حين لا تكون التنمية أرقامًا

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
حين لا تكون التنمية أرقامًا

قراءة في «التنمية كحرية» و«لماذا تفشل الأمم»

منبر بنيان
مقالات من بطون كتب… ونبض الميدان

لفترة طويلة، جرى اختزال التنمية في سؤال واحد: كم ننتج؟

ثم تطوّر السؤال قليلًا: كم ننمو؟
لكن الكتب الكبيرة لا تقف عند هذا السطح، بل تسأل السؤال الذي يوجع:
لماذا لا يشعر الناس بهذا النمو؟
ولماذا تفشل دول رغم وفرة الموارد؟

هنا يلتقي أمارتيا سن مع أسيموغلو وروبنسون، كلٌّ من زاويته، ليقولا شيئًا واحدًا بصيغ مختلفة:
المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في بنية الاختيار.

أمارتيا سن: التنمية بوصفها توسعة للحياة
أمارتيا سن، القادم من خلفية أخلاقية وفلسفية عميقة، يهدم منذ الصفحات الأولى الفهم الضيق للتنمية.
يقول لنا بهدوء العالم الواثق:
التنمية ليست دخلًا أعلى فقط،
بل قدرة أكبر على أن تعيش الحياة التي تختارها.
الفقر، في نظره، ليس مجرد نقص مال، بل نقص حرية:

حرية التعليم،
حرية الصحة،
حرية التعبير،
حرية المشاركة في القرار.

الدولة التي ترفع متوسط الدخل لكنها تحرم مواطنيها من هذه القدرات، ليست دولة نامية،
بل دولة ناجحة حسابيًا وفاشلة إنسانيًا.

سن لا يرفض السوق، ولا يقدّس الدولة، بل يضع معيارًا جديدًا للتقييم:
هل زادت خيارات الإنسان؟
هل صار قادرًا على أن يكون ما يريد؟

أسيموغلو وروبنسون:

المؤسسات هي الحكم
على الضفة الأخرى،
يأتي كتاب لماذا تفشل الأمم بلهجة أشد صرامة، وأقرب إلى السياسة والاقتصاد السياسي.

الفكرة المركزية فيه واضحة:
الأمم لا تفشل بسبب الجغرافيا، ولا الثقافة، ولا الكسل، بل بسبب مؤسساتها.
المؤسسات الشاملة تفتح المجال للمبادرة، وتحمي الحقوق، وتكافئ الجهد.
المؤسسات الإقصائية تركز السلطة والثروة، وتغلق الأبواب، وتعيد إنتاج الفشل.

وهنا تتلاقى الفكرة مع أمارتيا سن دون أن يلتقيا نصًا:
غياب الحرية عند سن
هو نفسه نتاج المؤسسات الإقصائية عند أسيموغلو.

بين الكتابين:
الإنسان في مواجهة البنية

الكتاب الأول يبدأ من الإنسان وينتهي إلى السياسة.

الكتاب الثاني يبدأ من السياسة وينتهي إلى الإنسان.

سن يسألك:
ماذا يستطيع الفرد أن يفعل؟

أسيموغلو يسألك:
من يسمح له أن يفعل؟

والإجابة المركّبة:

لا تنمية بلا إنسان حر،
ولا حرية بلا مؤسسات عادلة.

إسقاط على عالمنا العربي والسودان خصوصًا

في عالمنا، رفعنا شعارات التنمية دون أن نوسّع الحريات،
وبنينا مؤسسات شكلية دون أن تكون شاملة.
فشلنا لأننا اعتبرنا التنمية مشروع حكومة، لا عقدًا اجتماعيًا.

ولأننا تعاملنا مع المواطن كمستفيد، لا كشريك.
في السودان، كما في غيره، الموارد موجودة،
لكن الخيارات محدودة،
والمؤسسات إقصائية،
والنتيجة معروفة.

خاتمة بنيان

هذان الكتابان لا يمنحان وصفة سحرية،
بل يفرضان علينا سؤالًا لا مهرب منه:
هل نريد تنمية تُرضي التقارير…
أم تنمية تُحرر الإنسان؟
في «التنمية كحرية» تعلّمنا أن الإنسان هو الغاية.
وفي «لماذا تفشل الأمم» تعلّمنا أن الطريق إليه سياسي ومؤسسي.
وبين الغاية والطريق، تبدأ مسؤوليتنا الفكرية.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

العدالة الاقتصادية: هل تعني المساواة أم تكافؤ الفرص؟

منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الواقعفي ختام مقالنا السابق حول الفقر،طرحنا سؤالًا مكملًا …