بقلم: لوال كوال لوال
lualdengchol72@gmail.com
لم تعد كرة القدم في إفريقيا مجرّد لعبة تُحسم داخل المستطيل الأخضر، بل باتت في كثير من الأحيان ساحة تعكس طبيعة إدارة النفوذ، وحدود الأخلاق، ومدى احترام القيم حين تختلط الرياضة بالطموح السياسي والرغبة الجامحة في الانتصار. وفي هذا الإطار، جاءت كأس أمم إفريقيا 2026 لتكشف خللًا عميقًا في مفهوم المنافسة القارية، ليس بسبب نتيجة مباراة بعينها، ولا بسبب خروج منتخب أو تتويج آخر، وإنما بسبب المناخ العام الذي أُديرت فيه البطولة، وما رافقها من ممارسات أفرغت كرة القدم من معناها الحقيقي. ما جرى على الأراضي المغربية خلال هذه النسخة لا يمكن اختزاله في أخطاء تنظيمية عابرة أو تصرفات فردية معزولة. فالصورة الكاملة توحي بوجود نمط متكامل من السلوكيات التي حوّلت الاستضافة من مسؤولية أخلاقية إلى أداة نفوذ وتأثير. فالاستضافة في أصلها ليست امتيازًا يُستغل، بل تكليف يُفترض أن يضمن الحياد وتكافؤ الفرص، غير أن ما حدث أعاد تعريف هذا المفهوم بصورة مقلقة، حيث بدا أن الأرض والجمهور والتنظيم استُخدمت جميعها كعوامل ضغط غير مباشرة تخدم طرفًا واحدًا على حساب بقية المنافسين. لقد شعر كثير من المتابعين واللاعبين أن البطولة لم تكن تُدار بروح “الملعب للجميع”، بل بروح “الأرض لصاحبها”، وهو تحول خطير يضرب في جوهر العدالة الرياضية. فحين يدخل اللاعب إلى المباراة وهو يشعر مسبقًا بأن البيئة المحيطة به معادية أو غير متوازنة، فإن المنافسة تفقد معناها، ويتحول اللعب من صراع مهارات إلى معركة أعصاب. الأخطر في هذه التجربة أن الضغط لم يكن مباشرًا أو فظًا، بل جاء في صورة ممارسات ناعمة يصعب توثيقها أو معاقبتها، لكنها شديدة التأثير. هنا يبرز ما يمكن تسميته بـ«الإرهاب الكروي»، وهو نمط من السلوكيات الصغيرة المتراكمة التي تهدف إلى كسر تركيز الخصم وإرباكه نفسيًا، دون أن تترك أثرًا قانونيًا واضحًا. هذا النوع من الممارسات لا يظهر في الإحصاءات ولا يُسجل في تقارير الحكام، لكنه حاضر بقوة في ذاكرة اللاعبين، ويؤثر فعليًا على مجريات المباريات. من بين أكثر الأمثلة إثارة للجدل، الدور الذي لعبه بعض جامعي الكرات. فهؤلاء الذين يُفترض أن يكونوا عنصرًا محايدًا لضمان استمرارية اللعب، تحوّلوا في لحظات كثيرة إلى أداة استفزاز وتأثير. خطف المناشف المخصصة لحراس المرمى، التأخير المتعمّد في إعادة الكرة، تجاهل اللاعبين المنافسين في لحظات حساسة، كلها تصرفات قد تبدو للبعض تفصيلًا صغيرًا، لكنها في واقع الأمر تدخل في صميم العدالة الرياضية. حارس المرمى، على وجه الخصوص، يعتمد على روتين نفسي دقيق، وأي محاولة متعمّدة لكسر هذا الروتين تُعد إخلالًا مباشرًا بتكافؤ الفرص. وحين تتكرر هذه السلوكيات في أكثر من مباراة دون تدخل حازم، فإنها تخرج من إطار الخطأ الفردي لتدخل دائرة التطبيع، وكأنها جزء مقبول من “دهاء الملاعب”، رغم أنها في جوهرها ممارسات غير أخلاقية. الصمت الذي قابل هذه التجاوزات كان لافتًا ومثيرًا للريبة. فالتحكيم، الذي يُفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن النزاهة، بدا إما عاجزًا عن فرض سلطته أو مترددًا في اتخاذ قرارات حاسمة. لم تُسجّل عقوبات واضحة، ولم تصدر تعليمات صارمة، ولم يُبعث برسائل رادعة تمنع تكرار ما حدث. هذا الغياب فتح الباب أمام مزيد من التجاوزات، ورسّخ لدى كثيرين شعورًا بأن بعض الفرق تلعب بقواعد مختلفة. ولا يمكن فصل هذا الصمت عن دور اللجان المنظمة، التي تتحمل مسؤولية كبرى في إدارة البطولة وضبط سلوكياتها. فغياب الرقابة الصارمة، والتساهل مع التجاوزات، أعطى انطباعًا بأن الهدف لم يكن حماية نزاهة المنافسة بقدر ما كان تمرير البطولة بأقل قدر من الصدام، حتى لو كان ذلك على حساب القيم الأساسية للرياضة. أما الجمهور، فرغم شغفه المشروع ودعمه الطبيعي لمنتخبه، فقد جرى توظيف حضوره في بعض اللحظات كأداة ضغط نفسي تتجاوز حدود التشجيع. كرة القدم لا تُلعب في فراغ، والجمهور جزء من اللعبة، لكن إدارة هذا الجمهور مسؤولية أخلاقية وتنظيمية. وحين يُترك بلا ضوابط، ويتحول من عنصر حماسي إلى عامل ترهيب، فإن ذلك يسيء إلى صورة البطولة والدولة المستضيفة معًا. إن الخطر الحقيقي لما حدث لا يكمن في نتائج هذه النسخة فقط، بل في آثارها بعيدة المدى على صورة الكرة الإفريقية. فاستمرار مثل هذه الممارسات يعمّق فقدان الثقة في البطولات القارية، ويعزز القناعة بأن العدالة مسألة ظرفية، مرتبطة بمكان إقامة البطولة لا بقوانينها. وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه كرة القدم الإفريقية، التي تعاني أصلًا من ضعف البنية المؤسسية وهجرة المواهب وقلة الاستثمار. كرة القدم الإفريقية لا تحتاج إلى ألقاب تُنتزع بالحيل، ولا إلى بطولات تُدار بمنطق الامتيازات. ما تحتاجه حقًا هو منافسات نزيهة تُحسم بالمهارة، لا بالضغط النفسي؛ وبالعرق داخل الملعب، لا بالتأثيرات خارجه. إن كأس أمم إفريقيا 2026 يجب أن تُقرأ بوصفها جرس إنذار، لا ذكرى عابرة، ودعوة صريحة لمراجعة جادة وشجاعة تعيد للبطولة معناها، وللعبة روحها، وللجمهور ثقته بأن ما يراه في أرض الملعب هو نتيجة تنافس عادل، لا نتاج ترتيبات خفية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم