خالد المبارك ومحمد مراد: قفة الحزب .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
4 يونيو, 2015
د.عبد الله علي ابراهيم, منبر الرأي
41 زيارة
نشر الدكتور محمد مراد القيادي المخضرم بالحزب الشيوعي كلمة عن رفيقه السابق الدكتور خالد المبارك أعجبني فيها دماثة معروفة عنه. فخلافاً لمن “يبستفون” الزميل السابق ويردون خروجه إلى عيب خَلقي كامن: عَفن وأنشم. ميز مراد مساهمة خالد القيادية الشيوعية تمييزا من لدن مدرسة حنتوب إلى جامعة الخرطوم مرتين: منذ 1956 حتى فصله وهو في سنواته الأخيرة بها ثم عودته لها بعد ثورة أكتوبر .1964. وكان بين الفترتين في شرق أوربا لعب أدوار قيادية في منظمات الطلاب العالمية. لم يجحد مراد رفيقه خالد السابقة الشيوعية والتضحية من أجلها. ولم يمر عليها مروراً سريعاً بل تمكث.
ثم جاءت “النجرة الشيوعية” في مقال مراد. فقال إن بعودة خالد لجامعة الخرطوم بدأت “موازينه تخف” خفة اتسمت باستجابته لضغوط الأخوان المسلمين خلال ترؤوسه اتحاد طلبتها عن الجبهة الديمقراطية. واختلفت مع مراد هنا في أمرين: أولهما أن خالد الذي خدم معنا في “أخبار الأسبوع” في آخر الستينات وابادماك بعد تخرجه لم يكن خفيف الوزن بل ثقيله على أنني لم استلطف عبارة خفة الوزن لاقتصار وزن عضو الحزب على مسطرة أو سنجة الحزب. وكانت خدمته تلك، ضمن تاريخ حافل بصالح الشيوعيات، ما زكاه لأستاذنا عبد الخالق محجوب ليتفرغ كمثقف عضوي بالحزب في سياق مفهوم أوضح أستاذنا فقهه في “قضايا ما بعد المؤتمر الثالث” (1968). وكتب خالد مرة عن انصرافه عن دعوة أستاذنا. وقال يعرض بعيونه الماكرة الواسعة إنه تحدث إليه ليتولي إدارة إرشيف الحزب ضمن مسؤولياته الجديدة. ووجهه ليحصل عليه من زميل ما. فجاءه الزميل بالإرشيف في قفة. فطمت بطن خالد من شيل قفة الحزب تلك. وتخلى عن المهمة ظاهراً وباطناً ثم عن الحزب بعدها. وتساءلت بعد قراءة خالد إن لم يكن أستاذنا ما اصطفاه إلا لأنه رغب أن ينقلنا خالد من القفة إلى غيرها في إطار حربه آنذاك لما كان يسميه “البدائية في عمل الحزب”.
كما لم تخف موازين خالد وهو يتصدى وحده تقريباً في الصحافة المؤممة لحملات تصحير الفن خلال طواريء نميري الإسلامية في 1984. فأحتج في مقال طويل (الصحافة 3 نوفمبر 1984) الاعتداء على تمثال غاندي بعد الإطاحة بتمثال بابكر بدري وتمثال آخر للشهيد حران بمعهد المعلمين العالي (كلية التربية بجامعة الخرطوم حالياً). وأنتقد منع معتمد الخرطوم، مؤازراً جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انعقاد حلقة المديح المعروفة بميدان الأمم المتحدة. وانتقد الإجراء لأن حجب حلقة المديح لا يستقيم ومزاعم دولتهم عن التراث والأصالة. وقال بوضوح إن المادح وحلقته زينة وليس سبة في وجه المدينة. وهو صوت لا ينبغي إخراسه لأن حلقته هي صالة للعرضة والفرجة والمشاركة تكفل لمحبي المديح صحتهم النفسية. وانفتحت على خالد خراطيم الهوس الديني. فسمى أحدهم تمثال غاندي صنماً وأعاد علينا مرويات “كتاب الأصنام” لابن الكلبي. واستل آخر حديثاً منسوباً لأفضل البشر قال بوجوب حثو التراب على وجه المادح.
ولم تخف موازين خالد في صفوف المعارضة المهاجرة لنظام الإنقاذ في التسعينات. وكان على رأس تحرير مجلة للمعارضين بلندن لا طعم لها ولا رائحة. ولكن ما يأخذه الشيوعيون على خالد بصورة قاطعة، كما أعاده مراد، هو حادثة معهد الموسيقي والمسرح في 1980 أو نحوها. فذاع أنه فصل نفراً من أساتذة المعهد الشيوعيين ورفاقهم الذين ساندوا إضراب طلاب المعهد ضد زيارة الرئيس نميري لمؤسستهم. ولما كنت قريباً من المعهد لعضويتي في اللجنة الأكاديمية رأيت ألا تمر هذه الذائعة عن خالد بغير أن أدلي بدلوي الذي هو لصالح خالد. وروجت لشهادتي هذه كلما نشب الحديث اللاعن لخالد بسبب هذه الواقعة ولم أقيده بالكتابة. وها أنا أفعل عملاً لله والحزب والوطن في كلمتي القادمة.
IbrahimA@missouri.edu
////////