حين يشيخُ القلبُ اغتراباً… “لو تعرفي الشوق يا زولة”

محمد صالح محمد
بين ملامح الوجه الأسمر الذي لوحته شمسُ الغربة وبين بريق الدمع الحبيس في مآقي الذكريات تتربع حكاية لا يفهمها إلا من كسرته المسافات “يا زولة” كلمة لم تكن يوماً مجرد نداء بل هي ميثاق حب ونبض وطن ودفءُ بيتٍ أغلقنا أبوابه خلفنا ومضينا والآن نتحسس مفاتيحنا بقلوبٍ ينهشها الحنين.

احتراقٌ في صمتِ المرافئ …
لو تعرفي الشوق يا زولة لعرفتِ كيف يشيخُ المرء في ليلةٍ واحدة وكيف تتحول الضحكات التي كنا نطلقها في باحة البيت إلى سياطٍ تجلد أرواحنا في المنافي فالشوقُ هنا ليس قصيدةً تُكتب بل هو خناجرُ صامتة تنغرس في الصدر كلما مرّ طيفُ “جبنة” الصباح أو فاحت رائحة “البخور” في زوايا الغرف الباردة.
نحن هنا نأكل ونشرب ونمضي في الزحام لكننا أشباحٌ معلقة على مشاجب الغياب نبتسمُ للغرباء كي لا يسألونا عن سبب هذا الشحوب بينما في الداخل ثمة صرخة مكتومة تنادي باسمكِ
.
الخوف من “النسيان” المرّ…
أكثر ما يبكيني يا زولة ليس بعد المسافة بل ذلك الخوف الجاثم على صدري هل سيعرفني وطني حين أعود؟ هل ستظل الملامح هي الملامح أم أن غبار الغربة قد طمس هويتي؟ الشوق إليكِ هو وجعُ الفقدِ لكل شيءٍ جميل؛ هو الحنين إلى “ونسة” تقتل الوقت بصدق وإلى الدعوات التي كانت تحميني من غدر الأيام.
لو كنتِ تدركين حجم الفراغ لرأيتِ كيف يرتجفُ القلم وهو يحاول وصف “الخرمة” لصوتكِ ولرأيتِ دموعاً لا تسقط على الخدود بل تنزف داخل الروح تحرق كل أملٍ في نسيانٍ مستحيل.

بدمعِ القلب …
الغربة يا زولة ليست بلاداً بعيدة الغربة هي أن تكوني أنتِ هناك وأنا هنا وبيننا حواجز من ورق وحدودٌ من حديد وقلبٌ لا يكفّ عن السؤال متى يجمعنا “عنقريب” واحد تحت سماء السودان الصافية؟

لو تعرفي الشوق لصليتِ لأجلي فما عاد في الجسد نبضٌ يقوى على تحمل هذا الشتات.

حيث تنتهي الحكايات …
لكنّ الحقيقة يا زولة أنَّ الشوق الذي أحرقني قد التهمَ آخر ما تبقى من جسدي في تلك الغربة . لو تعرفي الشوق لعرفتِ أنَّ الرسالة التي بين يديكِ الآن لم يكتبها مَن يرجو العودة بل كتبها مَن سلّم الروح وهو يهمس باسمكِ في ممرات المشافي البعيدة.

لقد عاد الجسدُ إليكِ يا زولة ليس في “قطار الشوق” الذي غنينا له يوماً بل في “تابوتٍ” صامتٍ يحملُ بقايا رجلٍ قتلهُ الحنين قبل أن تقتله الغربة لا تبكِ عند رأسي فقد انتهى مشوار الوجع وتحلل القيد الذي كبّل معاصمي سنين طويلة.
واريني الثرى في تراب السودان حيث “الدعاش” الذي تمنيته واتركي قبري مفتوحاً قليلاً لعلّ نسيماً من بيتنا يمرُّ علي كنتُ أحلمُ بلقاءٍ تضجُّ فيه الضحكات فكان اللقاءُ صمتاً أبدياً يقطعهُ صوت “النحيب”.

لقد انتهت الحكاية يا زولة … وعاد المسافرُ جثةً وبقي الشوقُ وصمةً لا يمحوها الزمن.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

قرابين الوفاء في محراب الغياب

في زحمة الأيام وتراكم الصمت أقف وحيداً أقتات على فُتات الأمل متسلحاً بصبرٍ مرّ لعلّ …