وفي توقيت يثير أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات.
المنبر تأسس لتثبيت هدنة إنسانية وحماية المدنيين. تحميله تعثّر المسار يخفف عبء المسؤولية عن أطراف التفاوض، ويختزل تعقيد الميدان في عنوان دبلوماسي. الوقائع على الأرض تحدّثت بصوت مختلف؛ تمدد عسكري نحو ولايات الجزيرة والوسط، وانتهاكات جسيمة وثقتها منظمات مستقلة، بينما ظلت طاولات التفاوض تدور في حلقة مفرغة.
الرهان يتجه جنوباً وغرباً. القارة السمراء تملك دولاً مستعدة لقراءة الأزمة من زاوية مصالحها الاقتصادية والأمنية، وبعض جوار السودان تحوّل بالفعل إلى ممرات لإمدادات عسكرية تتدفق من خارج الإقليم.
في هذا المشهد، يبحث حميدتي عن شبكة أمان سياسية تقيه عواصف العزلة، وعن شرعية تُنتزع عبر اعترافات متدرجة، ولو بدأت بإشارات رمزية.
الإيحاء بترتيبات تتصل بسفارة السودان في أوغندا ينقل الصراع إلى ساحة الاعتراف الدولي. المعروف أن السفارة امتداد قانوني لدولة قائمة، لكن في حالة قائد المليشيا فإن أي محاولة لخلق تمثيل موازٍ تضع الدولة المضيفة أمام اختبار دقيق. الشرعية لا تُصاغ ببيان ولا تُختزل في علم يُرفع فوق مبنى؛ هي حصيلة اعترافات متسلسلة، ومحصلة التزامات واضحة بقواعد النظام الدولي.
في خطاب كمبالا أقرّ حميدتي بأن قطاعات واسعة من السودانيين تنظر إلى قواته بريبة وغضب، وأرجع ذلك إلى «الشفشافة». الاعتراف يلامس السطح، بينما الجرح أعمق من توصيف فكاهي.
دارفور تحتفظ بذاكرة دامية منذ سنوات الجنجويد الأولى، وفض اعتصام القيادة العامة عام 2019 ما زال جرحاً مفتوحأً في وجدان السودانيين. الحرب الأخيرة وسّعت دوائر الألم؛ قتل عشوائي، تهجير، اعتداءات موثقة، وتخريب ممنهج لمؤسسات الدولة من مستشفيات ومدارس ودور عبادة. هذه الوقائع كوّنت وعيًا جمعياً تقريباً؛ يصعب ترميمه بخطاب جديد.
حين يتحدث حميدتي عن حرب هدفها اقتلاع الإسلاميين وتفكيك «جيش الكيزان»، يعيد صياغة قصة الصراع بما يخدم تموضعه الراهن، متجاهلاً أن تاريخه السياسي ارتبط بمرحلة عمر البشير، وبشبكات تشكلت داخل تلك الحقبة. إعادة التعريف لا تمحو جذور التكوين، لكنها تحاول أن تمنح الحاضر مسافة عن الماضي.
إعلان رفض تقسيم السودان يحمل في طياته إدراكاً لخطورة السيناريو نفسه. امتلاك قوة عسكرية ضخمة، موارد مالية مستقلة، وصلات خارجية، وأرض تحت السيطرة، كلها عناصر تخلق واقعاً قابلاً للتمايز. الحفاظ على وحدة البلاد يتطلب بنية دولة واحدة وسلاحاً واحداً وقراراً سيادياً لا ينازعه أحد.
السودان يقف عند عقدة جيوسياسية تمتد من باب المندب والقرن الأفريقي إلى وادي النيل والبحر الأحمر. القوى الإقليمية والدولية تنظر إليه باعتباره نقطة ارتكاز في صراع النفوذ. في هذا السياق، تبديل الخطاب خطوة تكتيكية، بينما معادلة الحرب أعمق وأعقد. السلام يحتاج إلى تفكيك اقتصاد الحرب، ضبط السلاح خارج السيطرة، وإدماج أي قوة مسلحة ضمن مؤسسة وطنية خاضعة للقانون، مع استعداد صريح للمساءلة.
الكلمات تفتح أبواباً، غير أنّها لا تبني دولة. الشرعية تُصنع عبر أفعال متراكمة، عبر التزام معلن بنزع فتيل الصراع، وعبر قبول قواعد اللعبة الوطنية والدولية. ما عدا ذلك يظل تمريناً لغوياً في لحظة إقليمية مضطربة، والسودان أثقل من أن يُحمل على أكتاف خطاب بروتوكولي سرعان ما يذوب في ذرات الهواء عند النطق به.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم