lualdengchol72@gmail.com
لوال كوال لوال
حين يُزيَّف الوعي وتُقدَّس الجريمة 4-5 بقلم: لوال كوال لوال في معسكرات النزوح، لا تُرفع الرايات، ولا تُعزف الأناشيد. هناك، لا أحد يتحدث عن “الانتصارات العسكرية” أو “السيادة الوطنية”. في تلك الزوايا المنسية من الخرائط، يُروى تاريخ مختلف، كتبه المشردون بالدم والدموع، لا بالحبر والخطب. المشرد لا تهمه شعارات الوحدة التي جاءت على ظهر الدبابات. ولا تشغله خطابات القادة التي تمجّد القتل وتُزين الدمار تحت اسم “استعادة الدولة”. همّه الوحيد: كيف يحيا، كيف ينجو، كيف لا يموت من الجوع أو الوباء أو القصف العشوائي. وفي ذاكرته، لا توجد أسماء الزعماء بقدر ما توجد صور الجثث تحت الأشجار، وعيون الأمهات التي لا تجفّ. هؤلاء المشردون هم من دفعوا الثمن الحقيقي لصراع النخب. هم من حُمّلوا وِزر قرارات لم يصنعوها، وخسروا بيوتهم وحياتهم لأن أحدهم في الخرطوم أو جوبا أو نيالا أراد كرسي الحكم بأي ثمن. ولأن القصة تُكتب دائمًا من الأعلى، تُهمَّش رواياتهم، ويُطمس صوتهم. فلا إعلام يغطي معاناتهم إلا في لحظات الكارثة، ولا مؤسسات تمثلهم إلا حين يكون وجودهم مفيدًا لصورة السياسي أمام المجتمع الدولي. أما حين تعود الكاميرات إلى المدن، يعودون هم إلى الظل، وتُطوى قصتهم من جديد. لكن الحقيقة الصلبة هي أن ذاكرة المشردين هي الذاكرة الأصعب. لأنها لا تنسى. لا تُخدع. ولا تقبل التزوير. في ذاكرة طفلة نزحت من كادقلي أو هجليج، لا يوجد بطل قومي، بل رجل بزي رسمي قتل أباها. وفي ذاكرة أم نازحة من دارفور، لا توجد دولة، بل جرافة جاءت في الفجر وهدمت بيتها. وفي ذاكرة شيخ من أبيي، لا توجد شعارات “نحن إخوة”، بل ميليشيا أحرقته وهو يصلي. وهنا سؤال يفرض نفسه: من يروي القصة الحقيقية؟ من يملك الشجاعة ليقول إن هذه البلاد كانت تدار بعقلية استعمارية داخلية؟ وأن هناك مواطنين من الدرجة الثانية، حُرموا من حقوقهم باسم الدين، والعروبة، والوحدة، والسيادة؟ إن لم نُعِد الاعتبار لهؤلاء، ونمنحهم حقهم في رواية التاريخ، فكل ما نفعله مجرد تمثيل وقح على جراح مفتوحة. بل إننا بذلك نعيد إنتاج المأساة في حلقة لا تنتهي. وكلما صمتنا عن سرد القصة الحقيقية، تركنا المجال لأصحاب الخطاب الزائف ليواصلوا خداع الأجيال.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم