تجاوزت الحرب عامها الثاني وغدت أكثر من نزاع داخلي؛ صارت حرباً على الحدود، وعلى الذاكرة، وعلى بقاء الدولة نفسها.
لم تعد الرصاصات وحدها تفتك بالمدنيين، بل انضمت إليها الأمراض والأوبئة والسيول، كأذرع أخرى للموت. عجلة الحياة توقفت: مدارس مغلقة، مستشفيات خاوية، مؤسسات مشلولة، ومشهد وطني بلا قبسٍ من ضوء.
في غرب البلاد، يتجسد العنف بأقصى حالاته: حصار الجنجويد للفاشر يختصر شكل الخذلان، ومعارك دارفور تذكّر بأن الحرب ليست طارئة، بل متجذرة في كل مدينة وكل قرية. المليشيا هاجمت كوستي وربك وكنانة، ففتحت جبهة جديدة وكشفت عن قدرتها على تبديل التكتيكات وتوسيع رقعة الفوضى. كأن السودان كله صار ملعباً مفتوحاً لقوى مسلحة لا تعترف بإنسان ولا برحمة، تُوزّع الموت على الجميع بلا تفريق.
وسط هذا الخراب، يظهر الجنرال البرهان، رأس الدولة بحكم الأمر الواقع، وهو يبتعد بالطائرة نحو الدوحة. قمة عربية – إسلامية طارئة دعت إليها قطر إثر القصف الإسرائيلي على ضيوفها من حماس. لكن المشهد يطرح سؤالاً صارخاً: أي قائد يترك وطنه يغرق في الدم والحصار ليلتحق بمسرح قمم استعراضي، لا يغيّر في موازين القوة شيئاً؟
المفارقة تذكّر بالمثل المغربي: «خلّات زوجها ممدود ومشات تعزّي في محمود». كان في وسع البرهان أن يُنيب وزير خارجيته الجديد، أو نائبه مالك عقار، أو أي وجه دبلوماسي آخر. لكنه اختار أن يحضر بنفسه، كأن الظهور أمام عدسات القمم أثمن من الوجود وسط شعب ينهار.
الخطورة ليست في السفر وحده، بل في توقيته وما يحمله من معنى. ففي اللحظة التي استعد فيها للصعود إلى الطائرة، كانت أصداء بيان «الرباعية» تهزّ الأفق بقراراتها الحاسمة بشأن السودان، فيما عقوبات واشنطن على وزير ماليته تُثقل المشهد برسائلها الواضحة: مستقبل السودان يُكتب في الخارج، بينما رأس السلطة يتنقل بخفة بين العواصم. وما بالك برئيس الوزراء المكلّف، الجوّال في المدينة المنوّرة، أو نائب الجنرال (عقار)، الغائب عن أي حضور فعلي؟
بلاد متروكة لذاتها ولقدرها. القتل والفساد يترنحان على ظهرها. شعبها يواجه المصائر الحارقة بصبرٍ يفوق صبر أيوب، يتداوى بالطين والأعشاب، «الجبايات» تلتهم اليابس قبل الأخضر. عجز الدولة مفضوح، وسخرية السلطة جليّة، وعبثية الواقع لم يبق لها من مأوى إلا صبر الغلابة المقهورين؛ الذين يرددون مع حُمّيد: “حيكومة… حاكمانا في شنو؟ وفي شان شنو؟ حيكومة ما خابرالنا شي”.
المفارقة فادحة: في الخارج يتصرّف البرهان كزعيم يبحث عن شرعية، وفي الداخل يرسّخ كل يوم عدم شرعيته. الشعب يراه جنرالاً غادر ساحات الحمى ليلتحق بمهرجان دبلوماسي، والقوى الدولية تراه رجلاً مراوغاً، يسعى إلى كسب الوقت أكثر مما يسعى إلى الحل.
التاريخ لا يرحم. القادة العظام يولدون من رحم الأزمات، لا من صالات المؤتمرات. يختارون أن يسهروا مع شعوبهم وسط الدمار ليصنعوا الفارق، لا أن يبتسموا في ردهات الفنادق. في اللحظة التي يحتاج فيها السودان إلى قائد يبلور مشروع إنقاذ وطني، يقدّم البرهان صورة معاكسة: رجل يطير خارج الحدود تاركاً وطناً يتداعى.
ليست الرحلة إلى الدوحة سوى رسالة صارخة: لا خطة للخروج من الحرب، ولا رغبة في السلام. أقصى ما يسعى إليه البرهان هو إطالة أمد الصراع، تنفيذاً لأجندة الكيزان الهاربين من محاسبة التاريخ. حضوره في قمة مثل هذه ليس سوى واجهة زائفة، بينما مشروع الإنقاذ الداخلي مؤجل إلى المجهول، وربما إلى أن تُرسم حدود السودان الجديد في عواصم الآخرين، بعيداً عن إرادة شعبه.
والسؤال الأشد إلحاحاً: هل يمضي السودان نحو إعادة إنتاج مأساة الدول الفاشلة، يُدار قرارها من الخارج ويُستنزف شعبها في الداخل؟ أم أن لحظة الاستفاقة ستولد من قلب الخراب، لتفرض على البرهان ومن معه معادلة جديدة؟
حتى الآن، المؤشرات كلها تقول شيئاً واحداً: البرهان يواصل الهرب؛ ما وسعته الحيلة، بينما النار في الداخل تلتهم ما تبقى من جدران البيت.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم