حين تسبق الشائعة الرصاصة: منصات التواصل والنسيج الاجتماعي المهدد

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل أو تبادل الآراء كما يُفترض بها نظريًا، بل تحوّلت في السودان وجنوب السودان، في ظلّ الصراع القائم، إلى أحد أخطر العوامل التي تُسرّع تفكك النسيج الاجتماعي وتعمّق الانقسام السياسي والمجتمعي. ففي بيئة تتآكل فيها الدولة، ويغيب فيها الإعلام المهني، وتنهار الثقة العامة، تصبح الكلمة المتداولة على الهاتف أخطر من الرصاصة، لأن أثرها لا يُرى فورًا، لكنه يتغلغل ببطء في الوعي الجمعي ويعيد تشكيله على أسس زائفة. في السودان، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وجدت قطاعات واسعة من المجتمع نفسها معزولة عن المعلومة الموثوقة، فملأت منصات التواصل هذا الفراغ، لكن ليس بالحقيقة، بل بسيل من الأخبار الملفقة، والمقاطع المجتزأة، والسرديات المشحونة بالعاطفة. كثير من هذه المواد لم يكن هدفه نقل الواقع، بل توجيه الغضب، وتبرير العنف، وشيطنة طرف على حساب آخر. ومع تكرار هذه الرسائل، تحوّل التضليل إلى ما يشبه “الحقيقة اليومية”، وبات المواطن يتخذ مواقف مصيرية بناءً على معلومات لا تخضع لأي تحقق. أما في جنوب السودان، حيث لم تُغلق بعد ملفات الحرب الأهلية، فقد لعبت منصات التواصل دورًا مشابهًا ولكن في سياق أكثر هشاشة. فالصراع هناك لا يزال محكومًا بالذاكرة الدموية والانقسام الإثني، وقد أعادت المنصات الرقمية إحياء هذه الذاكرة بصورة انتقائية وخطيرة، تُستدعى فيها وقائع الماضي لتبرير كراهية الحاضر، لا لفهمه أو تجاوزه. وهكذا تحوّل الفضاء الرقمي إلى امتداد للصراع، لا إلى مساحة للنقاش أو المصالحة. من أخطر ما أفرزته هذه المنصات هو تسييس الهوية الاجتماعية على نحو فجّ. القبيلة، الجهة، والإثنية لم تعد مجرد مكونات ثقافية، بل أصبحت أدوات تعبئة سياسية، تُستخدم في الخطاب اليومي على المنصات لتقسيم المجتمع إلى معسكرات متقابلة. في السودان، أعادت وسائل التواصل إنتاج خطاب “نحن” و“هم” بصور متعددة، سواء بين المدنيين والعسكريين، أو بين المركز والهامش، أو حتى داخل المعسكر الواحد. وفي جنوب السودان، تعمّق هذا الخطاب ليُعيد السياسة إلى مربع الصراع الإثني، ويقوّض فكرة الدولة القائمة على المواطنة. الأخبار المفبركة، في هذا السياق، لم تعد مجرد أخطاء إعلامية، بل تحوّلت إلى سلاح من أسلحة الحرب الحديثة. صورة قديمة يُعاد نشرها خارج سياقها، أو خبر منسوب لمصدر وهمي، يمكن أن يشعل فتنة، أو يدفع مجتمعًا بأكمله إلى الهلع، أو يقوّض جهود وساطة استغرقت شهورًا. وقد شهد السودان حالات عديدة دفعت فيها الإشاعات الرقمية المدنيين إلى النزوح أو الاحتماء بمناطق غير آمنة، بينما استخدمت في جنوب السودان لتأجيج الشكوك بين المجتمعات المحلية، وإضعاف أي مسعى للتعايش. المشكلة لا تكمن فقط في من ينشر هذا المحتوى، بل في البيئة التي تسمح بانتشاره. فغياب الثقافة الإعلامية، وضعف مهارات التحقق، وانعدام الثقة في المؤسسات، كلها عوامل تجعل الجمهور أكثر قابلية لتصديق أي رواية تتوافق مع مخاوفه أو انحيازاته المسبقة. وفي ظل هذا الواقع، تنتشر الأكاذيب أسرع من الحقائق، لأن الأخيرة تحتاج إلى جهد وعقل، بينما الأولى تخاطب الغرائز والعواطف. يزيد من خطورة الوضع غياب أي ضوابط قانونية أو أخلاقية واضحة تنظّم الفضاء الرقمي في البلدين. كما أن شركات التواصل العالمية لا تُبدي اهتمامًا جديًا بالسياقين السوداني والجنوب سوداني، ولا بلغاتهما المحلية، ما يسمح بانتشار خطاب الكراهية والتحريض دون رقابة فعالة. في هذا الفراغ، برزت شخصيات رقمية تحوّلت إلى قادة رأي غير منتخبين، يمارسون تأثيرًا واسعًا دون أي مساءلة، ويقدّم بعضهم نفسه كناشط أو محلل، بينما يؤدي فعليًا دورًا تعبويًا يخدم أجندات سياسية أو عسكرية. المفارقة المؤلمة أن منصات التواصل، التي يُفترض أن توسّع المجال العام، أصبحت في ظل ضعف الدولة أقوى من الدولة نفسها. فهي تُحرّك الشارع، وتؤجج الغضب، وتعيد تعريف العدو والصديق، دون أن تخضع لأي مسؤولية سياسية أو أخلاقية. وهكذا تتآكل فكرة النقاش العام، لتحل محلها فوضى رقمية تُدار بالعاطفة لا بالعقل. ومع ذلك، لا يمكن اختزال دور وسائل التواصل في هذا الجانب السلبي فقط. فهذه المنصات، إذا أُحسن استخدامها، تملك قدرة حقيقية على نشر خطاب السلام، ودعم المبادرات المدنية، وكسر احتكار السلاح والإعلام معًا. لكنها تحتاج إلى بيئة مختلفة، تقوم على رفع الوعي الإعلامي، ودعم الصحافة المهنية، ومساءلة خطاب الكراهية، وإعادة الاعتبار للنخب الفكرية والعقلانية، بدل ترك الساحة للخطاب الشعبوي والتحريضي. إن الصراع في السودان وجنوب السودان لم يعد عسكريًا فحسب، بل أصبح صراعًا على الوعي والذاكرة والسردية. ومنصات التواصل الاجتماعي هي الساحة الأبرز لهذه المعركة. فإما أن تُستخدم لبناء وعي نقدي وسردية وطنية جامعة، أو تُترك لتفتيت المجتمع وتحويله إلى جماعات متناحرة بلا أفق ولا مشروع دولة. إن إنقاذ النسيج الاجتماعي في البلدين لا يمر فقط عبر اتفاقيات السلام وتقاسم السلطة، بل عبر استعادة الحقيقة من قبضة الفوضى الرقمية، وإعادة الاعتبار للعقل والمسؤولية والإنسان.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (4-5)

بقلم: لوال كوال لوال عندما أُعلن استقلال جنوب السودان، بدا وكأن التاريخ يمنح هذا الشعب …