خاطرة طالبة ” تودع” جامعة الخرطوم

خاطرة طالبة ” تودع” جامعة الخرطوم
“من أدب الرسائل مع زينب الطاهر”
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
كتبت الطالبة زينب الطاهر عبدالمحمود العربي في ختام سنتها النهائية :
أمس الأول وضعت آخر قلم لي في كلية القانون جامعة الخرطوم، واليوم لا أصدق أو أدرك كيف أودعها ونحن أبناء سبعٍ فيها

أتذكر جلساتي في برندة مدرسة الراهبات، ونقاشاتي الطويلة أنا وصديقتي وأحاديثنا عن رغبتنا في دخول جامعة الخرطوم، كلما سنحت لنا الفرصة للحلم بها.

كنت في الصف السابع عندما رغبت في كلية القانون فعرفت هواها قبل أن أعرف الهوى، وأكاد أجزم أن الرقم سبعة هو الذي يلازمني منذ بداية الرحلة، إذ عقدت العزم في الصف السابع وأنهيت الدراسة في سبع سنين!

في أواخر الصف الثاني الثانوي، أشتركت في مبادرة تعليم الاطفال صناعة الفلم، وكان عنوان فلمي القصير “وهل سيبقى حلماً؟!” الذي كان وثائقياً عن جامعة الخرطوم شارك فيه العديد من طلابها وأساتذتها وعمدائها من مختلف الكليات.
ولكن ما يتردد على ذهني كثيراً، وأقتبسه دائماً في حديثي مع الناس قول بروف عبدالرحمن من علوم الفيزياء، عندما تحدث في الفلم وقال: “جامعة الخرطوم ليست جميلة ومستحيلة بمبانيها، وانما بمخرجاتها، ومخرجاتها هم الطلاب”.

مضت الرحلة واجتزت امتحان الشهادة السودانية وتم قبولي في كلية القانون جامعة الخرطوم، ولكن الحلم استمر طويلاً، من بدايات ثورة ديسمبر، مروراً بجائحة كورونا إلى الانقلاب ثم الجائحة الثانية، وأخيراً بالحرب.

لم يكن في بالي قط، أنني سأغادر مسقط رأسي، بل أن أكمل آخر فصولي الدراسية خارج أسوار جامعتي.

اليوم وأنا في قاهرة المعز، أرسل سلامي وتحياتي لوطني وشهدائنا الكرام، ثم إلى جامعة الخرطوم بمبانيها وقاعاتها وطرقاتها ومكتباتها، وإلى من وضعنا في أول الطريق وأضاء ظلمات دربنا “معلمينا وأساتذتنا”، الذين رغم صعوبة الأوضاع إلا أنهم لم يبخلوا علينا بعلمهم، أرسل لهم شكري وتقديري وآمل أن تجدهم كلماتي بخير وصحة وعافية، وأما من رحل منهم من دنيانا فإنهم لم يرحلو من ذاكرتنا، بل تركوا لنا إرثاً وعلماً نافعاً أدعو الله أن يعيننا على حمله، لهم الرحمة والمغفرة إلى أن نلتقي عند الكريم.

وإلى كل من مرّ علينا في الجامعة، أساتذة وعمال وطلاب، وإلى دفعتي العزيزة، وإن كان فراقنا المر ليس عن طوع منا ولا اختيار، أدعو لكم بالتوفيق والنجاح وأن نلتقي مجدداً في مسرات الحياة ونجاحاتها، وإن كان ولابد أنه ستتقاطع دروبنا مجدداً، فاعلموا إنكم كنتم خير جليسٍ ومعينٍ وإخوة لي.

تنتهي كلماتي وينقطع الحبر من قلمي ويجف المداد، وقلبي يفيض ويمتلئ حين الحديث عن عائلتي وأسرتي، وقامتي وإن كبرت فهي صغيرة أمام هيبتكم وحضوركم.
إلى والدي مولانا الطاهر العربي، الذي أحمل اسمه أينما ذهبت، كلما جلست في قاعة أو كنت مارةً في الكلية يسألني أحدهم “أنتي بت الطاهر العربي؟”، من الجميل جداً أن تنسب لأحدٍ يعرف الناس ثقله، ولكن في نفس الوقت يبقى عبئاً عليك حسن التمثيل له.
كنت أتشوق دوماً عندما تظهر النتيجة و أهاتف أبي و يرد علي قائلاً: “دي المُحرَّية فيك”، في كل مرة أسمعها يكون وقعها علي كأنها أول مرة، يتراقص قلبي فرحاً بها، وكل أمرٍ يصبح يسيراً، ويصبح الكون مداراً تحيط به كواكب مسراتي.
ولا أخفي إعجابي بشخصه، أو حتى أنني أحببت القانون على يديه.

إلى والدتي، التي عاشت معي جميع هذه الفصول -والتي بعملها في جامعة الخرطوم عندما كانت تستصحبني معاها- جعلت الجامعة تستقر فيَ.
ولا أنسى أنني كنت في الجامعة إما أُعرف بــ “بت الطاهر العربي” أو “بت دكتورة أُهيلة ابنعوف”، وهذا من فضل ربي.

وإلى إخواني، وحقيقة أدوارهم رئيسية لا ينكرها عليهم أحد، سأظل حاملةً لكل ما قدموه لي من كل الأشياء وزراً على كتفي.

وإلى عائلتي الممتدة، شاكرة و حامدة وممتنة لكم جداً، كانت كلماتكم ومواقفكم دافعاً لي ومشجعة وبركة إنني جئت واحدة منكم.
كنت أتمنى أن يأتي يوم مثل هذا، وأن يكون حاضراً معي من رحل منا إلى دار البقاء، أُناس كانوا ينتظرون هذا اليوم معي، داعمين لي، إلى أعمامي مجذوب وعمر ود. علي و د. بابكر العربي، وخالتي الراحلة عنا حديثاً إلهام رباح. فقدنا بكم جلل، وكل منا يتلفت في المناسبات بحثاً عنكم، رحمكم الله رحمة واسعة، وجمعنا بكم في جناته نقص عليكم ما حدث بغيابكم.

إلى كل صديقاتي وعزيزاتي، وكل من التقيت به وكان مني، تعرفون قلمي جيداً، شكراً لوجودكم وسندكم، ومساعدتكم وأشياء اخرى تعلمونها جيداً.

هنا تعليق أهديه للقارئ الكريم و في نفس الوقت هو رد مني إلي إبنتي زينب بل إلي كل زملائها الشرفاء شباب السودان الواعد المنتظر منه الخير والنماء فهم الإستثمار الحقيقي الذي يجب علينا نحن الآباء و الأهم “قبلنا” الدولة الاهتمام بهم وتشجيعهم وسندهم في كل مراحل التعليم

“هذا المقال الرصين وجدا شيق و موثر وصلني من ابنتي زينب ابنة شقيقي مولانا الطاهر تصور فيه بقلم ينبض شباباً واعدا بالخير حين عبرت من أعماق القلب كيف شعورها وهي تجني ثمار حصيلة زرعها “زرع الشباب الغض على تربة النيل البكرية” لكنه لم يسلم وقد تعثر نموه المنتظر بعوامل عديدة ” جيوفيزيولوجية وسياسية و جوائح صحية” تأثرت بحكمها كل مناخات الحياة في الوطن الكبير السودان.
جملة أعجبتني أضمنها هنا من مقال نشر قبل ايام على سودانايل للكاتب والشاعر من الجنوب السوداني الحبيب إدوار كورنيليو يقول “عند مفترق الطرق ، لا تُبنى الأوطان بالبنادق، بل بالكتب. لا تُبنى بالخنادق، بل بالمدارس. لا تُبنى بالشعارات، بل بالعدالة”. وهذا يعيدني إلى ما خطته الشابة النابهة زينب بقلمها الذي يحكي قصة صبر وكفاح شباب ضاعت من عمره أهم سنين العمر بعيدا عن المدارس والجامعات بسبب ظروف الأمراض الوبائية أو الإضطرابات نتيجة الخلافات السياسية أو الجهوية والتي نتيجتها الحرب التي لا ترحم ليس بني الإنسان فقط بل حتى الجماد. والخسران أولا و اخيراً يشمل الوطن برمته. كم سنة ضاعت من عمر زينب ومن هم مثلها الذين في طريق العلم كانوا يتسلقون ذلك السلم السوداني الهش الذي تلعب به الرياح الشيطانيّة منذ سنوات الأساس وحتى الجامعات، تهزه فيقع البعض ارضاً مغشياً و من الاخرين من يتجلى في بذل الصمود منقطع النظير حتى النصر. آلنزوح وفقدان الجامعة وقاعاتها وأساتذتها وزملاء الدراسة وساحاتها ، حتى قردتها ” الصديقة” تجربة صعبة لا يتمناها شخص عاقل. هنا و أنا اقدم زينب ليس لأنها إبنة الشقيق بل لأنني جدا سعيد أنها أنموذج رائع لزملاء لها رغم النزوح ونفسيات تداعيات الحرب قد صبروا صبر أيوب حتى تكلل كفاحهم بالنجاح. وهي في مهجرها بالقاهرة كانت في نفس الوقت تدرس القانون في جامعتين، إضافة إلي أي عمل شريف تتحصل فيه على ما يعين متطلبات دراستها.
التهاني مقدما بالنجاح والتخرج حتى وان لم تعلن النتائج فهي كما عودتنا ناجحة باذن الله والحمد لله ليس في الدراسة الجامعية وحدها بل ناجحة في قمة الخلق والاستقامة والسمعة الطيبة والتعامل الراقي الطيب ورصانة في العقل والتعقل رغم صغر سنها منذ زمن صارت تعرف أن إسمها زينب وأن لها مستقبلا ينتظرها رغم معوقات الزمن فلن تتواني والدليل على ذلك انها تمتحن مادة القانون للتخرج من جامعة الخرطوم و والجلوس لامتحان مادة القانون من جامعة القاهرة ” وقد بدأت من الصفر فيها” في نفس الشهر. هذا النوع المثابر هو الذي نريده من الشباب الذي نرجوه وننتظره لبناء وطن نخاف عليه من الضياع، وطن للأسف الشديد فشل الكبار في إدارته والصعود به إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى
ألف زهرة فل وياسمين وألف وردة روز مهداة لك يا زينب ولكل زملائك أبناء السودان القابضين على جمر الغربة وجهاد العلم وجهاد النفس في نزوح لا يحمد ولا يتمنى وظروف قاسية لا يعلمها إلا الله. شكراً لك ولوالديك وأساتذتك و الدعاء لكم جميعاً من القلب والمجد يا رب لكل جامعات السودان وأساتذتها، فيارب إستجابة الدعاء”
عمك عبدالمنعم

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هذا العنوان، مع الاعتذار و”الإجلال”، هو “استيحاء “من عنوان …