حين أُجبر مواطنو أبيي على صيد الضفادع عام 1993

حين أُجبر مواطنو أبيي على صيد الضفادع عام 1993: شهادة حية على سلوك الجيش السوداني في النزاعات الداخلية

بقلم: لوال كوال لوال

في عام 1993، في منطقة أبيي، وقعت حادثة لا تزال محفورة في ذاكرة من عاشوها وشهدوا تفاصيلها. لم تكن واقعة عابرة في سياق الحرب الأهلية، بل لحظة مكثفة تكشف طبيعة العلاقة المختلة التي كثيراً ما تنشأ بين الجيوش النظامية والسكان المدنيين في مناطق النزاع. يومها، وجد مواطنون أبرياء أنفسهم مجبرين على القيام بأعمال مهينة ومرهقة، من بينها صيد الضفادع لأن نقيقها — بحسب ما قيل لهم — كان يزعج قادة وجنود الجيش السوداني، كما أُجبروا على تجفيف خنادق عسكرية امتلأت بمياه الأمطار. هذه الرواية، التي لا يزال شهودها أحياء، ليست مادة للخيال ولا حبكة روائية، بل شهادة واقعية ينبغي التعامل معها بجدية أخلاقية وتاريخية. إن قوة هذه القصة لا تكمن فقط في غرابتها، بل في ما تكشفه من أنماط سلوك أثناء الحروب الأهلية، حيث تتآكل الحدود بين الضرورة العسكرية والانتهاك التعسفي لكرامة المدنيين. في البيئات العسكرية المنضبطة، يُفترض أن تُبنى العلاقة مع السكان المحليين على أسس واضحة من الحماية والاحترام، لأن كسب ثقة المجتمع جزء أساسي من أي عقيدة عسكرية حديثة. لكن في حالات الحرب الأهلية الممتدة، خاصة عندما تغيب المساءلة وتضعف القيادة المهنية، تنزلق بعض الوحدات العسكرية إلى ممارسات تعكس عقلية السيطرة لا عقلية الحماية. حادثة أبيي، كما يرويها شهودها، تبدو مثالاً مؤلماً على هذا الانزلاق. إجبار المواطنين على صيد الضفادع ليس مجرد تكليف بعمل هامشي، بل فعل يحمل دلالات رمزية ثقيلة. فهو يعكس اختلال ميزان القوة إلى حد تحويل المدني إلى أداة لخدمة راحة الجندي، لا إلى شخص له حقوق مصونة. والأسوأ أن هذا السلوك، حين يتكرر أو يُغض الطرف عنه، يرسخ في الوعي الجمعي صورة الجيش كقوة قهر لا كمؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الجميع دون تمييز. أما إجبار السكان على تجفيف خنادق امتلأت بمياه الأمطار، فيكشف بعداً آخر من المشكلة، وهو تحميل المدنيين أعباء لوجستية كان يفترض أن تتحملها الوحدات العسكرية نفسها. في سياق القانون الدولي الإنساني، يُعد استخدام المدنيين في أعمال قسرية مرتبطة بالمجهود العسكري مسألة شديدة الحساسية، خصوصاً إذا تمت دون رضاهم أو في ظروف تهديد وإكراه. مثل هذه الممارسات، حتى عندما يبررها بعض القادة بضرورات ميدانية، تترك جروحاً اجتماعية عميقة يصعب التئامها. اللافت في شهادات عام 1993 أن الواقعة لم تكن مجرد تصرف فردي معزول — بحسب روايات الشهود — بل جرت في مناخ عام من التوتر وعدم التكافؤ بين القوة العسكرية والمجتمع المحلي. وهذا يطرح سؤالاً أوسع: كيف تتحول بعض الجيوش في الحروب الأهلية من مؤسسات يفترض أنها وطنية إلى قوى يُنظر إليها محلياً بعين الريبة أو الخوف؟ التجارب المقارنة في النزاعات الداخلية تشير إلى نمط متكرر: كلما طال أمد الحرب، وضعفت الرقابة المؤسسية، وتغلّبت عقلية الطوارئ على الانضباط المهني، زادت احتمالات وقوع تجاوزات ضد المدنيين. ليس لأن كل الجنود سيئون بالضرورة، بل لأن البيئة التنظيمية نفسها تصبح أكثر تسامحاً مع السلوكيات الخاطئة أو أقل قدرة على ضبطها. وهنا تكمن خطورة الحادثة التي شهدتها أبيي؛ فهي تذكير مبكر بكيف يمكن للتفاصيل الصغيرة — مثل نقيق الضفادع — أن تتحول إلى ذريعة لممارسات تمس كرامة البشر. إن الإنصاف يقتضي أيضاً التمييز بين المؤسسة العسكرية ككل وبين تصرفات وحدات أو قيادات بعينها. فالجيوش، بطبيعتها، كيانات كبيرة ومتنوعة، وغالباً ما تضم ضباطاً وجنوداً مهنيين يلتزمون بالقانون والانضباط. لكن في الوقت نفسه، فإن المسؤولية المؤسسية تظل قائمة عندما تقع انتهاكات دون مساءلة واضحة أو مراجعة جادة. فالثقة العامة لا تُبنى على النوايا، بل على السلوك الملموس وآليات المحاسبة. ومن زاوية اجتماعية، فإن مثل هذه الوقائع — مهما بدت صغيرة في نظر الفاعلين وقتها — تترك أثراً بعيد المدى في الذاكرة المحلية. الأطفال الذين رأوا آباءهم يُجبرون على أعمال مهينة يكبرون وهم يحملون صورة مشوهة عن الدولة ومؤسساتها. والقرى التي تشعر بأنها عوملت بازدراء أثناء الحرب تصبح أقل استعداداً للتعاون في فترات السلم. وهكذا تتحول الأخطاء التكتيكية القصيرة الأمد إلى خسائر استراتيجية طويلة الأمد. الدرس الأول الذي تفرضه حادثة أبيي هو أن كرامة المدني ليست تفصيلاً ثانوياً في الحروب الأهلية، بل عنصر مركزي في الاستقرار المستقبلي. الجيوش التي تفهم هذا الدرس مبكراً تنجح غالباً في تقليل الاحتقان وبناء جسور الثقة حتى في أحلك الظروف. أما الجيوش التي تتعامل مع السكان بمنطق الإكراه اليومي فإنها، من حيث لا تدري، توسّع دائرة العداء وتطيل أمد الصراع. الدرس الثاني هو أن الانضباط العسكري الحقيقي يُقاس في لحظات القوة لا في لحظات الضعف. حين تكون القوات في موقع سيطرة كاملة على منطقة ما، يصبح احترامها للمدنيين اختباراً أخلاقياً ومهنياً في آن واحد. إجبار المدنيين على أعمال لا ضرورة عسكرية ملحّة لها يرسل إشارة معاكسة تماماً لفكرة الجيش المحترف. أما الدرس الثالث فيتعلق بأهمية التوثيق والذاكرة. بقاء شهود حادثة 1993 أحياء يعني أن الفرصة لا تزال قائمة لتسجيل الروايات بدقة، ومقارنتها، ووضعها في إطار تاريخي وقانوني متماسك. المجتمعات التي توثق آلامها بصدق تكون أقدر على المطالبة بالإنصاف، وأقدر أيضاً على منع تكرار الأخطاء نفسها. وفي سياق أوسع، تذكّرنا هذه الواقعة بأن الحروب الأهلية لا تُقاس فقط بعدد المعارك والضحايا، بل أيضاً بتلك التفاصيل اليومية الصغيرة التي تمس حياة الناس العاديين. أحياناً لا يكون الحدث الأكبر هو إطلاق النار، بل لحظة الإذلال الصامت التي تبقى عالقة في الذاكرة لعقود. إن القراءة النقدية لسلوك أي جيش في النزاعات الداخلية يجب أن تهدف في النهاية إلى الإصلاح لا إلى الشيطنة، وإلى التعلم لا إلى تأجيج الأحقاد. فالمؤسسات العسكرية الوطنية — في السودان وفي غيره — تحتاج إلى مراجعات صريحة لتجارب الماضي، لأن تجاهل الأخطاء لا يمحوها، بل يؤجل آثارها فقط. حادثة صيد الضفادع وتجفيف الخنادق في أبيي عام 1993، كما يرويها شهودها، تظل مثالاً صغير الحجم كبير الدلالة. إنها تذكير بأن كرامة الإنسان قد تُمس أحياناً بقرارات تبدو هامشية في غرف القيادة، لكنها في نظر من يعيشها تصبح قصة جيل كامل. وإذا كان في هذه القصة من عبرة، فهي أن احترام المدنيين ليس ترفاً أخلاقياً في زمن الحرب، بل شرط أساسي لأي سلام يريد أن يصمد.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (3-5)

بقلم: لوال كوال لوال لم يكن الدكتور جون قرنق مجرد قائد عسكري أو زعيم حركة …