محمد صالح محمد
في ليلةٍ رمضانيةٍ مبللةٍ برذاذ الطمأنينة وعقب صلاة التراويح التي تركت في النفوس سكينةً ووداعاً تحلقنا حول صينية “شاي بعد العشاء” وكان البخار يتصاعد من الأكواب ليرسم ملامح ألفةٍ أسرية لا تتكرر إلا في هذا الشهر الفضيل كان النقاش يدور حول “واجب” اجتماعي زواج ابن صديق أخي الأكبر؛ ذلك البروتوكول الذي يراه الكبار عهداً مقدساً ونراه نحن مجرد بندٍ في قائمة المهام.
اندفعتُ مدفوعاً بنشوة المثقف “الحداثي” لأدلو بدلوٍ ظننته مليئاً بالحكمة المنطقية بدأتُ أُحلل الموقف من زاوية الكلفة والزمن وجدوى الحضور في زمن التواصل الرقمي وكيف أن “الواجب” يمكن تأديته ببرقيةٍ رقيقة أو اتصالٍ يختصر المسافات كنتُ أتحدث بلغةٍ “مرتبة” ومنطقٍ “بارد” وكأنني أضع قوانين جديدة لعلاقاتنا الإنسانية.
ساد الصمت لثانية…. وضع والدي كوب الشاي ببطء ونظر إليّ بعينين خبرتا دروب الحياة قبل أن تُرصف ثم قالها بلهجةٍ سودانيةٍ قاطعة مغلفة بابتسامة ساخرة لكنها تنفذ إلى النخاع
” أنت زول ساي!”
وقعُ الكلمة وسقوط الأقنعة …
لم تكن الجملة تقليلاً من شأن بل كانت “تشريحاً” فورياً لحالتي. “الزول الساي” في فلسفة والدي هو ذلك الذي يرى القشرة ويغفل عن اللب و هو من يظن أن الحياة “معادلة رياضية” تُحل بالورقة والقلم متناسياً أن العلاقات الاجتماعية هي “عصب” الوجود السوداني وأن المشي في جنازة أو حضور عقد قران هو “الترس” الذي يحمي ماكينة المجتمع من التآكل.
لقد أسقطت كلمته كل أبراجي العاجية وأخبرتني بوضوح
أنّ المنطق ليس دائماً على حق ففي الأعراف العاطفة والوجود الجسدي أصدق أنباءً من المنطق “الرقمي”.
أنّ “الزول الساي” هو من يفتقر للبعد الثالث؛ ذلك البعد الذي يجعلك تدرك أن ذهابك للزواج ليس من أجل العريس بل من أجل “الصديق” الذي سيسند كتفه بكتفك في غدك.
أنّ الثقافة ليست في “رصّ الكلام” بل في “تقدير المقام”
مدرسة الشاي الرمضاني …
عدتُ بذاكرتي لتلك اللحظة وأدركت أن والدي لم ينتقد رأيي في “الزواج” بقدر ما انتقد “ضحالة” نظرتي للحياة هو يريدني “زولاً” مشحوناً بالقيم عارفاً بالدرب يدرك أن “المجاملة” ليست عبئاً بل هي الضريبة التي ندفعها لنعيش في وطنٍ يسأل الجار فيه عن جاره.
انتهت الجلسة وبقي طعم الشاي مرّاً قليلاً في حلق كبريائي لكنه كان الدواء المرّ الذي احتجتُه لأفيق من سكرة “الفردانية” والمنطق الجاف.
إلى “بوصلة” البيت… والدي العزيز
يقولون إنّ القسوة أحياناً هي وجهٌ آخر للمحبة وقد وجدتُ في كلمتك الخشنة “أنت زول ساي” ناعم الحكمة الذي كنتُ أفتقده.
لقد جئتُك ليلة أمس بـ “منطقي” البارد وفلسفتي التي استقيتها من الكتب والشاشات ظاناً أنني ملكتُ ناصية الفهم فإذا بكلمتك الصادقة تعيدني إلى حجمي الطبيعي؛ لا قزماً بل ابناً يحتاج أن يتعلم كيف يقرأ وجوه الناس قبل أن يقرأ سطور الورق.
أدركتُ الآن أن “الزول الساي” هو مَن يظن الحياة حساباتٍ ورياضيات بينما هي في نظرك ونظر الحق-وقفةُ خاطر ومشيةُ واجب وكتفٌ يُسند في ساعة الفرح قبل الضيق.
شكراً لأنك لم تتركني لغُروري الثقافي وشكراً لأنك رممتَ وعيي بكوب شايٍ وكلمةٍ هزت أركان “أناي” المتورمة.
دمتَ لنا مدرسةً ودام جهرك بالحق منارةً تمنعنا من أن نكون “ساي” في زحام العابرين.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم