حين تتحول الدولة إلى غنيمة: كيف يُنهب السودان بينما يحترق؟
عمر سيد احمد |باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email:o.sidahmed09@gmail.com
يوليو 2026
ليس أكثر إيلامًا من أن تُشعل الحرب باسم الوطن، ثم تُستخدم الحرب نفسها ستارًا لنهب ذلك الوطن. فبينما يعيش ملايين السودانيين في معسكرات النزوح، ويكافح آخرون في المنافي من أجل لقمة العيش، ويغرق معظم الشعب تحت خط الفقر، تتداول وثيقة تحمل شعار «مجموعة سوداتل للاتصالات المحدودة»، صادرة عن مجلس إدارة الشركة تحت عنوان «مذكرة رقم (4) – جمعية عمومية عادية رقم (33) لسنة 2025م»، ومؤرخة بجلسة مجلس الإدارة المنعقدة يوم الاثنين 30 مارس 2026.
وتحمل الوثيقة توصية رسمية صريحة نصّها: «يوصي مجلس الإدارة الجمعية العمومية بالموافقة على منح السادة أعضاء مجلس الإدارة مكافأة مالية تقديرًا لجهودهم المبذولة خلال العام، وذلك بمبلغ وقدره 2.35 مليون دولار من صافي أرباح الشركة للعام المالي المنتهي في 2025/12/31م». وتحمل الوثيقة ختم الشركة الرسمي بتاريخ 30 مارس 2026، وتوقيعًا منسوبًا إلى رئيس مجلس الإدارة المهندس إبراهيم جابر إبراهيم كريمة.
لا سبيل للتحقق المستقل من صحة الوثيقة أو من الظروف الكاملة التي أُعدَّت فيها من صورة واحدة فحسب، وأي حكم قاطع بشأنها يستوجب تحرّيًا إضافيًا. غير أن مجرد تداولها، وما تحمله من أرقام، كافٍ لفتح نقاش أخلاقي وسياسي وقانوني لا يمكن تأجيله، لأنه يلامس جوهر السؤال الذي يتردد اليوم في كل بيت سوداني: من يدفع ثمن هذه الحرب، ومن يجني ثمارها؟
مشهد العام الرابع: أرقام لا تحتمل التأجيل
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 دخلت عامها الرابع، ولم تعد كارثة عابرة بل واقعًا يوميًا مستقرًا في تفاصيل الحياة السودانية. التقارير الأممية الصادرة خلال 2026 ترسم صورة لا لبس فيها: أكثر من 14 مليون شخص شُرِّدوا من ديارهم منذ اندلاع القتال، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن نحو 9.3 مليون نازح داخليًا و4.9 مليون لاجئ يعيشون خارج بيوتهم. أما على صعيد الغذاء، فقد حذّرت الأمم المتحدة نهاية مايو 2026 من أن نحو 20 مليون سوداني يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، وأن هذه الأزمة باتت توصف بأنها أكبر أزمة مجاعة في العالم. ووفق تصنيف منتصف مايو، فإن شخصين من كل خمسة سودانيين يواجهان مستويات حادة من الجوع، بينهم نحو 135 ألف شخص في أوضاع كارثية تنذر بالمجاعة، خصوصًا في دارفور وجنوب كردفان.
الأطفال، كعادتهم في كل الحروب، هم الحلقة الأضعف: تقديرات 2026 تشير إلى أن نحو 825 ألف طفل دون سن الخامسة سيعانون من سوء تغذية حاد وخطير هذا العام، بزيادة 7% عن العام الماضي، وقد وصفت مسؤولة أممية وصول أطفال إلى مراكز الإغاثة وهم «ضعفاء إلى درجة أنهم لا يستطيعون حتى البكاء». أما الوضع الصحي فليس أفضل حالًا، إذ تحدثت تقارير حديثة عن حاجة نحو 30 مليون سوداني إلى مساعدة صحية عاجلة، في وقت تنهار فيه المرافق الطبية وتُستهدف عمدًا في مناطق النزاع.
هذه ليست أرقامًا مجردة تُقرأ وتُطوى. إنها ملايين الوجوه التي تنام على الأرض، وأطفال يفقدون فرصتهم في المدرسة والعلاج، وأسر لا تعرف من أين تأتي وجبتها التالية. في هذا السياق بالتحديد، تصبح أي مكافأة مالية بالملايين، مهما كانت مبرراتها القانونية أو الإدارية، مسألة لا يمكن التعامل معها بوصفها «شأنًا داخليًا لشركة».
المفارقة: اقتصاد يتوسع للنخبة بينما ينهار للجميع
المشكلة الحقيقية لا تكمن في مبدأ المكافآت بحد ذاته. فكل شركات العالم تكافئ إداراتها حين تحقق أداءً متميزًا، وهذا أمر معروف في حوكمة الشركات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أي «أداء متميز» هذا الذي يستحق التكريم بملايين الدولارات بينما الدولة التي تعمل فيها الشركة نفسها تتفكك أمام أعين العالم؟
الحرب، بالنسبة لدوائر النفوذ، لم تعد مجرد كارثة تُدار وتُحتوى، بل تحوّلت إلى اقتصاد قائم بذاته له مستفيدوه ومصالحه. فكلما طال أمدها، اتسعت شبكات المصالح المرتبطة بها: احتكارات تُدار خارج الرقابة، وعقود تُبرم بلا شفافية، وإعفاءات وامتيازات تُمنح لجهات نافذة، وسيطرة متزايدة على الموارد العامة. وبينما تتضخم هذه الشبكات، يدفع المواطن العادي الثمن من دمه، ومن مستقبل أطفاله، ومن لقمة عيشه اليومية.
هنا يكمن أخطر ما تنتجه الحروب الطويلة: ليس الدمار العسكري وحده، رغم فداحته، بل تحوّل مؤسسات الدولة – التي يُفترض أنها ملك للجميع – إلى أدوات تخدم نخبة ضيقة، بينما تُترك الغالبية الساحقة من الشعب لمواجهة المجاعة والنزوح والمرض بمفردها.
من واقعة إلى منظومة: لماذا لا يكفي التنديد
الخطأ الشائع في التعامل مع وقائع كهذه هو حصرها في إطار «فضيحة» معزولة تخص شركة بعينها أو قطاعًا محددًا. الحقيقة أعمق من ذلك: إنها تكشف عن غياب شبه كامل للحوكمة والرقابة على المال العام في زمن الحرب، وهو غياب لا يمكن سدّه بالاستنكار وحده. المعالجة الجادة تستدعي منظومة متكاملة، تشمل:
● الشفافية المالية الكاملة: نشر جميع القوائم المالية للشركات المملوكة للدولة، أو التي تُساهم فيها الدولة بأي نسبة، بشكل دوري ومتاح للجمهور.
● الإفصاح عن المكافآت: الكشف الكامل والمفصّل عن مكافآت ومخصصات أعضاء مجالس الإدارات والإدارة التنفيذية في هذه الشركات، دون استثناء.
● رقابة مؤسسية حقيقية: إخضاع هذه الشركات لرقابة ديوان المراجعة القومي والبرلمان فور قيام مؤسسات حكم مدنية منتخبة وشرعية.
● مراجعة قرارات زمن الحرب: تشكيل لجان مستقلة لمراجعة جميع القرارات المالية التي صدرت خلال سنوات النزاع، بمعزل عن أي ضغوط سياسية.
● استرداد الأموال العامة: وضع آليات واضحة لاسترداد أي أموال ثبت الحصول عليها بالمخالفة للقانون أو لمبادئ الحوكمة الرشيدة.
بدون هذه الأسس، سيظل كل نقاش حول قضية بعينها – مهما بلغت خطورتها – مجرد ومضة إعلامية سرعان ما تخبو أمام الحدث التالي، بينما تستمر المنظومة نفسها في العمل بلا رادع.
بالدولار لهم… بالجنيه المنهار للباقين
هنا يكمن جوهر السؤال الذي يفرض نفسه: بأي عملة تُصرف هذه المكافآت، وبأي عملة يتقاضى بقية السودانيين؟
التوصية الواردة في وثيقة سوداتل مُقوَّمة بالدولار الأمريكي مباشرة – 2.35 مليون دولار – أي بعملة صلبة محفوظة القيمة. في المقابل، يعيش الموظف العادي والمزارع والمعلّم والطبيب داخل اقتصاد جنيه سوداني ينهار أمام أعينهم: فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تدهور سعر الصرف في السوق الموازية من نحو 600 جنيه للدولار الواحد إلى ما بين 5000 و6000 جنيه بحلول منتصف 2026، أي أن الجنيه فقد أكثر من 90% من قيمته في أقل من ثلاث سنوات. دخل أستاذ الجامعة وحده مثال صارخ: كان يعادل نحو 267 دولارًا شهريًا قبل الحرب، وتراجع إلى ما لا يتجاوز 34 دولارًا مع بداية 2026 – أي أن قيمته الفعلية تبخّرت بنسبة تفوق 87%.
الأرقام الأوسع لا تقل قسوة: نقابات المعلمين تتحدث عن متأخرات رواتب بلغت نحو 14 شهرًا في بعض الجهات، بينما لا يغطي متوسط الأجر الحالي في القطاع العام سوى 1 إلى 8% من تكلفة المعيشة الشهرية لأسرة من خمسة أفراد – ما يعني عمليًا أن أكثر من 90% من العاملين في الدولة يعيشون تحت خط الفقر المدقع وفق المعايير الدولية. وفي موازاة ذلك، لا تجد الجامعات موارد لدفع مستحقات أساتذتها، ولا يجد القطاع الزراعي تمويلًا موسميًا يُنقذ الموسم من الضياع، بينما تتحول المستشفيات إلى مبانٍ منهكة تفتقر لأبسط المستلزمات، وتتهاوى مباني المدارس، ويُنهك المواطن العادي في مواصلات باتت كلفتها تلتهم جزءًا كبيرًا من دخل لم يعد أصلاً يكفي.
هذه هي المفارقة التي لا يمكن تجاوزها: نخبة محدودة تُدار مواردها ومكافآتها بمنطق «عملة صعبة» محصّنة من الانهيار، بينما تُدار حياة الغالبية بمنطق «عملة منهارة» تتآكل كل شهر. لم يعد الأمر مجرد تفاوت في الدخل، بل بات تفاوتًا في نوع الاقتصاد الذي يعيش فيه كل طرف: اقتصاد دولاري محفوظ للبعض، واقتصاد جنيه متحلل للجميع سواهم. وإذا كان هذا هو شكل الأمور حين تُوصف بأنها «مكافآت مشروعة»، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف يبدو النهب إذن، إن لم يكن هذا هو شكله؟
يوم الحساب لا بد آتٍ
إن الشعوب لا تنهار فقط بفعل القذائف والنزوح، بل تنهار أيضًا حين يشعر المواطن أن التضحية مطلوبة منه وحده، بينما تستمر قلة قليلة في جني المكاسب من مأساته. وهذا الشعور، إن ترسّخ، يهدد أي مشروع لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها بعد انتهاء الحرب – أيًا كانت نتيجتها العسكرية.
سيأتي يوم تُفتح فيه دفاتر هذه المرحلة، ويُسأل فيه كل من تولى مسؤولية عامة: ماذا فعلتم بأموال السودان بينما كان السودانيون يموتون جوعًا ونزوحًا؟ ذلك اليوم لن يكون يوم انتقام، بل يوم محاسبة. فالدول لا تُبنى بالإفلات من العقاب، وإنما بالشفافية، وسيادة القانون، وصون المال العام – وهذا بالضبط ما يفتقده السودان اليوم، وما يجب أن يكون على رأس أولويات أي مرحلة انتقالية أو تسوية سياسية قادمة.
ملاحظة: الوثيقة المشار إليها في هذا المقال متداولة وتحمل شعار مجموعة سوداتل، ولم يتسنَّ التحقق المستقل من صحتها أو من كامل ملابساتها. الأرقام المتعلقة بالوضع الإنساني مستقاة من تقارير أممية ودولية صادرة خلال عام 2026.
o.sidahmed09@gmail.com
