حول كتاب “تاريخ السودان” للمدارس الأولية بين عامي 1949 و 1958م .. ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
I. Seri-Hersch ايريس سيري – هيرش
مقدمة: هذه ترجمة لشذرات مما جاء في أحد فصول كتاب ألماني عنوانه ” Freund- und Feindbilder in Schulbüchern ” (صور الأصدقاء والأعداء في الكتب المدرسية) صدر عام 2010م، وشارك فيه عدد من الكتاب بفصول عما جاء في الكتب المدرسية من صور وآراء عن الأصدقاء والأعداء في دول وثقافات وحقب تاريخية مختلفة في ألمانيا (النازية)، وألمانيا الشرقية (الديمقراطية)، والبرازيل، وإسبانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والسودان.
أظهر كتاب “تاريخ السودان” الصادر في عام 1957م استيلاء الجيش المصري – التركي على السودان في عام 1820م على أنه غزو أجنبي أمر به حاكم طموح كان يتطلع لإنشاء إمبراطورية كبيرة تشمل “كل الأراضي الإسلامية”. ويسرد الكتاب قصة ذلك الغزو ويذكر أن محمد علي باشا أمر ولده إسماعيل بغزو السودان بجيش قوامه 4000 جندي مزودين بالأسلحة الحديثة. ولم تجد تلك القوات صعوبة كبيرة في إلحاق الهزائم السريعة بجنود القبائل المحلية. وتوجت تلك القوات الغازية انتصاراتها بإسقاط “سلطنة سنار” التي كانت قد قامت في بدايات القرن السادس عشر. وبالنسبة للمستعمرين البريطانيين والاستقلاليين السودانيين في أربعينيات القرن الماضي مثل ذلك الاحتلال المصري – التركي للسودان تدخلا أجنبيا أحدثا انقطاعا مؤثرا في التاريخ السوداني. كانت تلك هي الصورة التي عرضتها الطبعة الأولى (في 1949م)، وهي ذات الصورة التي عرضتها الطبعة المنقحة (في 1957م). وكان تلاميذ الفصل الرابع في الخمسينيات يستمعون لمدرسيهم يروون لهم ذلك التاريخ شفاهة، ويعطى كل تلميذ منهم أيضا صورا لرسومات للشخصيات والأحداث التي وردت في حصص ذلك التاريخ. ومن تلك الصورة صورة لرجل سمين يجلس متربعا على كرسي مريح يدخن “النارجيلة/ الشيشة” بينما يتحدث معه ولده إسماعيل. وتعج تلك الصورة بكل ما هو غريب عن العيون السودانية من ديكور وبلاط منقوش وملابس وطرابيش وأحذية لتؤكد “أجنبية foreignness” و “غيرية/ اختلاف otherness ” المصريين – الأتراك بشواربهم الكثة المنحنية وسمنتهم المفرطة. ومن أكثر مشاهد الغزو المصري – التركي التي يحكيها المدرسون بروزا هي المقابلة التي حدثت بين المنتصر إسماعيل والمهزوم ملك الجعليين المك نمر، حين طالب إسماعيل المك بكميات ضخمة من الذهب والرقيق. ولما طالب المك بمهلة من أجل جمع ما طلب منه معتذرا بأن غالب تجار المدينة (شندي) كانوا قد غادروها، تطور اللقاء إلى صراع، حين غضب إسماعيل وقذف بغليونه في وجه نمر. وكانت تلك إهانة شنيعة لم يجد إزائها نمر غير الانتقام. فبعد تلك الحادثة بأيام دعا نمر إسماعيل (وحاشيته) إلى مأدبة فخمة ووعده بتقديم كل ما طلبه منه عقب انتهاء المأدبة. وبينما كان إسماعيل وجنده يأكلون ويشربون ويصخبون أشعل جنود نمر النار فيهم فماتوا حرقا (أو اختناقا). وبعد ذلك قام محمد الدفتردار بالانتقام من الجعليين، فأحرق قراهم وهدم شندي. أما نمر فقد فر مع أهله وأتباعه ولجأوا إلى إثيوبيا المجاورة.
خصص الكتاب المدرسي عن “تاريخ السودان” درسين عن الزبير باشا رحمة، تاجر الرقيق الشمالي الذي أصبح حاكما لمديرية بحر الغزال في 1873م، وأحتل دارفور بالإنابة عن الحكومة المصرية – التركية بالسودان في 1874م. ولمس الكتاب وهو يستعرض سيرة الرجل في مجالات التجارة والقيادة العسكرية والسياسية بعض شئون الوحدة الوطنية والعلاقات الشمالية – الجنوبية، والرق وتجارته، تلك القضية الشائكة المثيرة للنزاع. ويدين الكتاب تجارة الرقيق بحسبانها أكثر الجرائم افتقارا للإنسانية، ويحث التلاميذ على الشعور بالتعاطف مع ضحايا تلك التجارة البربرية (المقصود هو سكان جنوب السودان) حيث ورد فيه ما نصه:
لا توجد تعليقات
