بقلم: لـوال كوال لـوال
لم يكن خطاب عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني حول تعيين هيئة أركان الجيش مجرد موقف سياسي عابر، بل جاء كاشفًا لعمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها الدولة السودانية منذ عقود. فحين يتحدث قائد الدولة عن “الكفاءة” باعتبارها المعيار الوحيد للاختيار، فإنه يصطدم، شاء أم أبى، بتاريخ طويل من الشكوك والتجارب التي جعلت هذا المفهوم نفسه موضع مساءلة. ذلك لأن “الكفاءة” في السياق السوداني لم تعد كلمة بريئة، بل تحوّلت إلى مفهوم إشكالي، يُنظر إليه بعين الريبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات السيادة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل الكفاءة مطلوبة؟ بل: من يحدد الكفاءة؟ وعلى أي أساس تُقاس؟ وهل هي بالفعل معيار موضوعي، أم أنها تُستخدم كغطاء لاعتبارات أخرى غير معلنة؟ هذا السؤال يقودنا مباشرة إلى واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ السودان الحديث، حين اندلع الصراع بين عمر البشير وحسن الترابي عام 1999. لم يكن ذلك الصراع مجرد خلاف شخصي بين رجلين، بل كان انفجارًا داخليًا في بنية الحركة الإسلامية الحاكمة، التي كانت تُقدّم نفسها باعتبارها مشروعًا وطنيًا جامعًا. انقسام “القصر والمنشية” لم يُنتج فقط كيانين سياسيين، بل كشف عن هشاشة التوازنات داخل الدولة، وفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول كيفية توزيع السلطة والثروة. وفي خضم هذا الانقسام، خرج “الكتاب الأسود” كوثيقة أربكت المشهد السياسي، ووضعت الجميع أمام مرآة لم يكن من السهل النظر فيها. لقد حاول “الكتاب الأسود” أن يفعل ما لم تجرؤ عليه النخب السياسية من قبل: تقديم قراءة رقمية لاختلال التوازن في توزيع السلطة. ورغم الجدل الكبير حول دوافعه، إلا أنه أسّس لوعي جديد يرى الدولة من زاوية “من يحكم ومن يُهمَّش”. غير أن هذا الطرح لم يكن معزولًا عن الأدبيات الأكاديمية التي سبقت ظهوره أو تزامنت معه. فالباحث تيم نبلوك، في كتابه تقسيم السلطة والثروة في السودان قدّم تحليلًا عميقًا للبنية غير المتوازنة للدولة السودانية، موضحًا كيف تركزت السلطة السياسية والاقتصادية في مناطق محددة، بينما ظلت مناطق أخرى تعاني من التهميش البنيوي. يشير نبلوك، في نماذجه التحليلية، إلى أن الدولة السودانية منذ الاستقلال لم تنجح في بناء نظام عادل لتوزيع الموارد، حيث ظلت الاستثمارات والخدمات والبنية التحتية متركزة في المركز، خاصة في العاصمة والمناطق القريبة منها. هذا التركز لم يكن مجرد نتيجة طبيعية للتطور، بل كان انعكاسًا لخيارات سياسية واعية، عززت من هيمنة نخب بعينها. ومن بين النماذج التي يمكن استحضارها من طرح نبلوك، تحليله لتوزيع الوظائف العليا في الدولة، حيث يوضح أن المناصب السيادية والإدارية كانت تميل بشكل واضح لصالح مجموعات جغرافية محددة، وهو ما يتقاطع بشكل لافت مع ما جاء لاحقًا في “الكتاب الأسود”. هذا التلاقي بين التحليل الأكاديمي والطرح السياسي يمنح القضية وزنًا أكبر، ويؤكد أنها ليست مجرد دعاية، بل إشكالية حقيقية في بنية الدولة. كما يلفت نبلوك الانتباه إلى أن اختلال توزيع الثروة لا يقل خطورة عن اختلال توزيع السلطة، إذ أن التهميش الاقتصادي يؤدي بدوره إلى تهميش سياسي، والعكس صحيح. وهذا ما يفسر، إلى حد كبير، اندلاع النزاعات في أطراف السودان، حيث تشعر المجتمعات المحلية بأنها خارج معادلة الدولة، لا تمثيلًا ولا نصيبًا من الموارد. عند إسقاط هذه الرؤى على الواقع الحالي، يتضح أن خطاب عبدالفتاح البرهان لا يُواجه فقط إرث “الكتاب الأسود”، بل أيضًا تراكمًا من التحليلات والدراسات التي أكدت وجود خلل بنيوي في توزيع السلطة. وبالتالي، فإن أي حديث عن “الكفاءة” لا يمكن أن يكون مقنعًا ما لم يُعالج هذا الخلل بشكل جذري. فالمشكلة لم تعد في غياب الكفاءات، بل في غياب الثقة في معايير اختيارها. وعندما يغيب هذا النوع من الثقة، تصبح كل القرارات، مهما كانت صحيحة في ظاهرها، موضع شك. وهذا ما يفسر لماذا يُقابل الخطاب الرسمي دائمًا بنوع من التشكيك، حتى من قبل أولئك الذين لا يملكون أدلة مباشرة على عكسه. إن استحضار نماذج نبلوك هنا ليس مجرد استشهاد أكاديمي، بل هو محاولة لتأطير النقاش ضمن سياق أوسع، يربط بين الماضي والحاضر، وبين التحليل النظري والواقع العملي. فالقضية ليست وليدة لحظة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من السياسات غير المتوازنة. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة تعريف مفهوم “الكفاءة” ليشمل ليس فقط القدرات الفردية، بل أيضًا العدالة في التمثيل. فالدولة الحديثة لا تُبنى فقط على أساس الجدارة، بل أيضًا على أساس الشمول، الذي يضمن مشاركة جميع مكوناتها في صناعة القرار. لقد أثبتت التجارب الدولية أن تجاهل هذه المعادلة يؤدي إلى نتائج كارثية، حيث تتحول الدولة إلى كيان هش، معرض للانقسام في أي لحظة. والسودان، للأسف، ليس بعيدًا عن هذا السيناريو، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الدفاع عن القرارات، بل في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذه الثقة لا يمكن أن تُفرض، بل تُكتسب عبر سياسات واضحة، وممارسات شفافة، وإرادة حقيقية للتغيير. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن خطاب البرهان، رغم أهميته، يظل خطوة ناقصة ما لم يُترجم إلى إصلاحات ملموسة، تعالج جذور المشكلة، بدلًا من الاكتفاء بمعالجة مظاهرها. فالمطلوب ليس فقط نفي الجهوية، بل تفكيكها، عبر إعادة توزيع الفرص بشكل عادل. في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع السودان أن يستفيد من دروس الماضي، كما وردت في “الكتاب الأسود” وتحليلات تيم نبلوك، ليبني مستقبلًا أكثر توازنًا؟ أم أنه سيظل أسيرًا لدائرة مفرغة من الخطابات التي لا تغيّر الواقع؟ الإجابة، كما هو الحال دائمًا، لا تكمن في الكلمات، بل في الأفعال. فالتاريخ لا يُصنع بالتصريحات، بل بالقرارات التي تعيد تشكيل الدولة على أسس جديدة من العدالة والشفافية. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل ذاكرة “الكتاب الأسود” حاضرة، لا كوثيقة من الماضي، بل كمرآة تعكس عجز الحاضر عن تجاوز أزماته.
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم