حين تتهم الدعوة إلى السلام بالخيانة : سرديات الحرب فى السودان

د. محمد عبدالله

في الحروب، لا تُقاس الخسائر بعدد القتلى وحدهم، بل أيضًا بما يصيب اللغة من تصدّع. وفي السودان، لعل من أخطر ما أفرزته الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 ذلك الاضطراب الذي طال معاني الكلمات نفسها: كيف تبدّلت دلالات “السلام” و”الوطنية” و”الكرامة”، حتى غدت أدوات في صراع مفتوح، بعد أن كانت، في أصلها، قيماً جامعة.

منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، برز توصيف المعركة باعتبارها “معركة الكرامة”. وهو توصيف يبدو، للوهلة الأولى، محمودًا، لكنه سرعان ما تحوّل، في التداول اليومي، إلى معيار للفرز: من يؤيد استمرار القتال يُنسب إلى الوطنية !! ، ومن يدعو إلى وقفه يجد نفسه موضع ريبة، أو عرضة لاتهامات لا تخلو من قسوة.

هنا تتجلى المفارقة.

ففي السياق الإنساني المألوف، يُعد السعي إلى وقف الحرب—حقنًا للدماء وصونًا لما تبقى من الدولة—موقفًا أخلاقيًا بامتياز. غير أن ما جرى في السودان هو انقلاب في هذا الميزان: صار دعاة السلام في موقع الدفاع، لا عن أفكارهم فحسب، بل عن نياتهم أيضًا، وكأن الدعوة إلى إنهاء الحرب تحتاج إلى تبرير.

هذا التحول لم ينشأ من فراغ. فمع اتساع رقعة النزاع، لم تعد المعركة عسكرية فقط، بل صارت أيضًا معركة على الرواية. وسائل الإعلام والمنصات الرقمية لم تكتفِ بنقل الوقائع، بل شاركت في إعادة تشكيلها، حتى غدا السؤال السائد: من هو “الوطني” ومن هو “العميل”، بدلًا من السؤال الأبسط: كيف يمكن إيقاف هذا النزيف؟

في مثل هذا المناخ، لم يعد التخوين تعبيرًا عابرًا، بل تحوّل إلى أداة ضغط فعّالة. كثير من الأصوات التي دعت إلى التهدئة أو التفاوض وُصمت بالانحياز إلى ميليشيا الدعم السريع ، أو وُضعت في خانة “الأجندات الخارجية”. وهي اتهامات لا تقوم على براهين بقدر ما تستند إلى حالة احتقان عامة تجعلها قابلة للتداول والتصديق.

وهكذا، ضاق المجال العام، لا بالرصاص وحده، بل بالكلمات أيضًا.

وفي الوقت الذي يتردد فيه شعار “الكرامة”، يعيش ملايين السودانيين واقعًا مختلفًا تمامًا: نزوح، فقدان للمأوى، تراجع في الخدمات، وانكشاف يومي أمام ضرورات العيش الأساسية. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: أي كرامة تُصان في ظل هذا الانهيار؟

الأشد مرارة أن هذا الخطاب لم يُستخدم فقط لتبرير استمرار الحرب، بل امتد ليطال من يدعون إلى وقفها. كأن الحرب تحولت إلى غاية قائمة بذاتها، لا وسيلة لحماية الوطن، وكأن السلام لم يعد أفقًا، بل موضع شبهة.

ومع ذلك، فإن دروس التاريخ لا تترك مجالًا كبيرًا للالتباس. فالدول لا تُبنى في أتون الحروب المفتوحة، ولا تُصان كرامة الشعوب بإطالة أمدها. الكرامة، في معناها الأعمق، تتجلى في قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وتوفير شروط حياة آمنة، وفتح أفق لمستقبل ممكن.

ما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيدًا من الشعارات، بل قدرًا من الشجاعة الهادئة: شجاعة الاعتراف بأن استمرار الحرب ليس قدرًا، وأن الدعوة إلى وقفها ليست خروجًا على الوطنية، بل ربما كانت أقرب تعبيراتها صدقًا في لحظة كهذه.

فالوطن، في نهاية المطاف، ليس ساحة معركة دائمة، بل مكان يُفترض أن تُصان فيه حياة الناس. وكل خطاب يُضيّق هذا المعنى، مهما بدا مفعمًا بالحماسة، لا يفضي إلا إلى نتيجة واحدة: إطالة أمد المأساة، لا الدفاع عن الكرامة.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

عبد الرحيم أبو ذكرى* : شاعرٌ يكتب من حافة الرحيل

١ لا يُكتب عن عبد الرحيم أبو ذكرى كما يُكتب عن سواه. فثمة رهبة خفيفة …