زهير عثمان
رواية زهور تأكلها النار للروائي السوداني أمير تاج السر ليست مجرد امتداد سردي لروايته السابقة توترات القبطي، بل تبدو كأنها عملية استنطاق للغائب والمسكوت عنه في سردية الحرب السودانية؛ فالشخصية التي كانت غائبة في الرواية الأولى، “خميلة”، تتحول هنا إلى مركز الوعي والذاكرة والألم، وكأن الكاتب يعيد كتابة التاريخ من الهامش الأنثوي الذي عادة ما تبتلعه الحروب دون أن يدوّن أحد صوته
تتحرك الرواية في منطقة ملتبسة بين التاريخ والمتخيّل، بين الإشارة الواضحة إلى الثورة المهدية وبين تعميم التجربة لتصبح صالحة لكل زمن سوداني مأزوم بالعنف المقدس
فالكاتب لا يكتب التاريخ بوصفه وقائع جامدة، بل بوصفه بنية متكررة من الخراب، حيث يتحول الدين إلى أداة تطهير، والثورة إلى ماكينة لإنتاج الضحايا، والمدينة إلى فضاء يلتهم أبناءه باسم الخلاص
مدينة “السور” ليست مكاناً جغرافياً بقدر ما هي استعارة للسودان نفسه؛ مدينة متعددة الأديان والهويات، تعيش هشاشتها الداخلية تحت قشرة من التعايش المؤقت
وما إن تصل “ثورة المتقي” حتى ينكشف ذلك التعايش الهش أمام عنف أيديولوجي لا يعترف إلا بثنائية قاتلة هي الإيمان أو الكفر
هنا ينجح أمير تاج السر في تفكيك منطق الجماعات العقائدية التي تعيد تعريف البشر وفق معيار الطاعة، لا وفق إنسانيتهم
أهم ما في الرواية أنها لا تنشغل بالحرب بوصفها حدثاً عسكرياً، بل بوصفها تحوّلاً نفسياً وأخلاقياً يصيب البشر من الداخل
فـ “خميلة” التي تصبح “نعناعة” لا تفقد اسمها فقط، بل تفقد تاريخها الفردي وحقها في أن تكون ذاتاً مستقلة
تغيير الاسم هنا ليس تفصيلاً عابراً، بل ممارسة رمزية لمحو الهوية وإعادة تصنيع الإنسان وفق شروط السلطة الجديدة
ولذلك تبدو النساء في الرواية وكأنهن أرضٌ محتلة، تُفرض عليها اللغة والعقيدة والجسد والطاعة
كما أن الرواية تكشف بعمق عن العلاقة بين العنف والرغبة. فجنود “المتقي” لا يمارسون القتل فقط، بل يمارسون امتلاك الأجساد والذاكرة والمصير
وهذا ما يجعل النص قريباً من أدب الديستوبيا السوداني، حيث يتحول المجتمع إلى فضاء مراقب بالخوف، وتصبح النجاة نفسها شكلاً من أشكال الهزيمة الداخلية
أسلوب أمير تاج السر يتميز هنا بقدرته على المزج بين الحكاية الشعبية واللغة الشعرية القاتمة
فهو لا يكتب بلغة سياسية مباشرة، بل يبني عالماً روائياً مشبعاً بالرموز والأساطير المحلية، مما يمنح النص بعداً إنسانياً يتجاوز المحلية السودانية ورغم أن الرواية محمّلة بالعنف والدمار، إلا أنها تحتفظ بحساسية جمالية عالية تجعل القارئ يرى الخراب بعين شاعر لا بعين مؤرخ
ومن زاوية نقدية أعمق، يمكن القول إن الرواية تطرح سؤالاً مركزياً حول طبيعة الثورات حين تتحول إلى يقين مغلق
فـ “ثورة المتقي” تبدأ كحلم بالخلاص، لكنها تنتهي كنظام للرعب
وهنا يلمّح تاج السر إلى المأساة التاريخية التي عاشتها مجتمعات كثيرة كيف يمكن للثورات التي تدّعي تحرير الإنسان أن تنتهي إلى سحقه؟
الرواية أيضاً تكتسب راهنيتها لأنها تبدو وكأنها تكتب السودان المعاصر دون أن تسميه مباشرة
الجماعات المسلحة، المدن المحاصرة، النساء الناجيات من العنف، انهيار المعنى الأخلاقي للحرب، كلها عناصر تجعل النص مرآة سودانية مؤلمة للحاضر
ولذلك فإن “زهور تأكلها النار” ليست رواية عن الماضي فقط، بل رواية عن دورة العنف السوداني التي تعيد إنتاج نفسها بأسماء وشعارات مختلفة
وفي النهاية، فإن قوة الرواية لا تكمن في إدانتها للحرب فحسب، بل في قدرتها على إظهار كيف تلتهم الحروب التفاصيل الصغيرة الحب، الأسماء، الأحلام، والمستقبل
ولهذا تبدو “الزهور” في عنوان الرواية رمزاً لكل ما هو هش وجميل في الإنسان السوداني، بينما “النار” ليست سوى التاريخ حين يفقد رحمته.
غلاف الرواية [url=https://top4top.io/][img]https://h.top4top.io/p_3798zoq7i1.jpg[/img][/url]
zuhair.osman@aol.com
