حين غسلَ القتلةُ بنادقهم بوعود المدنية

بلادٌ اعتادت أن يُحكم عليها لا لها، وأن يُنطق باسمها من فوق الخرائب.
يخرج أحمد هارون من الظل، لا ليعتذر عن الماضي، بل ليُعلن المستقبل.
لم يعد الرجل يتخفّى خلف البيانات المسرّبة أو المقاطع الصوتية المُلتبسة. هذه المرة، كان صريحاً، واضحاً، جافاً كعهده الأول:
“نحن الإسلاميون، عائدون لنحكم السودان”.
هكذا، ببساطةٍ مثيرةٍ للحنق، تحوّل الهامسون في زوايا الدولة العميقة إلى مُعلنين، وتحوّل الشك إلى يقين. ليست رغبة فرد، بل مشروعٌ يمدّ جسوره من فوق أنقاض الدولة: قضاةٌ مأجورون، إعلامٌ ملوَّث بالقونات، بنات وبنين، أجهزة أمنٍ مترنّحة، وتحالفات ظلّت وفيةً لـ”المنظومة” رغم انهيارها الظاهري.
أحمد هارون، المطلوب للعدالة الدولية بتهم الإبادة الجماعية، لم يعد طريداً. بل عاد بوصفه قائداً لمرحلةٍ جديدة، لا لتكفير الخطايا، بل لاسترداد ما تعتبره “الحركة الإسلامية” حقاً سلبته منها الثورة.
وهارون ليس مجرّد اسم، بل تعقيدٌ أمنيٌّ وعقائديٌّ يتقاطع مع الدم والمشانق. خرج من سجن كوبر كما تخرج الأشباح: بصمتٍ مدروسٍ وخطةٍ محكمة. لا فوضى في هروبه، بل ترتيب عسكري، وتواطؤ بصمتٍ ثقيل.
لم يأتِ وحده. بل عادت معه “المنظومة” تحت جلد “المؤتمر الوطني” المنحلّ، الذي اختاره هو تحديداً رئيساً له، في اجتماعٍ صاخب ببورتسودان، تحت حماية سلطةٍ محليّةٍ ممدودةٍ بفرقة من الجيش، وفي ظلّ انقسامٍ يُعيد صدى اللحظات التي سبقت انهيار البشير ذاته.
انقسم الحزب إلى تيارين:

  • تيار كرتي – هارون: ممسكٌ بالمال، متحالفٌ مع العسكر، ممسكٌ بمفاصل الدولة العميقة.
  • تيار إبراهيم محمود: أكثر “تهذيباً ؟”، أقلّ حيلة، وأفقر مالاً ونفوذاً.
    الهمس يتصاعد بأن خصوم هارون في حزبه قد يُسلّمونه للمحكمة الجنائية. ليس من باب العدالة، بل نكاية، وتطهيراً للواجهة من “العبء الأخلاقي” الذي يمنع أيّ تبييض محتمل لصورة الإسلاميين.
    إذن، “نحن عائدون لنحكم”، يقول هارون. بلا اعتراف ولا محاسبة، أو خجل.
    يقولها هكذا… ساعياً، من خرائب الخرطوم، ومن دماء دارفور، ومن جثث المدنيين في بحري ونيالا ومدني، إلى تصعيد “المشروع الحضاري” من جديد !
    وفي اللحظة ذاتها، على بعد كيلومترات من ذاك الإعلان الصادم، كان قائد “فيلق البراء بن مالك”، المصباح طلحة، يصوغ بياناً يبعث على الدهشة:
    “قررنا التخلي عن السلاح… والانخراط في العمل المدني”.
    مفارقة مدهشة. الكتيبة التي كانت تُجاهر بـ”الجهاد” من قلب الخرطوم، وتغذي منتسبيها بأوهام الموت المقدّس، تعلن أنها ستدخل ميدان السياسة بلا بندقية.
    إنه “فيلق البراء”، الذي تضخّم في صمت، من كتيبة صغيرة إلى تشكيل يضم عشرات الآلاف، برعاية جهات نافذة في الجيش والمخابرات. مجموعة لم تكن فقط ذراعاً قتالية، بل أداة لإعادة تسويق المشروع الإسلامي بوجهٍ جديد، وبحماسة قديمة.
    في أبريل الماضي، دعا الفيلق إلى تجنيد شباب البحر الأحمر تحت راية الجيش، لكن الجيش لم يكن جيش الدولة، بل جيش “الظل”، حيث تتداخل الفتاوى بالمصالح، والعقيدة بالدم، والسلاح بخزعبلات عبدالحي يوسف.
    ثم فجأة، يعلن “البراءون” أن الوقت حان لخلع البزة العسكرية. لا لأنهم “غيّروا الشريحة”، بل لأن المشهد تغيّر: فالسلاح أصبح عبئاً في زمن التسويات الغامضة، والمنابر أكثر فاعلية.
    هم لا ينسحبون من المشروع، بل يبدّلون أدواته. يخلعون الزي العسكري ليرتدوا عباءة المدنية. ليس تخلياً عن “القتال”، بل تحوّلاً في استراتيجية الاستيلاء وإعادة التموضع. فهارون، الخارج من رماد كوبر، لا يطلّ برأسه فحسب، بل يطلّ برأس الماضي كلّه… الماضي الذي لم يُحاكم، ولم يُطهّر، بل كُمِن له حتى نضج في الظلام وعاد.
    وفي الوقت ذاته، يصعد “البراء” إلى المنابر كما تصعد الأيدي المُلطخة إلى الميكروفون: بنوايا جديدة، لكن بأظافر ملوثة.
    إنها ليست مدنيّة توبة، بل مدنيّة مراوغة، تخلع البزة لتلبس البدلة، وتُبقي على العقيدة في الجيوب.
    لكن هل السودان هو ذاك البلد، الذي يُسلّم ذاكرته لجلاديه، ويمنحهم فرصة ثانية لبناء جحيم جديد؟
    هل لن يكتفي بأن يُجلد مرّتين، بل يصنع السياط بنفسه ويحني ظهره؟
    كل ما نراه حتى الساعة، هو أن الزمن في السودان لا يمشي إلى الأمام، بل يدور كحيوانٍ مُدوّخ داخل قفص. الضحايا يشيخون بلا عدالة، والثكالى يحفظن أسماء القتلة أكثر من أسماء أبنائهن.
    وفي المشهد الأخير، لا تصعد وردة، بل تعود السكين.
    ليس بوعد القصاص، بل بوعد الحكم.
    أما الثورة، فهي الأخرى تتسكّع على الأرصفة سواء في الداخل أو في المنافي، تنظر في المرايا المهشّمة، وتُتمتم: هل كنا نحلم حقاً، أم نُعيد بثّ الكابوس؟

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …