حِينَ تُخْتَطَف السِيَاسَةُ: هَلْ التَصْنِيْفُ بِالإرْهَابِ لاسْتِعَادَتِهَا أمْ لِاسْتِبْدَالَهَا؟

حِينَ تُخْتَطَف السِيَاسَةُ: هَلْ التَصْنِيْفُ بِالإرْهَابِ لاسْتِعَادَتِهَا أمْ لِاسْتِبْدَالَهَا؟

”مقاربة فكرية في دور الأدوات الاستثنائية في استعادة العمل السياسي“

When Politics Is Hijacked:

Is Terrorist Designation a Path Back to Politics, or a Substitute for It?

بروفيسور مكي مدني الشبلي

المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

لم تعد السياسة في السودان غائبة فحسب، بل باتت مُختطفة بين العنف والإقصاء، وبين أدوات استثنائية يُراد لها أن تحل محلها. ومع اقتراب مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، يبرز سؤال جوهري: هل يُستخدم التصنيف بالإرهاب لاستعادة السياسة إلى مجالها الطبيعي، أم يجري توظيفه كبديل عنها حين تعجز النخب عن إدارتها؟ هذه مقاربة فكرية لفهم حدود هذه الأداة ومخاطر تحويلها إلى سياسة دائمة.

أثار النقاش الذي دار حول دعوة قوى مدنية سودانية لتصنيف المؤتمر الوطني تنظيماً إرهابياً سؤالاً يتجاوز موضوع التصنيف بالإرهاب ذاته، ليلامس جوهر الأزمة السياسية في السودان والمنطقة: ماذا نفعل حين تُخْتَطَف السياسة نفسها؟ وحين تصبح أدواتها التقليدية عاجزة، أو مختطفة، أو مستباحة بالسلاح؟

من المفيد بدايةً التمييز بين مستويين مختلفين في النقاش. الأول أخلاقي، مبدئي، يحذر من تحويل أدوات استثنائية، كالتصنيف بالإرهاب، إلى بدائل دائمة عن السياسة، لما يحمله ذلك من مخاطر التسييس المفرط، وتدوير العنف، وتكريس منطق الإقصاء. هذا التحذير مشروع، وضروري، ولا ينبغي التقليل من شأنه. أما المستوى الثاني فهو واقعي–سياسي، ينطلق من سؤال أكثر إلحاحاً. ماذا يحدث عندما لا تكون هناك سياسة أصلاً كي نحميها من الاستبدال؟

حين تتوقف الحرب في السودان: كيف نعيد السياسة دون أن نُعيد العنف (سياسة بلا سلاح – سلاح بلا سياسة)؟

لم يعد السؤال في السودان هو: هل ستتوقف الحرب؟ بل كيف ستُدار اللحظة التي تلي وقف إطلاق النار؟ فالتجربة السودانية القريبة تُظهر أن إنهاء القتال لا يعني تلقائياً عودة السياسة، وأن أخطر مراحل الصراع ليست دائماً أثناء الحرب، بل في الفراغ الذي يليها، حين تتصارع السرديات، وتتنازع الأدوات، وتُختبر قدرة الدولة على استعادة نفسها.

في هذا السياق، يكتسب النقاش حول التصنيف بالإرهاب، والإقصاء السياسي، وحدود المشاركة في المرحلة الانتقالية معنىً عملياً لا يحتمل الترف النظري ولا التحليل المسترسل. فالسودان مقبل على لحظة  إِبْتِناء، لا مجرد تسوية.

إن أحد أكبر التحديات التي ستواجه السودان بعد وقف إطلاق النار هو منع عودة السلاح إلى قلب العملية السياسية. فالقوى التي امتلكت القدرة على التعطيل المسلح بالانقلاب والحرب، ستسعى، بطبيعة تكوينها، إلى تحويل هذا النفوذ إلى مكاسب سياسية. هنا تحديداً، تصبح السياسة مهددة بالاختطاف من جديد، ولكن هذه المرة باسم ”السلام لا باسم ”الحرب“.

التجربة السودانية منذ 2019 واضحة: كلما جرى القفز فوق السياسة المدنية، أو خلطها بالقوة المسلحة، كانت النتيجة انقلاباً أو حرباً. ولذلك فإن السؤال المركزي في مرحلة ما بعد وقف النار هو: كيف نُغلق الباب أمام إعادة إنتاج العنف داخل السياسة؟

متى تكون السياسة غائبة فعلاً؟

في السياقات المستقرة، تُدار الخلافات عبر المؤسسات، والانتخابات، والقضاء المستقل، والتوازنات الديمقراطية. هناك تكون السياسة موجودة، والإقصاء الانتخابي مؤقتاً ومشروعاً، والتصنيف الاستثنائي غير ضروري بل ضار. لكن في سياقات مثل السودان اليوم، حيث الدولة نفسها مُخْتَطَفَة، والمؤسسات منهارة، والسلاح حاضر في قلب المعادلة، يصبح الحديث عن ”السياسة“ بالمعنى الكلاسيكي أقرب إلى ”الاشتهاء الرغبوي“ منه إلى ”التحليل الموضوعي“.

في مثل هذه السياقات كالتي تواجه السودان بعد وقف إطلاق النار، لا تواجه الدولة المدنية خصوماً سياسيين فقط، بل فاعلين مسلحين:

  • يملكون القدرة على تعطيل الانتقال،
  • ويستخدمون السلاح كأداة للشرعية،
  • ولا يعترفون بالقوى المدنية.، بل يخونوها.

هنا، لا يكون السؤال: هل نُفضّل ”السياسة“ أم ”التصنيف بالإرهاب“؟ بل: كيف نعيد السياسة أصلاً إلى المجال العام بعد اختطافها بقوة السلاح؟ وكيف نمنع أن يتحول العنف إلى الطريق الوحيد لتحقيق المكاسب؟

التصنيف بالإرهاب: أداة أم بديل؟

التجارب الدولية تُظهر أن التصنيف بالإرهاب ليس حكماً أخلاقياً خالصاً، بل أداة سياسية وقانونية ذات آثار عملية: تجفيف الموارد، عزل الفاعلين، فرض قيود على الحركة، ودفع بعض القوى إلى إعادة التموضع. هذا واقع لا يمكن إنكاره. لكن الخطأ يبدأ حين يُتصوَّر التصنيف بوصفه حلاً نهائياً، أو بديلاً عن عملية سياسية لاحقة.

الخطر الحقيقي، إذن، ليس في الأداة نفسها، بل في تثبيتها كغاية. أي عندما يصبح التصنيف وسيلة لإغلاق السياسة لا لإعادة فتحها، وعندما يُستخدم لإدارة الصراع إلى ما لا نهاية، بدلاً من أن يكون إجراءً انتقالياً يفرض شروط الحد الأدنى لعودة العمل السياسي المدني.

بهذا المعنى، يمكن القول إن التصنيف بالإرهاب يكون:

  • أداة اضطرارية في لحظة الانهيار،
  • لكنه يصبح خطراً حين يُقدَّم باعتباره بديلاً دائماً عن السياسة.

من يصنف سلوك ومنهج المؤتمر الوطني، وليس اسمه؟

في ديسمبر 2018، لم يخرج السودانيون لإسقاط حكومة بعينها، بل لإدانة منظومة حكم كاملة قائمة على الاستبداد والفساد وتقويض الدولة. كان ذلك تصنيفاً سياسياً وأخلاقياً ملزماً، لا يقل قوة عن أي تصنيف قانوني لاحق. هذا الحكم الشعبي لم يكن رمزياً، بل تأسس على تجربة ثلاثين عاماً من القمع والتمكين والنهب، ثم تعزّز بعد سقوط النظام بمحاولات إجهاض الثورة، والانقلاب عليها في أكتوبر 2021، ثم إشعال حرب أبريل 2023 والإصرار على استمرارها. بذلك، جعل سلوك ومنهج المؤتمر الوطني، في الوعي الجمعي السوداني، تنظيماً مُداناً سياسياً بحكم الشعب، حتى قبل أي توصيف قانوني دولي، أو مبادرات لوقف الحرب، سواء من الرباعية، أو من مكوناتها. وعليه فإن أي معالجة تقتصر على حظر مسمّى ”المؤتمر الوطني“ بعينه تُعد قاصرة. ذلك أن الإطار الرشيد هو تجريم السلوك والمنهج وإثبات الاستمرارية التنظيمية، بما يسدّ باب التحايل ويضمن قابلية التنفيذ والصمود القضائي.

الإقصاء السياسي: بين الوقاية والكارثة

يختلط في النقاش العام حول التصنيف بالإرهاب مفهوم الإقصاء السياسي اختلاطاً شديداً. فهناك فارق جوهري بين:

  • الإقصاء الثوري/الديمقراطي المرحلي، الناتج عن ثورة شعبية أو انتخابات، وقابل للمراجعة،
  • والإقصاء الوجودي القسري، المرتبط بالسلاح، والانقلابات، والتجريم الشامل.

الأول ليس فقط مشروعاً بحاكمية الثورة الشعبية والانتخابات العامة، بل ضرورياً كآلية ردع سياسي لمن اختطفوا السياسة وتمنع الانزلاق إلى العنف. فكل تداول سلمي للسلطة ينطوي بالضرورة على إقصاء مؤقت لقوى خاسرة، دون تجريدها من حقوقها أو شيطنتها. أما الثاني، فهو وصفة مضمونة لإعادة إنتاج الحرب، لأنه يحوّل السياسة إلى صراع بقاء.

في السودان، لا يمكن الحديث عن مشاركة الجميع ”دون شروط“ في المرحلة الانتقالية، لأن هذه المرحلة نفسها وُجدت لمعالجة آثار الانهيار، لا لتكريسه. المشاركة السياسية الكاملة يجب أن تكون ثمرة للانتقال، لا شرطاً مسبقاً له. فإشراك قوى تورطت في تقويض السياسة أو حمل السلاح في إدارة المرحلة الانتقالية نفسها، لا يُعيد السياسة، بل يفرغها من معناها. الإقصاء السياسي المرحلي شرط ”سيادة“ السياسة لا نقيضها.

الأدوات الاستثنائية: بين الضرورة وخطر الديمومة

في سياق دولة منهكة، ومؤسسات ضعيفة، وعدالة انتقالية لم تبدأ بعد، قد تبدو الأدوات الاستثنائية، مثل العزل السياسي المرحلي، أو القيود القانونية على فاعلين بعينهم تسببوا في الانهيار، ضرورية لضمان الحد الأدنى من الاستقرار. لكن الخطر يبدأ حين تتحول هذه الأدوات من إجراءات انتقالية محددة إلى نظام دائم لإدارة السياسة.

السودان لا يحتمل نموذجاً تُدار فيه المرحلة الانتقالية بمنطق ”الغلبة“ أو ”التصفيات السياسية“، ولا يحتمل في الوقت ذاته تسويات تُعيد إلى مركز القرار من ثبت تورطه في تقويض الانتقال أو إشعال الحرب. التوازن الدقيق هنا ليس أخلاقياً فقط، بل سياسياً وأمنياً.

السياسة كهدف نهائي لا كذريعة

النقطة المركزية التي ينبغي الاتفاق عليها هي أن السياسة ليست شعاراً، بل نظام قواعد: مدنية، سلمية، قابلة للتنافس. وكل أداة تُستخدم خارج هذا الإطار يجب أن تُقيَّم بمدى إسهامها في إعادة بناء هذه القواعد، لا في هدمها، كما فعل المؤتمر الوطني ومساندوه.

من هذا المنظور، يصبح السؤال الأهم:

  • هل يساعد التصنيف أو الإقصاء المرحلي في تفكيك العنف الذي أقحمه المؤتمر الوطني في السياسة؟
  • هل يفتح المجال لعودة العمل المدني؟
  • أم أنه يُغلق الأفق ويُراكم الاحتقان؟

الإجابة ليست واحدة في كل السياقات، ولا يمكن تعميمها. لكنها لا تُحسم أخلاقياً فقط، بل بتحليل دقيق للواقع، وموازين القوة، والبدائل المتاحة.

العدالة الانتقالية: الغائب الذي لا يجوز تجاهله

لا يمكن فصل أي نقاش حول الإقصاء أو المشاركة عن مسار العدالة الانتقالية. فغياب العدالة هو ما يجعل الإقصاء يبدو انتقامياً، والمشاركة تبدو إفلاتاً من العقاب. في السودان، لا بد أن يكون واضحاً منذ اليوم الأول بعد وقف إطلاق النار أن:

  • الجرائم لا تُغلق بالتسويات،
  • والدم لا يُمحى بالصفقات،
  • والمساءلة ليست نقيض الاستقرار، بل شرطه.

وجود مسار عدالة موثوق، ولو بدأ تدريجياً، هو ما يمنح أي ترتيبات انتقالية معناها، ويمنع تحويل السياسة إلى ملاذ آمن للمفسدين.

الدرس السوداني

السودان اليوم في لحظة اختبار تاريخية. ليس المطلوب تدنيس أدوات بعينها، ولا تقديسها، بل إدراك أن:

  • اختطاف السياسة هو الخطر الأكبر،
  • وإعادة بنائها قد تتطلب إجراءات استثنائية،
  • بشرط أن تكون مؤقتة، محددة، وموجهة نحو استعادة المجال المدني.

أما تحويل الأدوات الاستثنائية إلى حالة دائمة، أو استخدام خطاب السياسة لتبرير العنف، فكلاهما يؤدي إلى النتيجة ذاتها: إدامة الصراع، وتعميق الانقسام، وتأجيل الدولة.

خاتمة: سؤال مفتوح لا إجابة جاهزة

لعل الخلاف الحقيقي في هذا النقاش ليس حول التصنيف أو الإقصاء، بل حول سؤال أعمق: كيف نُعيد السياسة إلى فضاء خُطفت منه، دون أن نُسلّم الدولة لمن دمّروها، ودون أن نقدّس أدوات استثنائية أكثر مما تحتمل؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تكون يقيناً جاهزاً، بل مساراً شاقاً من التجريب والمراجعة. لكن ما لا يحتمله السودان اليوم هو الهروب إلى شعارات مريحة، أو إلى أدوات قاطعة تُغلق السياسة باسم إنقاذها. فالسياسة، في النهاية، لا تُستعاد بالإنكار أو التستر على مختطفيها، بل بالاعتراف بحدودها، وإدارة فترات اختطافها بشجاعة دون أوهام.

ما بعد وقف إطلاق النار في السودان سيكون اختباراً للدولة أكثر من كونه اختباراً للنوايا. فالنوايا الحسنة لا تمنع الانهيار، والنيات السيئة لا تنتصر إذا وُجدت مؤسسات وقواعد واضحة. السؤال الحقيقي الذي يجب أن يوجّه المرحلة المقبلة ليس: من نُقصي ومن نُشرك؟ بل: كيف نمنع السلاح من أن يكون طريقاً إلى السياسة مرة أخرى؟ وكيف نعيد السياسة إلى معناها الأصلي: تنافساً سلمياً، قابلاً للخسارة، ومحصَّناً ضد الابتزاز بالقوة؟ إذا نجح السودان في الإجابة العملية عن هذا السؤال، فسيكون قد تجاوز أخطر مراحل تاريخه الحديث. أما إذا أخفق، فلن تكون الحرب التي توقفت سوى مقدمة لحرب أخرى مؤجلة.

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …